قمة اديس ابابا والتحولات في افريقيا

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

التحديات التي تحدث عنها عدد من القادة الأفارقة في افتتاح قمة الاتحاد تنصب على مشكلة الإرهاب والفقر والاستغلال غير الرشيد للموارد وغياب الشفافية والفساد وغياب الحوكمة، ومن هنا كانت دعوة القمة إلى إيجاد منظومة اقتصادية وحكم رشيد والانتقال الى آليات تنهي أصل المشكلات في إفريقيا.

مع ظهور هذا المقال تكون قمة الاتحاد الإفريقي الثانية والثلاثين قد أنهت أعمالها في العاصمة الأثيوبية اديس ابابا وسط تطلعات إفريقية نحو حل مشاكل القارة الإفريقية وإيجاد تنمية مستدامة لهذا الجزء الاستراتيجي من العالم والذي يحوي موارد طبيعية وبشرية كبيرة، ولا شك أن الاتحاد الإفريقي أصبح يعمل بآليات جادة من خلال طرح القضايا الاستراتيجية التي تناقشها القمم الإفريقية كل عام.
بين المنظمة والاتحاد كانت منظمة الوحدة الإفريقية والتي أنشئت عام 1963 في اديس ابابا هي المظلة التي كان لها دور كبير في مسألة التحرر الإفريقي من بقايا الاستعمار والدعوة الى التضامن العربي-الإفريقي في ظل وجود زعامات إفريقية في ذلك الوقت، حيث كان للمنظمة دور سياسي مهم لمجابهة التحديات التي كانت تواجه القارة الإفريقية.
ومع وجود التحولات الكبيرة التي شهدتها القارة وخاصة الصراعات العسكرية تم تغيير شكل المنظمة الى الاتحاد الإفريقي عام 2002 وكانت مدينة ديربان في جنوب إفريقيا هي مقر أول قمه للاتحاد من 8-10 يوليو من عام 2002 ولعل من أبرز أهداف الاتحاد الإفريقي هو تحقيق وحدة وتضامن أكبر بين الشعوب الإفريقية والدفاع عن السيادة والأراضي والاستقلال لكافة الدول الأعضاء وتعزيز السلام والأمن والاستقرار وتوطيد النظم الديمقراطية، ولعل دور أكبر في الاقتصاد الدولي وغيرها من الأهداف التي تمكن دول القارة من أن تكون فاعلة في المسرح السياسي الإقليمي والدولي ولعل ظهور القيادات الجديدة في إفريقيا قد ساعد على حل عدد من الخلافات بين الدول الأعضاء خاصة بين دول القرن الإفريقي والدور المهم الذي لعبه رئيس وزراء اثيوبيا ابي احمد.
واصبح للاتحاد قوات عسكرية للتدخل في النزاعات وهناك مجموعة الإيجاد التي تلعب دورا في تخفيف حدة التوتر بين دول الاتحاد كما هو الحال في دارفور والخلاف بين القيادات في جنوب السودان وغيرها من المشكلات، ورغم أن قمة الاتحاد الإفريقي التي انتهت مؤخرا تركت العشرات من القضايا المعلقة ولكنها رسمت بعض الاتفاقيات خاصة على صعيد التجارة الحرة والأسواق المفتوحة بين دول القارة في ظل تدفق الاستثمارات الصينية والغربية.
اديس ابابا عاصمة القمم ارتبطت العاصمة الأثيوبية اديس ابابا بالقمم الإفريقية سواء منظمة الوحدة الإفريقية أو القمم الخاصة بالاتحاد الإفريقي خاصة وان الأمانة العامة للمؤتمر ومقر المنظمة سابقا والاتحاد لاحقا في اديس ابابا، وهذا الزخم السياسي للمؤتمرات الإفريقية في اديس ابابا أعطى هذه المدينة الاثيوبية توهجا سياسيا تعدى القارة الإفريقية الى العالم، ومن هنا فإن اثيوبيا والتي كما اشرنا تلعب دورا محوريا في المصالحات الإفريقية ولديها مشاريعها الكبيرة وخاصة سد النهضة، سوف يكون لها تفرد في مجال الطاقة والمياه بعد استكمال السد الأضخم في إفريقيا.
صحيح هناك تخوف من بعض الدول من سد النهضة خاصة من مصر ولكن هناك تواصل وتنسيق دائم بين الدول الثلاث الأهم في هذا المشروع وهي مصر والسودان واثيوبيا وهناك تصريحات اثيوبية بأن السد لن يضر بالمصالح الحيوية لمصر بشكل خاص.
كما شهدت القمة الأخيرة للاتحاد الإفريقي تسليم الرئاسة لمصر مما يعطي زخما سياسيا لمعالجة عدد من القضايا التي تشهدها عدد من دول القارة الإفريقية، خاصة موضوع الإرهاب في دول جنوب الصحراء ودول الساحل علاوة على الوضع في السودان وأيضا في جنوب السودان ومن خلال انتظام القمم الإفريقية فإن الاتحاد الإفريقي ومن خلال آلياته المختلفة قد اصبح منظمة أكثر فعالية على المستوى الإقليمي، ومن خلال وجود وجود القوات العسكرية التي تتدخل لإنهاء النزاعات في القارة. ومن هنا فإن الهم الاقتصادي يبقى هو الموضوع الأهم في ظل ظهور نماذج يشار لها بالبنان مثل رواندا والتي أصبحت نموذجا اقتصاديا صاعدا بنسبة نمو بلغت مؤخرا 7 في المائة.
