بين بعدي الزمان والمكان.. ثمة مسافة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

وتتحقق المقاربة ذاتها عند النظر في البعد الزمني وتقييم الناس له، حيث يسقطون مجموعة من الأحكام على بعضهم البعض، ويحملونه مجموعة الإخفاقات التي تحدث عند الإنسان، وقد يربطون ذلك بالمكان، مع أن الزمن ليس حالة مادية بتأثيراتها المباشرة، كما هو المكان،
تظل العلاقة بين الزمان والمكان، علاقة «مشاكسة» إن جازت التسمية؛ في مواضع وعلاقات من التوافق والتكامل، في مواضع أخرى، وفي كلا الحالتين، يأتي الإنسان ليعرقل مسارات الحياة بجنونه؛ في الأولى؛ ويأتي الإنسان ليعطي الحياة نفسا آخر للعطاء؛ بحكمته ورويته واتزانه في الثانية، فبوصلة العلاقة في كلا الحالتين هي بيد الإنسان، المكلف بإعمار الأرض، وبهدمها بسوء تصرفاته؛ أحيانا أخرى؛ ومع ذلك يبقى الزمان والمكان حالتين سرمديتين لا ينتهيان؛ إلا بقدر تجددهما؛ فالليل والنهار يتناوبان في حالة التجديد هذه، كما أن الأمكنة تتجدد هي الأخرى، إما بفعل التطوير، أو التدمير اللذين يحدثهما الإنسان، او بفعل قسوة الطبيعية بأحداثها الكبار، هذه الصورة في حالتها التجريدية البحتة، والتي نعايشها جميعنا في هذه الحياة، وتظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها، كما وصلت إلينا ممن سبقنا من الأمم التي مرت على حالتي الزمان والمكان عبر العصور والقرون المتتالية، وتصل كذلك بهذه الجدلية الى من يأتي بعدنا.
عند النظر؛ بكثير من التأمل؛ في مسألة العلاقة بين بعدي الزمان والمكان، فإننا نلاحظ أن هناك تلازما وثيقا بين البعدين في كل مجريات حياتنا اليوم، فحياتنا قائمة على بعديها الزمني والمكاني، فلنا أعمار نقضيها طوال سنوات حياتنا، ولنا مساحة جغرافية نعيش فيها طوال سنوات حياتنا أيضا، بغض النظر عن ظروف كلا البعدين في سياقات حياتنا المختلفة، بدءا من الطفولة، وحتى مبلغ العمر عتيا، أو قربنا أو بعدنا عن مكان الولادة والنمو، واستبدال الأوطان – بصورة مباشرة – فكلا البعدين يظلان على حالتيهما، وإن اختلفت ظروف المعيشة لدى الإنسان في أي منهما، حيث يخضع الإنسان هنا لظروف حالتي الزمان والمكان، فالذي يعيش في مكان قطبي بارد التكوين، لا شك أنه يختلف مع الذي يعيش في مكان على امتداد خط الاستواء، سواء في ظروف المعيشة، وإنتاج الأرض، والتكوين البيئي وظروف الحياة المختلفة.
عندما نخضع كلا البعدين لشيء من التأمل أو التقييم، نجد؛ على سبيل المثال؛ أن الزمن في حد ذاته يرسم لنا بعدين: ماضي وحاضر، وفي المسافة الفاصلة بين البعدين تكون كل اشتغالاتنا في البعد المكاني، حيث ننتصر وننهزم، نحقق ما نستطيع تحقيقه، ونخفق في أشياء كثيرة، فالحاضرة المكانية هي التي تدعم نجاحك، او تسقط عليك كرات من الثلج لتزيد من حالات الفشل، فتضطر الى البحث عن مكان آخر؛ ربما؛ يبدو أكثر تفاؤلا للنجاح، وذات الصورة تتكرر مع الزمن، فقد يتيح لك المكان الفرص الكثيرة للإبداع والتقدم، بفعل عوامل مهيأة لذات الاشتغال، ولكن لأن الزمن قد انسل من مجموعة استحكاماتك من العمر والصحة، فإن المكان لن يكون أسطورة الـ «مارد» المحجوز في القنينة الزجاجية، ليقول لك «شبيك لبيك، المارد بين يديك» فالأمكنة لها استحقاقاتها أيضا ولن تنتظر تلكآتنا الوئيدة لتحجز لنا تذكرة الوصول في الزمن الذي نريده أو نختاره.
