تحـــديـات وفـرص إعـلام المستقبل

أ.د. حسني نصر –

ما زالت ردود الأفعال على ما دار في ندوة إعلام المستقبل التي نظمتها وزارة الإعلام ضمن احتفالها بالملتقى الإعلامي الثالث نهاية الشهر الماضي، تتواصل، خاصة من جانب بعض الزملاء من الصحفيين وطلاب الدراسات العليا في الصحافة والإعلام، الذين لم يتمكنوا من حضور الندوة. وقد تواصل معي خلال الأسبوع الماضي أكثر من صديق يطلبون إيضاحات حول بعض الأفكار التي طرحتها في الورقة المقدمة للندوة، معللين ذلك بأن التغطية الصحفية التي قدمتها الصحف في الأيام التالية للندوة لم تكن كافية للإحاطة بمحتوى الورقة، التي حملت عنوان «مهارات الكتابة والنشر لإعلام المستقبل»، كونها- أي هذه التغطية- ركزت أكثر على الأمسية الاحتفالية التي كانت الفقرة الرئيسية في الملتقى، وهو ما يبدو أمرا طبيعيا في تقديري.
ورغم أنى لا أحبذ نشر ما سبق أن قدمته أو كتبته في مناسبة ما، فإنني نزولا إلى رغبة الزملاء الأعزاء، وحتى تعم الفائدة، وفي حدود المساحة المتاحة، سوف أقدم في هذا المقال ملخصا وافيا إلى حد ما لما جاء في الورقة من أفكار وآراء تتعلق بماهية إعلام المستقبل، وأهم سماته المؤثرة على أساليب العمل والكتابة في الصحافة، على أن اتبع هذا المقال بمقال ثان أتناول فيه المهارات الجديدة التي يطلبها العمل في منصات النشر الرقمية لتلبي احتياجات جمهورها الجديد والمختلف، وسمات الصحفي في إعلام المستقبل مهارات الكتابة الأساسية التي يجب أن يتقنها إعلاميو المستقبل، وصولا إلى تحديد أبرز أساليب الكتابة لمنصات النشر الرقمي في المستقبل، ومهارات إنتاج المحتوى الإعلامي في المستقبل.
إعلام المستقبل في تقديري هو إعلام «المنصات الصحفية» أو منصات توزيع الصحافة الذي أصبح يمثل حلا عبقريا لأزمة الصحافة في العالم. الفكرة بسيطة وتقوم على فرضية أن المنتج الصحفي لن يختفي على الإطلاق، إذ ما زال الناس يبحثون عن الأخبار والمعلومات ويحتاجون إلى من يجلب لهم هذه الأخبار والمعلومات ويقدمها لهم بشكل احترافي مهني منظم، وبالتالي فإن مهنة الصحافة باعتبارها مهنة جمع الأخبار والمعلومات والآراء وتوزيعها على المستهلكين سوف تبقى ما بقيت البشرية. ما تغير هو طرق توزيع هذه الصحافة. وإذا كان الاتصال كنشاط إنساني فطري يعود إلى عصور البشرية الأولى، فإن ما كان ينقش على الحجر وجدران المعابد في الحضارات القديمة من معلومات مصورة ثم مكتوبة، كان نمطا من أنماط الصحافة، ووسيطا من وسائط توزيع المنتج المعرفي عبر المنصة الحجرية التي تحمل الأخبار والمعلومات وربما الآراء. كان وسيط التوزيع إذن هو الحجر الذي لم يكن سهل الحمل وحصر المعرفة الإنسانية في نطاقات ضيقة للغاية. ومع كل تقدم للبشرية حدث تطور مماثل في منصات النشر. وعلى سبيل المثال تم استخدام جلود الحيوانات كمنصة للكتابة والتسجيل وتبادل الأخبار والمعلومات، واستخدم المصريون القدماء ورق البردي كوسيط ومنصة متطورة وسهلة الحمل والنقل من مكان إلى آخر لنقل الأخبار والمعارف. وقبل اختراع الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة في منتصف القرن الخامس عشر، كانت الصحافة توزع منطوقة عبر المنادين في الشوارع والميادين، وعبر النشرات أو كتب الأخبار المنسوخة باليد. الجديد الذي قدمه اختراع الطباعة هو تقديم المنصة الورقية في صورة صحف ومجلات وكتب ومطبوعات وهي المنصة التي ما زالت قائمة حتى الآن.
