المشهد الليبي والحرب الأهلية

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي  –

منذ عام 2011 والإطاحة بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وهذه الدولة العربية تعيش أوضاعا معقدة، وخرجت من إطار الدولة الوطنية إلى مناخ يسوده الاقتتال والصراع المسلح بين جماعات مختلفة ذات توجهات فكرية وسياسية مدعومة خارجيا، مما جعل المشهد الليبي يعيش أوضاعا معقدة رغم الجهود المتواصلة التي تبذلها الأمم المتحدة من خلال مبعوثها اللبناني غسان سلامة.
وعلى ضوء ما تشهده ليبيا من حرب أهلية بين الجماعات الثورية من ناحية وقوات اللواء المتقاعد حفتر فإن ذلك المشهد الليبي قد جعل ليبيا تتجه إلى التمزق والتفكك في ظل حكومة الوفاق الوطني التي تبدو غير قادرة على بناء الدولة من خلال مؤسسات وطنية في غياب وتشتت المجلس النيابي.
وتواجه ليبيا منذ عام 2011 مشكلات سياسية وصراعات عسكرية هي أقرب إلى الحرب القبلية بين غرب ليبيا وشرقه في ظل تدخلات غربية ظهرت مؤخرا من خلال التصريحات المتبادلة بين فرنسا وإيطاليا، ومن هنا فإن الوضع في ليبيا لا زال متأزما رغم الاتفاق السياسي الذي توصلت إليه الأطراف في مدينة الصخيرات المغربية.

اتفاق الصخيرات

بعد اتفاق الصخيرات الذي وقعته الأطراف الليبية وبرعاية الأمم المتحدة كانت هناك آمال كبيرة نحو البناء على ذلك الاتفاق للخروج من الأزمة الليبية وإنهاء الحرب الأهلية وإنهاء مواد الدستور، وبالتالي الانطلاق نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية لتدخل ليبيا بكل إمكاناتها الاقتصادية الحيوية نحو بناء الدولة الجديدة التي تراعي مصالح الليبيين، وتنطلق كدولة هامة على سواحل البحر المتوسط.
ورغم التفاؤل الذي ساد الأوساط الليبية وحتى العربية نحو إيجاد الحل السياسي إلا أن ليبيا دخلت مجددا في معترك الصراع العسكري؛ بسبب عودة التدخلات الخارجية الغربية منها وحتى العربية بهدف فرض أجندات فكرية وسياسية محددة؛ مما شكل انتكاسة لجهود الأمم المتحدة ومبعوثها غسان سلامة، ودخلت ليبيا مناخا صعبا ومعقدا تدعمه المواجهات العسكرية في بنغازي وسرت والجنوب الليبي.
وفي ظل ذلك الفراغ السياسي لدولة ذات امتداد جغرافي كبير ومساحات واسعة في الصحراء نشطت الجماعات المسلحة خاصة داعش، علاوة على الاختراقات الحدودية من تشاد والنيجر، حيث النشاط الإرهابي ينتشر في عدد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء حتى أصبحت ليبيا مرتعا لتهريب الأسلحة والتدخلات العسكرية من خلال تلك الحدود الطويلة.
ومن هنا فإن المشهد الليبي أصبح أكثر تعقيدا، ومن الصعب الحديث في ظل هذا المناخ عن تسوية سياسية محتملة، كما أن حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج هي أشبه بحكومة ظل ليس لها القدرة علي السيطرة على مكونات الدولة الليبية، وهي أشبه بحكومة غير فعالة في العاصمة طرابلس؛ والسبب يعود إلى وجود المليشيات والجماعات المسلحة التي دخلت في صراع مع حكومة الوفاق الوطني، وبعضها لا يعترف أساسا بتلك الحكومة خاصة أن قوات حفتر تريد أن يكون لها الكلمة الأولى، ولديها مشروع بإعادة الدولة الليبية السابقة، ومن خلال ما تبقي من الجيش الليبي على اعتبار أن اللواء المتقاعد حفتر كان أحد القادة الليبيين في عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.
كان الأمل كبيرا في اتفاق الصخيرات الذي تم التوقيع عليه في مدينة الصخيرات المغربية في السابع عشر من ديسمبر 2015 والذي أشرفت عليه الأمم المتحدة بقيادة الألماني مارتن كوبلر إلا أن ذلك الأمل تلاشى بشكل مخيف، وتصدر الصراع العسكري المشهد وأصبح هناك ما يشبه الفوضى السياسية في مناطق ليبيا المختلفة، والضحية الأولى لهذا الصراع هو الشعب الليبي الذي يعاني الأمرين في ظل نقص الخدمات والمشكلات الحياتية في دولة لديها من الإمكانات والموارد الطبيعية الكثير.

