استمرار العنف وفشل المؤسسات الدولية في جهود الوساطة

مروى محمد إبراهيم –

إن حقيقة التدخل الفرنسي والغربي في ليبيا وفي أفريقيا ككل هي استمرار الصراعات في هذه المناطق الغنية بالثروات، وذلك من خلال ضمان استمرار عمل الجماعات الإرهابية هناك. وهو ما سيضمن انشغال الجماعات الإرهابية بمعاركها في إفريقيا، ناهيك عن حصول أوروبا والغرب على ثروات هذه البلاد بأقل الأسعار وبأيسر الطرق.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن الغرب كان المحرك الرئيسي للأزمات المشتعلة في ليبيا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي وحتى يومنا هذا، فعندما انهار نظام الزعيم الراحل معمر القذافي بفعل قذائف حلف شمال الأطلنطي «الناتو» في عام 2011 كانت فرنسا وبريطانيا المحرضين والفاعلين الرئيسيين في الأزمة الليبية، غير مدركتين أنهما تحولان ليبيا إلى مسرح لصراع معقد طويل الأمد لا ينتهي.
ولا يمكن أن نتجاهل أن الأطماع في الثروات الليبية كانت هي الحافز الأساسي الذي دفع القوى الغربية إلى السعي للتدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، بل إن هناك من الأدلة ما يشير إلى أن الغرب يحرك الأطراف المتناحرة في الداخل الليبي لضمان استمرار الأزمة وبالتالي الحفاظ على نفوذه وسيطرته على حقول البترول في واحدة من أهم الدول المصدرة للذهب الأسود في العالم.
وبنظرة سريعة للوضع في ليبيا نجد أن الاتحاد الأوروبي وأعضاءه يلعبون دوراً قيادياً هناك، على الرغم من السياسات والمصالح المتضاربة. فقد تمكنوا من الحفاظ على وحدة معينة، وذلك بالرغم من أن العلاقة بين إيطاليا وفرنسا في الحالة الليبية ما زالت تتسم بعدم الثقة المتبادلة وسوء الفهم بين الجانبين. وهو الخلاف الى تصاعد بينهما وتشعب في الآونة الأخيرة وبلغ حد التوتر الدبلوماسي بسبب الخلافات السياسية والأيديولوجية. وشهد العالم في الأسابيع الأخيرة تصاعد الحرب الكلامية بين روما وباريس. وبالتالي، فإن استمرار تعاونهما في ليبيا يتسم بصعوبة بالغة وهو ما تأكد من خلال قمتي باريس وباليرمو حول الأزمة الليبية.
وعلى الرغم من الدعوات الدولية المستمرة لوقف إطلاق النار في طرابلس، إلا أن ليبيا تعاني من استمرار العنف وفشل المؤسسات الدولية في كل جهود الوساطة التاي يبذلونها، حيث يمكن وصف كل عام تعيشه ليبيا منذ مقتل الزعيم الراحل معمر القذافي بأنه عاما آخر من العنف، والطريف أن ذلك كله يحدث بسبب تدخل الناتو في الأزمة عام 2011.
ومنطقة الهلال النفطي» هي أكثر منطقة تشهد صراعات في ليبيا، ففي يونيو الماضي شهد معارك من أجل السيطرة عليه بين طبرق وسدر، حيث استولى القائد العسكري إبراهيم جادان على المنطقة لفترة وجيزة، مما أدى إلى القضاء على كل إنتاج ليبيا تقريباً قبل أن يتمكن الجيش الوطني الليبي من الإطاحة به.
ووفقا للإحصاءات الدولية، فهذه هي المرة التاسعة التي تتعرض فيها منطقة الهلال النفطي لمعارك نتيجة محاولة أحد الأطراف المتناحرة للسيطرة عليه منذ اندلاع ثورات العربي المدمرة في 2011، وفي كل مرة تكلف البلاد غالياً من حيث الصادرات ومستويات المعيشة.
ويشير الكاتب الصحفي «دان جليزبرووك» في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي» أن ليبيا تحولت إلى ما يشبه «رقعة شطرنج المغمورة بالدماء» وهو ما أرجعه بشكل أساسي إلى المنافسات والمعارك بين القوى الغربية رغبة في الاستحواذ على ثروة ليبيا البترولية، حيث تدعم كل من فرنسا وإيطاليا جوانب مختلفة في الحرب الأهلية المستمرة، يتنافس كل منهما على وضع نفسه كقوة «لا غنى عنها» في المنطقة. أو حتى في الاستفادة منها لدعم اقتصاده المحلي الذي يعاني من الضغوط العالمية المتصاعدة. فقد شهدت الأشهر السابقة مؤتمرًا استضافه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس حول الأزمة الليبية، إلا أن إيطاليا قررت مقاطعته لتدعو هي الأخرى إلى مؤتمر آخر يدعو لحل نفس الأزمة بعد6 أشهر من مؤتمر باريس تحت مسمى مؤتمر باليرمو، ليعكس مدى الشقاق والتنافسية المشتعلة بين اثنين من أهم الدول المشاركة في جهود الوساطة لحل الأزمة الليبية التي تزداد تفاقما يوما بعد الآخر.
