آفاق وتحديات الحل السلمي

إميل أمين –
كاتب مصري –

مهما يكن من شأن الجواب، فإن ليبيا تحتاج إلى حل أممي على أصعدة مختلفة تبدأ من السياسي، وربما تصل إلى العسكري، وغير ذلك إضاعة للوقت والقرار منوط برقاب الليبيين أنفسهم.
هل الحل السلمي في ليبيا قريب أم بعيد؟
الجواب في واقع الحال صعب تحديده أو استشراف مآلاته، ولعل هذا ما يمكن للمرء أن يستشفه من تصريح المبعوث الأممي إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة الذي أشار إلى أن التحديات والصراعات الدولية من حل ليبيا تعقد من الأزمة ولا تقرب من الحل.
ولعل المتابع للمشهد الليبي يدرك أن القضية باتت تتجاوز اللاعبين الليبيين إلى غيرهم من الأطراف الدولية، فمن جهة نرى صراعا إيطاليا فرنسيا وصل إلى حد استدعاء السفراء، فيما موسكو تراقب وتخطط من بعيد، والولايات المتحدة الأمريكية تبدو كأنها غير معنية بما يجري على الأراضي الليبية، لكن واقع الحال غير ذلك، سيما أن أهم ما يشغلها هو غاز ونفط البحر الأبيض المتوسط.
في هذا السياق يتساءل المرء: لماذا فشلت مؤتمرات عديدة عقدت في كل من روما وباريس حتى وإن جمعت الأطراف الليبية المختلفة والمتصارعة بين الشرق والغرب والجنوب؟
قبل الجواب يمكننا أن نشير إلى أن جذور الأزمة تعود إلى نظام الحكم السابق، وحالة غياب الدولة المركزية، وانعدام الحالة المؤسساتية التي هي ركائز أي دولة حديثة لا حداثية، ومع غياب رأس النظام وجد الليبيون أنفسهم أمام تحديات أكبر وأعرض في حقيقة الأمر من قدراتهم الشخصية، ومن البناء الهرمي السياسي للدولة.
هل نحن نتحدث عن ليبيا واحدة يغيب عنها الحل السياسي؟
بالقطع لم تعد ليبيا دولة مركزية موحدة منذ سنوات، فالشرق النفطي يكاد ينفصل عن الغرب، والجنوب بينهما تائها في دروب التأثيرات والتجاذبات للدول المحيطة به.
لقد أضحت ليبيا ملعبا لحروب الوكالة، بل منفذا إلى غيرها من دول القارة السمراء، تلك التي يجري بشأنها صراع كبير بين الدول العظمى لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض من دول الاتحاد الأوربي وكذا الصين الشعبية التي تريد أن تستأثر بخيراتها النفطية، عطفا على روسيا القادمة بقوه إلى ليبيا التي ترى نفسها الوريث الشرعي لدولة كانت هي في مقدمة حلفائها قبل سقوط النظام القديم.
أصل المشكل الليبي الحالي هو التسارع والتصارع الداخلي، غير أن المعضلة تتعاظم من جراء صراعات غير متناسقة، بمعنى أن هناك فصيلا يرى الأزمة مدنية، وعليه يمكن حلها دبلوماسيا عبر المفاوضات والحوار بإشراك أطراف دولية، وجماعة أخرى تنظر إلى القضية بعين وانتماءات دوجمائية، وهذه ترى الأمور بمنظور المطلق، وهذا ما لا يستقيم في عالم السياسة النسبي.
بعض مما يعقد الأزمة ويجعل جهود الوفاق عسيرة في ليبيا، ما يتعرض له الجيش الليبي من انقسام، وكذلك وقف تسليحه بقرارات أممية، ما يعني وجود صعوبات كبيرة في أن يجد الأسلحة اللأزمة للدفاع عن الدولة ضد الجماعات المتشددة المارقة التي حولت نهار ليبيا إلى قلق وليلها إلى أرق، مع غياب الأمن والأمان من شوارع المدن الليبية.