الجهود العربية

في ظل تعقد المشهد الليبي بعد تعثر اتفاق الصخيرات لم يكن للجامعة العربية جهد سياسي يذكر حتى القمم العربية في السنوات الأخيرة لم تتمكن من إيجاد الحلول السياسية التي تبعد ليبيا عن شبح التفكك والانقسام، وبدلا من ذلك فإن الدعم من بعض الدول العربية لهذا الطرف أو ذاك لأسباب فكرية واستراتيجية عقد الوضع في ليبيا، ودفع بالصراع إلى مرحلة خطيرة في ظل حكومة الوفاق الوطني التي لم تستطع أن تجمع شمل الليبيين بسبب التعقيدات السياسية وتدفق السلاح عبر الحدود علاوة علي مشكلة الهجرة من الجنوب الليبي التي أصبحت ظاهرة عالمية.
الجهد العربي في ليبيا غائب وجهود الأمم المتحدة تظل هي الأخرى غير قادرة على إحداث الاختراق السياسي المطلوب لجمع الفرقاء في ليبيا على كلمة سواء، كما أن الأطماع الغربية في ليبيا عقدت المشهد الليبي، وأصبح من الصعب التكهن بما يحدث في ليبيا في ظل تلك الصراعات المسلحة، كما أن تدفق السلاح علي الفرقاء يجعل من الصعب إيجاد تسويه سياسية شاملة كما هو الحال في النموذج اليمني.
فالحروب الأهلية القبلية تعد من أعقد الحروب خاصة بعد أن تنهار الدولة الوطنية، فالوضع في ليبيا يعد من الأوضاع التي يصعب على المرء فيها تحديد الممكنات من الحلول السياسية، فاتفاق الصخيرات لم ينجح حتى الآن ومسودة الدستور التي تم التوافق عليها في السلطنة بعد اجتماعات تجاوزت الشهر وجولات مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة التي وصلت إلى مرحلة مسدودة، وهناك انسداد في العملية السياسية بين الفرقاء في ليبيا.
الجهود العربية غائبة، ولن يكون للعرب أي دور كما هو الحال في اليمن أو سوريا أو حتى لبنان، ومن هنا فإن الحديث يدور عن جدوى القمم العربية إذا لم يكن لها دور في إيجاد تسويات سياسية تجنب البلدان العربية الانزلاق نحو المجهول.
ولعل القمة العربية القادمة في تونس وهذه الأخيرة قريبة جغرافيا من ليبيا أكدت أن يكون هناك فقط إحساس بالمكان الجغرافي وما يدور فيه من مشكلات كبيرة تهدد الأمن القومي العربي، وقد نشهد تقسيما للدولة الليبية إذا استمر المشهد كما هو الآن دون حل أو جهد سياسي.
التدخلات الخارجية كان لها الدور الحاسم في وصول الحالة الليبية إلى الوضع الراهن، وبنظرة فاحصة فإن ليبيا الآن شبه مقسمة بين الفرقاء في طرابلس وبنغازي وفي الجنوب الليبي، ومن هنا فإن أمام الفرقاء الليبيين لحظة تاريخيه لإنقاذ بلدهم وأن يكون هناك روح تصالحية بعيدا عن الأنانية والمصالح الشخصية، كما هو الحال في النموذج اليمني.
مستقبل ليبيا يعد غامضا؛ فالبلد يعيش جملة من الإشكالات؛ فهناك تفكك سياسي وحالة من عدم الاستقرار، ودخلت البلد في حالة من الفوضي بين ثوار الأمس والأجنحة المسلحة بقيادة حفتر المدعوم من بعض الدول الغربية والعربية، وهناك حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج المعترف بها عربيا ودوليا.
كما أن دور الأمم المتحدة ومبعوثها غسان سلامة في وضع صعب مع الخلافات والصراعات المتزايدة على الجبهات المختلفة، كما أن مصير اتفاق الصخيرات غير معروف: هل تجاوزته الأحداث؟ وهل هناك آمال حقيقية للوصول إلى حلول توفيقية تنهي حالة الانقسام والتفكك للدولة الليبية؟ وما مصير ظاهرة الهجرة التي أصبحت ليبيا محطتها الأساسية خاصة من الجانب الإفريقي؛ حيث سواحل ليبيا علي البحر المتوسط تزيد عن 3000 كيلو متر، ويصعب مراقبتها في ظل الأوضاع الحالية.
من الصعب الإجابة على تلك التساؤلات علي المستوى القريب أو المتوسط ولكن الحالة الراهنة في ليبيا تدعو للقلق خاصة أن الحسم العسكري يصعب تحقيقه.
ومن هنا فإن الحوار يبقي هو السبيل الوحيد لإنقاذ ليبيا من مصير مجهول في ظل التناقضات الداخلية والأطماع والتدخلات الخارجية، وهو أمر بالغ الصعوبة عندما تتعرض دولة إلى تلك المطامع والتدخلات للظفر بمصالح اقتصادية دون الاهتمام بمكونات الدولة ومصالح شعبها.