الجميع ينتظر بفارغ الصبر انعقاد الملتقى الوطني الجامع

رشا عبدالوهاب –

ورفض المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا مشروع الدستور والاستفتاء عليه، فالمشروع لا يتضمن اللغة الأمازيغية كلغة رسمية مثل العربية، وهدد بكتابة دستور جديد.
على مدار 8 سنوات، تحولت ليبيا إلى رمز صارخ لفشل ثورات الربيع العربي ومثالا للفرص المفقودة، حيث تحطمت آمال الشباب المطالب بالتغيير، بعد سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي. وانقسمت البلاد إلى حكومتين متصارعتين في الشرق والغرب، إلى جانب جنوب يئن تحت نير ميلشيات مسلحة وإرهابيين، إخوان وداعش وقاعدة، وصراع دولي على ثمار البترول من أجل الفوز بأي «غنيمة». ووسط هذا المشهد الفوضوي، تتصارع القوى الدولية أيضا على «الكعكة الليبية»، ومن يمتلك مفاتيح النفوذ، إلى جانب المخاوف من كونها أصبحت معبرا للمهاجرين والتنظيمات الإرهابية خصوصا داعش إلى أوروبا والعالم.
الوضع الداخلي في ليبيا لا ينبئ بأي خير أو حتى مستقبل واضح وسط هذا الحاضر المظلم، فالكيان السياسي له رأسان، خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي في الشرق، وفائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني غربا في العاصمة طرابلس، أما الجنوب فبلا حاكم ولا آمر سوى الميلشيات المسلحة.
ومع استمرار الجهود السياسية الدولية، فلا يوجد مخرج سوى التوصل إلى اتفاق أو حل بصيغة ما بين «الرجل القوي» حفتر، المدعوم من بعض الدول العربية وروسيا، والسراج الذي يحظى بدعم دولي واعتراف من الأمم المتحدة بشرعيته، ومع محاولة الطرفين اللقاء من أجل إنهاء الصراع، وصلت الأمور بينهما إلى طريق مسدود. اجتماعات تواصلت من مدينة المرج الليبية إلى القاهرة وأبوظبي إلى باريس إلى باليرمو، لكن النتيجة صفر، وبلغت الأمور أن حفتر والسراج لا يلتقيان على مائدة واحدة ولا يتفقان ويواصلان رفض كل منهما الآخر. فقد اعتبر حفتر، قائد عملية الكرامة ضد الإرهاب، اتفاق الصخيرات الذي تم توقعيه بالمغرب في 17 ديسمبر 2015 «منتهى الصلاحية» ومعه حكومة السراج.
بينما رأى رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية أنه لا يوجد تاريخ لانتهاء الاتفاق السياسي، إلا عند «التسليم لجسم منتخب من الشعب»، وهاجم حفتر واتهمه بالتراجع عن التزاماته بهدف جر ليبيا إلى دوامة جديدة لا هدف منها سوى المصالح الشخصية. وبعد هذه الاتهامات، ظهر الاثنان من جديد في باريس، في صورة المصافحة الشهيرة في مايو الماضي يتوسطهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ليتفقا على حل سياسي جديد حول تنظيم انتخابات تشريعية كان من المفترض أن تتم في ديسمبر الماضي، إلا أن إعلان باريس كما اتفاق الصخيرات، ظل حبرا على ورق، ولم تكن هذه الصورة التي وصفها ماكرون باللقاء التاريخي سوى تدشين لفشل جديد، حيث سبق وأن اجتمع الرجلان في باريس دون جدوى في 2017.
وبعد فرنسا، دخلت إيطاليا على الخط، فليبيا مستعمرتها القديمة، واجتمع حفتر والسراج دون انفراجة حقيقة، فقد أكد رئيس حكومة الوفاق على التزامه بخريطة طريق الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات بعد وضع الدستور.
وجاء اللبناني غسان سلامة، بعد مارتن كوبلر، ومن قبلهما 4 مبعوثين دوليين من قبل الأمم المتحدة لحل الأزمة، إلا أن الصراع بين حفتر والسراج نسف كل المحاولات لتهدئة الأوضاع.
ورأى سلامة أن الليبيين تعبوا من سلسلة «المراحل الانتقالية»، واعترف الرجل الذي كلف بحل الأزمة بأن المهمة مستحيلة، وأن الصراع بحاجة إلى تسوية تاريخية شاملة ليست بين شخصين ولكن بين تيارات هناك يشارك فيها عموم الليبيين، وأن التوافق وصل إلى حائط مسدود لدرجة أنه طالب بتأجيل الانتخابات التي أعلن عنها في مارس المقبل.
