الدبلوماسية والتكنولوجيا والاقتصاد الأزرق

في عالم بات سريع التحرك وتتغير أو تتبدل فيه المفاهيم والتطبيقات بسرعة أيضا، فمن الضروري المواكبة والعمل على إيجاد المصطلحات الحديثة التي تواكب اللحظة الراهنة وفي الوقت نفسه الاندماج في مفردات العصر عبر التطبيقات على المستويات الاقتصادية والصناعية والتجارية وغيرها، بما يعزز التنمية المستدامة المنشودة للأجيال الحالية والقادمة.
انطلاقا من هذا الباب تأتي أهمية مؤتمر «اقتصاد المحيطات وتكنولوجيا المستقبل» الذي تُنظمه وزارة الخارجية ضمن أجندة المنتدى الدولي لدبلوماسية العلوم والتكنولوجيا، في إطار الربط بين الدبلوماسية والعلوم والاقتصاد وعلاقة هذه المجالات بالمصالح الدولية، لاسيّما البلدان المطلة على البحار، وهو نوع من التفكير الحديث الذي يرى أن الدبلوماسية والأداء الحسن لها يمكن أن يقود إلى ابتكار الاقتصاد الجديد.
هذه الفكرة ليست بالجديدة على المستوى النظري والتاريخي، فقد أشار معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في تصريح صحفي في إطار المؤتمر، إلى الإرث العُماني التاريخي الذي ساهم لحد كبير في ربط مفهومي الدبلوماسية والتقانة، وذلك في حركة العمانيين الدائبة عبر البحار والمحطيات حيث يصنعون السفن ويصلون بين الأمم، ومن ثم يعملون على تيسير هذا السعي والحراك في تحفيز التجارة والعلاقات الإنسانية بين الشعوب، وهذا يجسد قمة الارتباط المنشود في هذا الجانب الذي يعاد تشكيله الآن بوجهات أكثر حداثة، بالنظر إلى أن مفهوم الاقتصاد نفسه يعاد تعريفه ويصبح معقدا وله دلالاته المعرفية الكبيرة. فهناك الآن «الاقتصاد الأزرق» على سبيل المثال، الذي يصب في إطار هدف المؤتمر، ويعني الإدارة المثالية للموارد المائية والبحار والمحيطات بالشكل المستدام الذي يحافظ عليها وفي الوقت نفسه يحقق منها الموارد الآنية والمستقبلية، هذا المفهوم الذي رغم أنه حديث جدا، إذ يعود إلى عام 2012 بعد مؤتمر «ريو + 20» أو مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة الذي عرف بقمة الأرض، إلا أنه – أي المفهوم – أخذ العديد من التطبيقات وبات أحد محركات الاقتصاد الجديد ضمن أنواع أخرى من الاقتصاديات الابتكارية التي تربط بين الإنسان والبيئة ومختلف الموارد على كوكب الأرض، في منظومة تأخذ وتعطي ويفترض أن تحافظ على مستقبل الجميع من المفردات الحيوية والمادية في الكوكب.
فالحديث عن الاقتصاد اليوم لا يمكن أن يتم بمعزل عن قراءة جديدة للإنسان والبيئة، وربط الأنساق الفكرية مع الجوانب المادية، فمن هنا فالطريقة التي يفكر بها البشر ويديرون العلاقات الإنسانية ويتحاورون ويفكرون تصب في صلب وجوهر النداء الإنساني لصيانة الأرض والاستفادة منها، وهي التي يمكن أن نسميها الدبلوماسية النافعة التي تبني وتستثمر وتفيد بدلا من أن تخرب وتدمر وتحيل العالم إلى حروب وعنف وصراعات.
إننا في السلطنة في حاجة لهذه الجوانب الحديثة، من حيث الأبعاد العلمية التأسيسية لها، حيث لا ينقصنا الأساس الراسخ في قاعدة التاريخ من حيث القيم والجذور والمرتكزات، ولابد أن ربط الأجيال الصاعدة بهذا الفكر الجديد سوف يعمل على إحداث نقلة في فهم الاقتصاد والحياة بشكل كلي من حيث تحقيق معاني التنمية المستدامة الشاملة والكلية.