الانسحاب الأمريكي المراوغ من سوريا

عاطف الغمرى –

وكأن الرئيس الأمريكي ترامب قد اختار أن يدفع بقراراته بشأن سوريا، إلى متاهة، يقصد منها أن يحتار الآخرون في أمره. وإلا فما معنى المعلومات التي تلاحقت خلال أيام قليلة وكل منها يناقض الآخر؟..
ترامب بدأ بإعلان قراره بسحب قواته من سوريا، خلال أربعة أشهر، ثم أتبعه بمقولته إنه لم يحدد جدولا زمنيا للانسحاب، وفي اليوم الثالث كانت دفعة من قواته في سوريا تتحرك تجاه إقليم كردستان في العراق، وتلا ذلك كله في اليوم الرابع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، أن الولايات المتحدة ليس لديها جدول زمني للانسحاب من سوريا، ثم اكتملت حلقات المسلسل بإعلان انسحاب، ثم قيل إنه سحب معدات وليس قوات.
هذا التضارب في القرارات، ترك المحللين في حالة من العجز عن تحديد حقيقة قرارات ترامب وصارت تساؤلاتهم الحائرة، تسبق قدرتهم على تقديم رؤية متكاملة لما سيحدث.
من بين هذه التساؤلات:
لماذا جاء قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، عقب انتصارات حاسمة للأكراد في سوريا على تنظيم داعش، وكأنه أراد أن يسهل لتركيا شن الحرب التي وصفها الأتراك بتعبير إبادة الأكراد؟.
يقول الكولونيل شون ريان المتحدث العسكري الأمريكي باسم التحالف ضد الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة: إن قوات التحالف الديمقراطي الكردية السورية، حققت انتصارا قويا ضد الإرهابيين، في الأسبوع الذي سبق مباشرة قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وإنني واثق من أنهم كانوا على وشك إنهاء معركتهم ضد داعش وكانت القوات الكردية قد فرضت في سبتمبر 2018، سيطرتها على معظم مناطق شرقي سوريا، معلنة أن زحفها النهائي ضد داعش يمضي قدما إلى الأمام.
وبعد أن كانت داعش في عام 2014 تسيطر على مساحات كبيرة، فإن تواجدها تضاءل إلى حد بعيد عام 2017، بحيث لم تعد تسيطر سوى على جيب صغير، يساوي 20 ميلا مربعا.
من جانبهم يعتبر الأكراد السوريون أن قرار ترامب هو طعنة في ظهورهم، سددها إليهم في التوقيت نفسه الذي هددهم فيه أردوغان بهجوم كاسح، حسب وصفه.
وطبقا لتحليل تشارلز ليستر المحلل بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، فإن ترامب ارتكب خطأ فادحا بقوله إن هزيمة داعش في سوريا قد تمت، بينما هو يجازف بقراره بتسليم المنطقة للإرهابيين.
ويقول ليستر إن داعش شنت هجوما على الرقة، قبل عشر دقائق فقط من قرار ترامب، وهي المدينة التي كان قد تم تحريرها من الإرهاب، وإن مما يدعو للأسى أن نتخلى عن حلفائنا الأكراد وهم في الميدان، والذين قتل منهم الآلاف من أجل «حربنا» ضد داعش.
كثير من السياسيين الأمريكيين يرون أن قرار ترامب، يمكن أن يكون دافعا لداعش لشن حرب عصابات طويلة في سوريا، مثلما سبق أن فعلت في العراق.
أحد هؤلاء السياسيين وهو السيناتور ليندساى جراهام، العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ، قارن بين قرار ترامب، وبين ما سبق أن فعله أوباما بسحب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، وبعدها بعامين تمكنت داعش من الاستيلاء على مساحات في شرقي سوريا، ثم زحفت على غربي العراق، واستولت على الموصل.
ولا يزال الاعتقاد قائما في الولايات المتحدة بأن قرار الانسحاب المفاجئ من سوريا، هو بمثابة دعوة لإيران لتعزيز وضعها هناك، بشكل أكثر قوة.
في الوقت نفسه يقدر خبراء سياسة الشرق الأوسط الأمريكيين، أن التدخل الأمريكي في سوريا بصفة عامة، لم يجلب لها سوى الفوضى، وأن قرار ترامب يلقى بسوريا في أتون حالة من العنف الذي يصعب تقدير نتائجه. وأن نتيجة هذا التخبط في القرارات الأمريكية، هي إطالة أمد الأزمة، بطريقة تدفع بالأوضاع في سوريا إلى مزيد من عدم الاستقرار، وإفساح المجال لأطراف خارجية، لكي تعمل على تحقيق مكاسب لها على الأرض، وكل ذلك يدفع نحو تقسيم الوطن السوري حسبما يظهر من أطماع هذه الأطراف، التي تلعب هناك من أجل مصالحها، وليس من أجل القضاء نهائيا على داعش.
إن كل تصرف يصدر عن أي طرف من الأطراف الخارجية، المتورطة في الشأن السوري، لم يكن أبدا لصالح إيجاد حل سياسي للأزمة هناك، بل كان نابعا من حسابات تخص كل طرف من هذه الأطراف، وهي حسابات لا علاقة لها بالوطن أو المواطن في سوريا.
لهذا نرى مواقف تزيد الأزمة تعقيدا، رغم الادعاء بعكس ذلك.