فالمؤتمرات التي تنافست القوى الأوروبية على عقدها لم تخرج بحلول جدية بالنسبة لليبيين، والأدهى من ذلك كله أن وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراء انتخابات في ديسمبر الماضي كانت نتيجته المباشرة هي المزيد من العنف، حيث سعى كل طرف إلى فرض أوضاع على الأرض في الفترة التي سبقت الموعد المحدد للانتخابات. وبالطبع هذه الانتخابات التي صورها ماكرون على أنها الحل المثالي للأزمة لم تر النور، وهو أمر طبيعي ومنطقي في ظل أجواء العنف التي تسيطر على البلاد، خاصة في غياب أي إطار دستوري متفق عليه لتنفيذ الانتخابات المزعومة.
ويؤكد جريزبرووك أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل تعكس الكوارث المستمرة التي تقضي على حياة الليبيين بعد سنوات من تدخل الغرب النبيل فشلًا في سياسة الناتو أم نجاحًا؟ والأهم من ذلك، هل سعى الغرب فعلا للزج بليبيا في حالة الفوضى التي تعاني منها في الوقت الحالي؟
الحقيقة هي أن قصف الناتو لليبيا في عام 2011 لم يكن أبداً متعلقا بحقوق الإنسان، فأوروبا وأمريكا تفضلان الزج بهذا التعبير البراق في كل مرة يسعيان فيها لفرض سيطرتهما على أي دولة مستقلة، مثلما حدث من قبل في العراق. ولكن السبب الرئيسي كان تحويلها إلى دولة فاشلة، وخلق أجواء يسيطر عليها العنف والقبلية لضمان عدم عودة الدولة للحياة مرة أخرى، بل وعدم توصل الأطراف المتناحرة إلى تعايش سلمي حتى لا تقف ليبيا على قدميها وتعود كقوة قوية وموحدة ومستقلة قادرة على تحدي الخطط التدميرية الغربية بشأن أفريقيا.
ولتحقيق هذه الغاية، عملت القوى الرئيسية في حلف شمال الأطلنطي (الناتو) بثبات ودأب على ضمان تمكين المئات من الميليشيات المتنافسة في البلاد وفي الحرب من بعضها البعض.
وأدارت الأمم المتحدة الأزمة مفاوضاتها الخاصة خلال الأعوام الماضية، تحت إشراف المسؤولين في صندوق النقد الدولي، والإيطالي، والأمريكي، وصندوق النقد الدولي، الذي أطلق عليه اسم «حوار ليبيا»، والذي حاولت من خلاله دون جدوى إقناع النواب الليبيين بدعم الاتفاق السياسي الليبي المعيب بشكل كبير.
وفي خضم حالة الفشل والعنف وبحر الدماء والصراع على حقول البترول على الأرض في ليبيا، نجد أن أهداف الغرب ليست فقط الفوز بهذا الكنز الليبي الثمين من خلال ضمان اشتعال الصراعات، ولكن هناك أهداف أخرى لا تقل أنانية عن الهدف الرئيسي السابق، ألا وهو ضمان استمرار تواجد الجماعات الإرهابية على الأرض داخل ليبيا وانشغالها بالصراعات هناك، وعدم اضطرارها للرحيل باتجاه أوروبا كما هو الحال في الأعوام الأخيرة.
فقد عانت الدول الأوروبية على مدار الأعوام القليلة الماضية من تصاعد معدلات العنف بشكل مطرد على أراضيها، وهو ما تسبب في هز النخب السياسية فيها. وأدى إلى صعود جماعات اليمين المتطرف إلى الحكم بسبب الرعب من استقبال المهاجرين من الشرق الأوسط. لتقع إيطاليا على سبيل المثال فريسة لسيطرة حزب يميني متطرف، وتعاني فرنسا من أوضاع داخلية حرجة بسبب الضربات الإرهابية المتتالية التي يصعب السيطرة عليها. وبالتالي كان لابد من ضمان استمرار الصراعات داخل ليبيا، وكان لابد أيضا من إحكام هذه الدول السيطرة عليها، لضمان إغلاق أهم بوابة للمهاجرين غير الشرعيين من إفريقيا إلى أوروبا.
إن حقيقة التدخل الفرنسي والغربي في ليبيا وفي أفريقيا ككل هي استمرار الصراعات في هذه المناطق الغنية بالثروات، وذلك من خلال ضمان استمرار عمل الجماعات الإرهابية هناك. وهو ما سيضمن انشغال الجماعات الإرهابية بمعاركها في إفريقيا، ناهيك عن حصول أوروبا والغرب على ثروات هذه البلاد بأقل الأسعار وبأيسر الطرق.