العـــزوف الانتــخابي

د. فيصل المسكري –

إنّ الانتخابات هي الوسيلة القانونية التي يختار المواطنون بموجبها الأشخاص الذين يسندون إليهم ممارسة العمل البرلماني نيابة عنهم على كافة المستويات، ويترتب على ذلك مبدأ الاقتراع لتحديد الاختيارات المستمدة من مبدأ قوله تعالى «وأمرهم شورى بينهم».
وبعد موجات التحوّل إلى الديمقراطية التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين أصبحت معظم دول العالم تُمارس العمل الانتخابي بطريقة وبأخرى، وأظهرت بعض التقديرات أنّ نصف دول العالم فقط يشهد انتخابات توصف بأنها ديمقراطية فعالة من ناحية المشاركة والفعالية، وهي حدث وطنيٌّ مهم لا يتكرّر إلا في سنوات محددة سلفاً لممارسة حقٍّ كفلته الأنظمة والقوانين، كما أنها من مؤشرات القياس القوية على صحة وسلامة المناخ الديمقراطي في البلاد.
لكن ظاهرة العزوف الانتخابي أصبحت أكثر إثارة للانتباه في الآونة الأخيرة وهي العزوف عن ممارسة هذا الحق المكفول، وهذا العزوف يُعاني منه أغلب الدول المتقدمة، فما قولك بالدول النامية، والسبب هو عدم وجود القناعة الكافية لنتائج أعمال تلك البرلمانات على الرغم من تقديم الدول كافة الضمانات القانونية لتعزيز النزاهة والشفافية والحيادية، وهذا ما يدفعنا للتساؤل اليوم عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء ظاهرة العزوف الانتخابي خلال عملية الانتخابات، فهل ظاهرة هذا التصدع اعتيادية طبيعية تعرفُها الديمقراطيات العتيدة والعريقة أم هي ظاهرة تعاني منها أغلب الدول كما أسلفت؟ والسؤال المهم الذي يطرح نفسه دائما ألا تعتبر ظاهرة العزوف سلبيّة يُمكن أن يُطلق عليها اسم تواطؤٍ غير متعمد؟!. ولكن ما هو الدافع؟ وما هي اليد الخفية التي تسيء للممارسة الديمقراطية؟ والتساؤل الذي يتكرر دائما: ماهي الجدوى من الانتخابات دون مشاركة نسبة أكبر من الناخبين مهما بلغت شفافيتها ونزاهتها؟
إن فقه دوافع السلوك الانتخابي للناخبين بشتى أنواعه وأنماطه، يقتضي إجراء دراسة علمية موسعة، ولكنني في هذا المقام سأقتصر على تشخيص السلوك الإنساني لمحاولة الوقوف بشكل مستفيض حول هذه الظاهرة الموسمية إن صح التعبير ووضع النقاط على الحروف ما أمكنني ذلك، ولا شك أن المُتابع للمشهد الانتخابي البرلماني يعتبر أنّ المشاركة الوطنية لاختيار المرشحين المؤهلين من المهام المصيرية التي ترسم خارطة و ملامح الطريق إلى مستقبل الشعوب لبناء أوطانها، ولا يمكن توسيع دائرة المشاركة أو حتى ارتفاع قناعة عدم المشاركة دون التأكيد بأن نسب العزوف غير مرتبطة بالظاهرة الانتخابية بل هي نابعة من اهتمام المواطن ذاته أو عدمه وثقته بهذه الانتخابات أو عدم ثقته، ومن ثم تأثير نتائج هذه الظاهرة على مجمل الأوضاع العامة للبلاد!.
ولا شك أيضا أن الثقة في الناخب كبيرة لأنه الشريك الأساسي في التنمية التي تعود نتائجها وثمارها على الوطن بالخير وبالنماء والرخاء، وبما أن الممتنعين من الناخبين الذين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلهم سُيعدُّ كارثة حقيقية تهدد تحقيق المطالب المستحقة، وهذا هو حجر العثرة في عجلة تطبيق استراتيجية العملية الديمقراطية وانحرافها عن المسار الذي حددته بوصلة التنمية وهو من أبرز الأعطاب التي عرفتها العملية الانتخابية، وتبقى نظرة أفراد المجتمع للفائزين في الانتخابات على أنها غير قادرة ولا يمكنُ أن تحظى باهتمام، أو أنها مجموعة نُخب- مع جُل احترامي وتقديري- ليست في محلها في أقل تقدير ضمن المنظور الشخصي للشخص الممتنع عن التصويت، إذن هل من المنطق والعقلانية أننا إذا خاصمنا صناديق الاقتراع ونبذناها خلف ظهورنا سيكون سير الإجراءات سليماً؟ وهل نتائجه ستكون صحيحة؟ -ما لكم كيف تحكمون- وهم لا يعلمون أنهم بذلك النبذ يفسحون المجال ويفتحون الأبواب أمام غير الأكفاء والمستحقين للظفر بالمقاعد البرلمانية، بل هذا ما سيكون له في الواقع نتائج عكسية لا تُحمد عقباها على المدى البعيد، وهي فرصة أيضا يُمكن من خلالها أن تأتي بمن هم بمستوى المسؤولية البرلمانية لتمثيلهم إذا صح وسلم الاختيار فهو بمثابة التعبير عن مدى الرضا من عدمه.