يضاعف الأفق المسدود وحالة الانسداد التاريخي التي تعيشها ليبيا الأزمة المالية الطاحنة التي تمر بها، وهنا للمرء أن يتساءل كيف لبلد نفطي معروف بوفرة إنتاجه وقلة تكاليف الاستخراج، وتنوع أنواع الطاقة الموجودة فيه أن يصل إلى مثل هذه الحالة من الصراعات ؟
أحد الذين أشاروا إلى عمق الأزمة الليبية من جانبها المالي هو أمين عام جامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط الذي أشار في حوار تلفزيوني له إلى أن الإنتاج الليبي من النفط تصل قيمته إلى 80 مليون دولار يوميا، لكن هذه الأموال الطائلة تضيع عادة بين الفرقاء والمتناحرين، بل إن الجماعات الإرهابية التي تروع الليبيين أنفسهم تقتنص لنفسها حصة من المداخيل النفطية، وكأن المشهد هو قسمة غرماء، وليس سعيا من أجل الخير العام لعموم الليبيين، وفي هذا شقاء مضاعف لدولة متألمة ومجروحة.
يزيد من حالة الأزمة المالية والاقتصادية في الداخل الليبي، ما يشبه المصادرة ولو المؤقتة للأرصدة المالية الليبية الكبيرة جدا في البنوك والصناديق الاستثمارية الأوروبية والأمريكية، ورفض الإفراج عنها، مع ما يولده ذلك من شقاقات داخلية بسبب ضياعها، والمسؤول عن ذلك الضياع.
ما الحل إذا في ليبيا حتى تتجاوز أزمتها المعقدة الراهنة؟
يكاد الجميع يتحدث هناك عن أن الحل يكمن في عملية سياسية توافقية تجمع كافة الأطراف والأطياف المتصارعة، فعلى سبيل المثال جدد الأمين العام للجامعة العربية السيد أحمد أبو الغيط الأيام القليلة الفائتة تأكيده على أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد للأزمة الليبية، وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وأعرب عن قلقه إزاء استمرار حالة الانسداد السياسي في ليبيا، وطالب بمضاعفة الجهود الدولية بشكل متناسق من أجل حلحلة الوضع الليبي.
لكن السؤال كيف تستقيم دعوة أبو الغيط والأطراف الليبية لا تكاد تقبل فكرة واحدة تتشاركها أو تتحاور من حولها بل إن كل طرح يقابل بدعوات للعزل والإقصاء من الطرف الآخر؟
خذ إليك على سبيل المثال ما صرح به الأسبوع الأول من فبراير الجاري رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي طالب بضرورة خروج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج، من المشهد السياسي، مبينا أن مجلس النواب هو المؤسسة الشرعية الوحيدة في ليبيا، ويؤكد صالح على أن: الليبيين يرفضون حكومة الوفاق، وأن الحل الواقعي للأزمات التي تمر بالعاصمة هو إجراء الانتخابات.
على الجانب الآخر كان السراج يبعث من خلال تصريحاته رسالة للناحية الشرقي من ليبيا حيث المشير حفتر يقود عمليات عسكرية لتطهير البلاد من الإرهاب والإرهابيين.
يقول السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا: إنه لا حل عسكريا للأزمة في ليبيا، في إشارة لا تخطئها العين لتحركات حفتر المدعومة من أطراف دولية وإقليمية ترى أنه يقوم بعمل جيد في سياق تخليص ليبيا من جماعات الإرهاب المختلفة، تلك الساعية إلى جعل الأراضي الليبية البديل اللوجستي المقترح لداعش والقاعدة وبقية تلك الجماعات الأصولية، لا سيما بعد أن فقدت موقعها وموضعها في العراق وسوريا.
التجاذب إذا قائم حتى حول فكرة الحل السلمي، وفيما الطرفان الشرقي والغربي الليبي يتبادلان الاتهامات الكلامية، يضيع قطاع كبير من ليبيا، قطاع الجنوب الذي باتت تنتشر فيه العصابات المسلحة المختلفة، فضلا عن امتلائه بجماعات الإسلام السياسي، واحتمالات تدفق عناصر من الجماعات الإرهابية الإفريقية مثل بوكوحرام وشباب المهاجرين إلى العمق الليبي، ما يجعل الحلول السياسية أثرا بعد عين، ويجعل من الجنوب ساحة لتصفية الحسابات ومدخلا للفتنة بين المكونات التي تشكل نسيجه الاجتماعي.