مشكلة الانتخابات في ليبيا أكبر من الانقسامات السياسية، فهناك أزمة كبيرة في التمويل إلى جانب مشكلة الأمن، وقال رئيس لجنة الانتخابات في ليبيا إن ما لا يقل عن 69 مجلسا بلديًا من إجمالي 120 مجلسا قد لا تعقد الانتخابات، فالعملية تحتاج ما لا يقل عن 50 مليون دينار ليبي، لم يتم توفير سوى 30% منها.
المشكلة الليبية لا تقف هنا، فعلى الرغم من وجود أطراف أصيلة في الأزمة، إلا داخل هذه الأطراف نفسها صراعات وانشقاقات، فحكومة الوفاق نفسها تعاني خلافات عميقة بين السراج ونائبه أحمد معتيق، وبرز ذلك في أزمتين، حيث طلب الأخير من محافظ البنك المركز الليبي دعمه في رفض ميزانية قيمتها 70 مليار دينار طلبها رئيس المجلس، كما طالب بإيقاف قرار تعيين وزير للصحة اختاره السراج. والآن، توجد العديد من جبهات الصراع، فلابد من إجراء الانتخابات، التي أعادت سيف الإسلام القذافي إلى واجهة المشهد السياسي، وهو ما أثار حالة من الانقسام، حيث اعتبر حفتر أن نجل عدوه السابق «مفلس سياسيا».
وقبل إجراء الانتخابات لابد من التوافق على دستور، وصوتت هيئة صياغة الدستور في يوليو 2017 على مشروع الدستور الليبي، وعلى الرغم من الطعون الكثيرة ضده إلا أن القضاء رفضها، وأقر البرلمان الليبي تعديلات على قانون الاستفتاء على الدستور كانت قد تقدمت بها مفوضية الانتخابات الليبية.
ومن جانبه، أكد المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب على ضرورة أن تمضي ليبيا نحو تنظيم انتخابات وطنية حتى وإن رفض الناخبون مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية وينتظر إجراء استفتاء عليه. عقيلة صالح تحدث عن سيناريو التصويت بـ «لا» على الاستفتاء، قائلا إن ليبيا بحاجة إلى سلطة تنفيذية واحدة ولا مناص من اختيار رئيس موقت للبلاد حتى إذا تم رفض الدستور.
ورفض المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا مشروع الدستور والاستفتاء عليه، فالمشروع لا يتضمن اللغة الأمازيغية كلغة رسمية مثل العربية، وهدد بكتابة دستور جديد.
أزمات العملية السياسة لا تنتهى، فالكل يبحث عن موطىء قدمه، وفي ظل هذه الانقسامات الشديدة، يبرز الوضع الأمني ليكشف تحول ليبيا إلى دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، فالسلاح بلا رداع، والكل يرفعه في وجه الآخر، والآن تحول الجنوب الليبي إلى ساحة صراع عسكري بين حفتر والسراج أيضا بسبب الصراع على حقل الشرارة النفطي.
كما ثارت أزمة أخرى بعد تعيين السراج الفريق ركن علي سليمان محمد كنه، آمرا لمنطقة سبها العسكرية جنوب ليبيا، والذي كان من المقربين للقذافي، ويحظى بدعم القبائل. لكنه يؤكد أنه يقف على مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع، إلا أن تعيينه يثير التساؤلات حول استخدامه كورقة لاستمالة أنصار نظام القذافي، وسط شائعات بأن قواته تقوم بحماية سيف الإسلام.
الجنوب أيضا يشكل منطقة أزمة، فقد أعلن العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، أن قائد المسلحين التشاديين تيمان إرتيمي يقود العمليات العسكرية جنوب ليبيا والميلشيات المسلحة لا تريد انتخابات لأنها ستفشل مثل ما فشلت في انتخابات مجلس النواب.
إلى جانب الوضع السياسي والأمني المتدهور، فأن الاقتصاد الليبي أيضا سقط في بئر الخراب، وكما أكد معهد «تشاثام هاوس» البريطاني فقد تحول إلى «اقتصاد حربي واسع الانتشار يعتمد على العنف والأسواق السوداء والتهريب.
ويتنظر الجميع بفارغ الصبر انعقاد الملتقى الوطني الجامع، وهو أحد بنود خريطة طريق أعلنتها الأمم المتحدة، منذ أقل من عامين، خصوصا أنه قد يكون «المرفأ الأخير»، بعد فشل جميع الحلول للتسوية، إلا أن فرص نجاحه أيضا غير كبيرة. ليبيا تعيش في دوامة لا تنتهى منذ 2011، وتواصل الانزلاق إلى سيناريو مخيف تحتمه كل الملابسات والظروف والصراعات التي لا نهاية لها.