ولكي يتجذر فعل التصويت في أي مجتمع كان كما هو محدد كواجب وطني وحقٍّ كفلته الدساتير والأنظمة والقوانين، لابد من غرس مفهوم المواطنة لدى أفراد المجتمع وبناء ثقافة توعوية تُكرس القيم الإيجابية للعمل الانتخابي، وبالتالي فمن الأهمية القصوى أن تعمل الجهات المعنية بشكل استباقي من خلال مؤسساتها المختصة على معالجة وتقليل مخاطر العزوف بالتركيز على الإعلام الصادق الهادف الذي يُمكّن من تأسيس البناء عليه لتغير وجهات النظر من خلال نشر الثقافة الانتخابية لدى المجتمع بمختلف شرائحه، وإبراز التشريعات ذات العلاقة للانتخابات لتلبي المتطلبات والطموحات وتتفق مع الحاجات والتطلعات.
وكلّما كان هناك استقرار اقتصادي في أيّ مجتمع من المجتمعات تبعه في المقابل استقرار نفسي واجتماعي للناخب مما يعكس ذلك على مدى تطور استدامة التنمية بمفهومها العام واندفاع الأفراد إلى الإبداع والابتكار والاهتمام بكل ما من شأنه صنع القرار الذي يُوصل للمستوى المنشود من خلال الممارسة الانتخابية والمشاركة الجادة في تحديد المصير،ولا يمكن استبعاد عامل التوزيع الجغرافي وتأثيراته أيضا على سلامة العملية الانتخابية لأن تباين المجتمعات جغرافيا وتضاريسياً تحمل في طياتها متغيرات قبلية أو ريفية أو حضرية، وأيا كانت المتغيرات فلها ردة فعل مباشرة على السلوك الانتخابي، ولذلك ينبغي مراعاة تلك المتغيرات لتقليل نسب العزوف قدر المستطاع.
ونتيجة لما تقدم فإن كفاءات وإمكانيات المرشحين قد تتطلب معايير ومقاييس معينة، منها ما يندرج تحت الغطاء القانوني الذي يجب أن يتوفر في كل مرشح، ومنها ما يميزه بميزة تنافسية تتسم في خبرات وقدرات ومهارات- إنسانية وفكرية وفنية- يعيها المترشح بكل كفاءة واقتدار في شتى الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى التراكم المعرفي الذي يميزه عن أقرانه بما يمكّنه من الإسهام إسهاما فعّالا وهو لا شك من العوامل المؤثرة، وتجنبا لما قد يحدث في مثل هذه المواقف من تدخلات خارجية متطفّلة لأيّ مجتمع مهما كانت مسمّياتها وتشعباتها، فإنها نباتات طفيلية سامة قد تُلاقي مواطن الضعف وتصطاد في الماء العكر ولا تراعي خصوصية الأوطان وقيمها ومبادئها وثوابتها، فالحذرَ الحذرَ من مغبة الوقوع في الخطر، مع التأكيد أن للرأي العام في أيّ مجتمع مدني ميولاً واتجاهات ودوراً بارزا في سلوك الناخب بأهمية الدور الذي تضطلع به تلك المؤسسات في مجتمعاتها، فعندما يلامس الناخب ويشعر بأهمية تلك الأدوار ويشعر أن صوته مسموع ومشاركته الحقيقة مفعّلة وسيكون لها وقعها في المجتمع في تحقيق ما يصبو إليه، عندها فإن الاستجابة لنداء الوطن مؤكدة للمشاركة الجادة، وأن الكرة أصبحت الآن في ملعب المواطنين لتدعيم تجربة الشورى وتعزيز روح التعاون والتفاعل لإكساب حق المشاركة الحقيقية لخدمة الوطن.
وأخيرا فيمكن القول إنّ تطور العملية الانتخابية البرلمانية في السلطنة التي أرسى دعائمها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -أبقاه الله- منذ الوهلة الأولى مستمرة بقوة وقد استطاعَ صاحب الجلالة بما آتاه الله من قدرات قيادية حكيمة، وملكات فكرية، أن يُعِيد تأهيل صياغة عُمان لتعيش عصرها، وتعزيز لُحمة مواطنيها، وهذا ما جعل بلدنا يسير في أنساق عصرية ارتقت بأسلوب العيش، وطرق التفكير، وهو ما أدى إيجابا إلى إيجاد مفهوم المواطنة، وشيوعه بين المواطنين في الداخل والخارج، وترسيخ الولاء للدولة والقيادة الوطنية، والتي ينعمُ المواطنون بثمارها اليانعة في عيشٍ رغيد، وحياةٍ آمنةٍ كريمة، وفي وطنٍ أصبح عضوا إيجابيا فعّالا في جميع المحافل الدولية، تحظى قيادته بتقدير الدول والشعوب، بما قدمته وتقدمه من إسهامات بنّاءة مبدعة جدَّدت دور عُمان وعطاءها الحضاري في المسيرة الانتخابية البرلمانية.