هل الليبيون جاهزون لمشروع سياسي لتوحيد الدولة؟
مؤخرا أبدى وزير الخارجية المصري سامح شكري استعداد بلاده المشاركة في التوصل إلى حل سياسي في ليبيا، وفي إطار الاتفاق السياسي، وبما يضمن توحيد المؤسسات السيادية والحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
لم يكن الوزير شكري فقط من جيران ليبيا الذي تحدث في هذا الشأن فقط، إذ استمعنا إلى رئيس أوغندا «يوري موسيفيني» يتحدث عن حل ليبيا الأكيد الذي يتمثل في انتخابات عادلة ونزيهة يشارك فيها جميع الليبيين، بالإضافة إلى بناء جيش وطني موحد يضم كل الليبيين ومشددا على أهمية دور ليبيا في الاتحاد الإفريقي.
والشاهد أن مقترحات الرئيس موسيفيني يمكن مناقشتها، غير أن أحد أطرافها أي الجيش الواحد أمر صعب المنال في الوقت الحاضر، سيما أن هناك عشرات الجماعات وربما أكثر التي تمتلك أسلحة ثقيلة سيكون مواجهتها أو القضاء عليها، وحتى إقناعها بتسليم تلك الأسلحة والانضواء تحت عباء الجيش الوطني أمر بعيد المنال وفي حاجة إلى مجهود سياسي خلاق.
من هنا يبقى الجناح السياسي في الحل هو جناح الانتخابات البرلمانية، وهل ليبيا مستعدة وقادرة وراغبة في السير في هذا الطريق أم لا؟
في نهايات يناير الماضي، كانت مصادر مطلعة في الأمم المتحدة تؤكد أنها ستؤجل على الأرجح مؤتمر الإعداد لانتخابات ليبيا هذا العام لحين الحصول على المزيد من الدعم من الأطراف المتناحرة.
والمعروف أنه بموجب خطة فرنسية كان يتعين على ليبيا إجراء انتخابات يوم العاشر من ديسمبر من العام الماضي، لكنها تأجلت بسبب انقسامات بين زعماء متناحرين وتصاعد العنف في العاصمة طرابلس.
لم تكن هذه هي الأخبار السيئة فقط القادمة من ليبيا، ذلك أنه أيضا في نفس الفترة الزمنية قال متحدث باسم قوات الجيش الليبي الوطني التي تسيطر على شرق البلاد: إن قواته تعتبر مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة خصما يساهم في الأزمة العنيفة التي تشهدها ليبيا، وجاء الانتقاد القوي غير المعتاد بعد أن عبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «قلقها العميق» إزاء انتشار قوات شرق ليبيا في جنوب البلاد.عبر موقع المجلس الأطلنطي «اتلانتيك كاونسيل». قال باحثان: إنه من الضروري وضع خطة جديدة لحل الأزمة في ليبيا واستخدامها كبديل، في حالة فشلت خارطة الطريق المقترحة من قبل البعثة الأممية للدعم في ليبيا، ورأى كاتبا المقال الباحث في المجلس كريم ميزران والمحلل الأمني الاسترالي فولفانغ بوستاي أن « مؤتمر باليرمو، الذي انعقد في نوفمبر الماضي، حول ليبيا لم يشهد أي تطور على الصعيدين السياسي والأمني، أو على صعيد التوافق حول خطة محددة للمضي قدما في البلاد. أحد أسئلة المؤامرة الدولية التي يتبناها البعض: هل هناك من يعرقل المصالحة في الداخل الليبي؟ مهما يكن من شأن الجواب، فإن ليبيا تحتاج إلى حل أممي على أصعدة مختلفة تبدأ من السياسي وربما تصل إلى العسكري، وغير ذلك إضاعة للوقت والقرار منوط برقاب الليبيين أنفسهم.