في العصر الحالي ومع التطورات التكنولوجية المتلاحقة التي شهدها العالم على مستوى تكنولوجيا الاتصال في القرون الثلاثة الأخيرة، عززت المنصة الورقية (الصحف والمجلات الورقية) مكانتها، وظهرت إلى جانبها منصات إعلامية جديدة كان أبرزها شاشات السينما ثم الراديو والتلفزيون. وأضاف اختراع الإنترنت في نهاية ستينات القرن الماضي وتحولها إلى منصة إعلامية في مطلع تسعينات القرن الماضي، منصات جديدة لتوزيع المحتوى الإعلامي تشمل أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الهاتف المحمول والتطبيقات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي.
الجديد في الأمر أن المؤسسات الإعلامية والصحفية في العالم تنبهت إلى هذه الحقيقة ونوعت منصات توزيعها وأصبح لدى كل صحيفة أو مجلة نسخة مطبوعة على الورق، وموقع إلكتروني، وصفحات وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات خاصة على أجهزة الهاتف الذكية. وتعمل كل هذه المنصات بشكل متناغم لتقود كل منها القارئ إلى الأخرى وتحقق جميعها هدفا مشتركا هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء. وبذلك تتمكن الصحف من تحقيق الأرباح طالما كان لديها مضمون قوي وشكل متميز يستطيع أن يجذب القارئ ويلبي حاجاته ويشبع رغباته المعلوماتية.
أصبحت الثروة المعلوماتية والإخبارية التي تقدمها الصحيفة متاحة للجميع وعلى أكثر من منصة. وهذا هو مستقبل الصحافة على مستوى التوزيع. صحيح أن بعض الصحف والمجلات الكبرى في بعض دول العالم قد أوقفت المنصة الورقية كونها لم تعد تحقق ربحا منها بسبب ارتفاع تكلفة الطباعة مقارنة بالتكلفة الزهيدة للمنصات الأخرى، إلا أن النسبة الأكبر من الصحف في نفس الدول لم تلجأ إلى ذلك، وما زال عدد الصحف التي انسحبت من سوق الصحافة الورقية قليلا جدا مقارنة بعدد الصحف التي ما زالت مستمرة في هذا السوق. والواقع أن تعدد منصات النشر الإعلامي الرقمية وسهولة الوصول لها عبر شبكة الإنترنت تجعلنا أمام تحد جديد. فخلال سنوات قليلة سيكون لدينا جيل كامل نشأ على استخدام أجهزة الكمبيوتر، وأتقن منذ نعومة أظفاره استخدام الإنترنت والمنصات المرتبطة بها، وعاش على الثقافة الرقمية وأصبحت حياته سلسلة متواصلة من الضغط على الخيارات المتعددة، ولا يحمل أي ولاء تاريخي أو عاطفي للمنصة الصحفية الورقية. والحاصل أن وسائل الإعلام ومنصات النشر المختلفة ستكون أمام جمهور تغيرت صفاته وسماته الأساسية وأصبح من الصعب إرضاؤه، وتحول كل فرد فيه من متلق أو مستقبل سلبي، إلى مستخدم نشط ومشارك في إنتاج وتوجيه المحتوى الإعلامي سواء من ناحية المضمون أو من ناحية طرق العرض والتقديم. وعلى هذا الأساس فإن الإعلاميين المحترفين في إعلام المستقبل سوف يحتاجون إلى إتقان مهارات جديدة سواء في جمع المعلومات والأخبار أو في تحرير وكتابة وتقديم المحتوى الإعلامي لكي يتوافق عملهم مع طبيعة وسمات المستخدمين الجدد الذين سوف يشكلون في المستقبل القريب جل جمهور وسائل الإعلام تقريبا. هؤلاء المستخدمون الذين سوف يقتصر تعرضهم لوسائل الإعلام على الشاشات (الأجهزة الذكية المحمولة) ومنصات العرض الإعلامية الرقمية سيكون سلوكهم مختلفا في التعرض للمنصات الإعلامية، ومستوى الاعتماد عليها وطرق استهلاك المحتوى الإعلامي. ومن الضروري أن يترتب على كل تلك التغيرات في الجمهور، بالإضافة إلى التعدد والتنوع الكبير في منصات النشر والتنافس الكبير بينها، تغيرات بنيوية مهمة في تحرير وكتابة المحتوى الإعلامي. وهذا هو موضوع المقال التالي بإذن الله.