كما أن الموارد الطبيعية الكبيرة في دول القارة تجعل من إمكانية نجاح السوق الإفريقية الكبري مجالا للتحول الأهم في إفريقيا وإيجاد التنمية والازدهار الاقتصادي والذي من خلاله تنتهي المشكلات والصراعات والتي سببها الفقر وضياع الموارد والفساد المستشري في عدد من الأنظمة السياسية الإفريقية.
ملفات ساخنة تحوي إفريقيا موارد طبيعية كبيرة كما أن عدد سكانها يبلغ مليارا و200 مليون نسمة، كما تقدر مساحتها بأكثر من 30 مليون كيلومتر مربع وهي بذلك ثاني اكبر قارة من حيث المساحة والسكان وبها من الإمكانات الطبيعية الكثيرة، فهناك الماس والذهب والعاج والغاز والنفط والمساحات الكبيرة الصالحة للزراعة على غرار السودان وهناك الأنهار علاوة على وجود مواقع استراتيجية وبحار مفتوحه كالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وهناك القنوات المائية كقناة السويس في مصر وعلى ضوء هذه الإمكانات فإن القمم الإفريقية تستحضر دوما العوامل المشتركة التي تمكن القارة من فرض وجودها السياسي والاقتصادي في العالم.
التحديات التي تحدث عنها عدد من القادة الأفارقة في افتتاح قمة الاتحاد تنصب على مشكلة الإرهاب والفقر والاستغلال غير الرشيد للموارد وغياب الشفافية والفساد وغياب الحوكمة، ومن هنا كانت دعوة القمة الى إيجاد منظومة اقتصادية وحكم رشيد والانتقال الى آليات تنهي أصل المشكلات في إفريقيا.
البنية الأساسية في كثير من دول القارة تحتاج إلى بناء وهذا يحتاج إلى استثمارات خارجية أولا والى إيجاد مناخ من التشريعات والضمانات والحرص على إيجاد مناخ مثالي للاستثمار على غرار نموذج في رواندا، كما أن موضوع الإرهاب خاصة جنوب الصحراء ودول الساحل يعد من المشكلات الأساسية علاوة علي موضوع الهجرة غير الشرعية والتي تمر عبر جنوب ليبيا حيث الحرب الأهلية بين الفرقاء الليبيين تدور هناك منذ عام 2011 م.
لا يمكن لقمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة أن تحل أكثر من 80 ملفا سياسيا واقتصاديا وأمنيا ومع ذلك فإن الخطوة الأساسية هو إيجاد السلام والاستقرار أولا وحل الخلافات والقضاء على ظاهرة الإرهاب وإيجاد القواسم المشتركة لإطلاق السوق الإفريقية المشتركة من خلال استغلال الموانئ الإفريقية وأيضا نجاح اثيوبيا في إيجاد خطوط طيران هي الأفضل إفريقيا، ومن هنا فان إفريقيا مرشحة لأن تصبح مكانا واعدا للاقتصاد والتجارة والاستثمار فقط تحتاج إلى حلول سريعة وإرادة سياسية للتغلب على جملة المصاعب وهذا بلا شك يحتاج الى تلك الإرادة التي دشن من خلالها رئيس وزراء اثيوبيا مشروعه الإصلاحي في دول القرن الإفريقي بعد سنوات طويلة من الجفاء والخلاف المحتدم والحروب بين دول الإقليم.
إفريقيا أولا وفي ظل تواصل القمم الإفريقية كل عام وفي ظل التفاؤل الذي يسود تلك القمم فان شعار إفريقيا أولا يجب أن يرفع بين أبناء القارة في ظل تلك الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها، كما أن الكتلة السكانية الإفريقية ووجود دول محورية كمصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا والسنغال والسودان والجزائر وغيرها من الدول يمكن أن يؤدي الى حصول إفريقيا على مقعد دائم أو أكثر في مجلس الأمن الدولي إذا تم وهو أمر وارد في القادم من السنوات.
قمة الاتحاد رقم 32 الأخيرة في اديس ابابا لم تحل كل الملفات ولكنها استشعرت أهمية حل عدد منها والانتقال الى الملفات الأخرى، كما أن موضوع السوق المشتركة سوف يغير من شكل التجارة في إفريقيا، أيضا الاستثمار الخارجي والذي يقدر حاليا بأكثر من 100 مليار دولار من دول مهمة كالصين وتركيا والهند وعدد من الدول الغربية سوف يفتح آفاقا نحو إفريقيا جديدة يكون لها إسهامها الحضاري والإنساني كما كانت دوما في التاريخ القريب والبعيد.
إفريقيا سيكون لها شان كبير وهذا هو رأي كل الدراسات المستقبلية لأن عوامل حدوث ذلك موجودة، فقط هناك أمر مهم وهو الإصلاح السياسي والاقتصادي وإيجاد مناخ من الاستقرار والمواطنة ورفع شعار إفريقيا أولا، ومن خلال وجود الاتحاد الإفريقي الفاعل في السنوات الأخيرة فإن آمال شعوب إفريقيا سوف تتحقق في السنوات القليلة القادمة رغم وجود المصاعب والتي تعرفها شعوب القارة.