جميعنا يعمل في الحاضر، ويخطط للمستقبل، ويحاول أن يتجاوز صورة الماضي، مع أن ما بين الماضي والمستقبل، ثمة فاصل دقيق هو الحاضر، كما هو الحال ما بين الليل والنهار، هذا الفاصل هو الذي يحدد من نحن، وحتى تتحقق هويتنا نحتاج الى بعد مكاني، يعبر عن هذه الهوية، وعن بعد زماني يؤصل هذه الهوية عبر اشتغالات كثيرة، لأن الهوية مرتبطة بما تحقق، وبما يتحقق، فهي لم تأت من فراغ، والذين يناورون في مرجع الهويات هم مخطئون؛ يقينا؛ فأمكنة «الترانزيت» لا تصنع هويات حقيقية، وبالتالي متى أردت أن تكون لك هوية طبيعية متأصلة عليك أن تتمسك ببعدك المكاني أكثر، وتعترك بظروفه المختلفة؛ سلبا أو إيجابا؛ فخيارات الأمكنة توجد هويات مشوهة، وهذا أمر لا يقبله كثير من الناس، فالبعدان معا يحققان ويلبيان الكثير من احتياجاتنا الشخصية، والاجتماعية، والمواطنية، كما يتيحان لنا أبعادا أخرى منبثقة من هذين البعدين، وهي مجموعة نتائج اعمالنا المتحصلة من تكامل البعدين، فطموحاتنا، وتخطيطاتنا، وتوظيف قدراتنا، ومكتسباتنا المعرفية والسلوكية، كلها داعمة لمسيرتنا في هذه الحياة، ومعززة لحقيقة وجودنا في هذين البعدين، حيث تنمو الحياة وتزدهر، ويسجل؛ في المقابل؛ الزمن أحداثا ومآثر إنسانية خالدة، تظل إضاءات كونية للحياة البشرية في عموميتها، وما نراه اليوم من تحقق كوني في ثورات المعرفة المختلفة، هو تأصيل للجهد الإنساني الخلاق الذي استطاع توظيف مختلف الإمكانيات المتاحة له، وإهداء الحياة بكل هذا الزخم المعرفي، وكل ذلك نتاج للتوظيف الحقيقي في بعدي الزمان والمكان، واستثمار مختلف الظروف المتاحة فيهما للخروج بهذا الإنجاز كله، وبالتالي متى استطاع الإنسان أن يوظف قدراته في التخطيط الإداري، وفي التنفيذ، وفي تقييم النتائج، مستثمرا في ذلك كله بعدي الزمان والمكان؛ يقينا؛ تكون النتائج مذهلة فلكلا البعدين هناك مساحة كبرى للعطاء، وتوظيف الطاقات.
وهنا استحضر مقولة رائعة للأديب اللبناني المعروف (أمين معلوف) يقول فيها: «إننا نجد بسهولة العزاء لفقدان الماضي، ولكن ما شيء يعزينا لفقدان المستقبل»- انتهى النص – فالمستقبل؛ وفق هذه الرؤية؛ هو الرهان لتوظيف كلا البعدين «الزمان والمكان» لتحقيق ما نصبو إليه دائما ولا يجدر بنا أبدا العودة كثيرا الى الماضي لخطورة، خط الرجعة هذه، لأن في ذلك عبثا بالذاكرة، والذاكرة هي زمن مر، وأصل أحداثا ومواقف في حياة الناس، وبالتالي فالعبث بها يجر الى كثير من الآلام، وقد لا تسعفنا العاطفة في عمر ما، ولذلك نتعرض لتجريح قاس، فالأسلم ألا نعبث بالذاكرة، وخاصة تلك المرتبطة بالأمكنة، ولنترك للزمن فرصته لتغطيتها حتى تمر الرحلة بسلام.
يقول (أنتوني روبنز) كاتب أمريكي وخبير تنمية بشرية، وفق المصدر،:«الحياة عبارة عن حل للمشاكل، فإما أن تهزمك المشاكل، أو تجعل منك شخصا عظيما، الأمر متوقف عليك»- انتهى النص – والحياة زمن، جرت أحداثها في مكان ما، وكما يرى (أندريه جيد): «مع مرور الزمن يتخلى المرء عن محبة الناس، يتوقف عن تبديد العاطفة ويصبح أكثر حذرا وأشد انتقائية» وهنا الإشارة الى الخبرة المكتسبة من مختلف الظروف التي تمر بالإنسان حيث تصقل نظرته الى الحياة، وتعلي من سهم توقيه للظروف المشابهة، وتعطيه قدرا أكبر للاحتياط واحتساب المعززات الداعمة لحياة أكثر بقاء وازدهار، وبعيدا عن التكلف والتهور، والعيش في خيال يتجاوز الواقع.
وتتحقق المقاربة ذاتها عند النظر في البعد الزمني وتقييم الناس له، حيث يسقطون مجموعة من الأحكام على بعضهم البعض، ويحملونه مجموعة الإخفاقات التي تحدث عند الإنسان، وقد يربطون ذلك بالمكان، مع أن الزمن ليس حالة مادية بتأثيراتها المباشرة، كما هو المكان، ومن ذلك تأتي الثقافة الشعبية؛ نتيجة تراكمات اجتماعية متواصلة؛ فتحجز للزمن مساحة تأثيرية على سلوكيات الناس من خلال استقطاعهم عمرا زمنيا ما في حياتهم، ومن ذلك قول الشاعر: «عمر الشبيبة يبدي عذر صاحبه: ما بال شيبة يستهويه شيطان» فالشيبة والشبيبة حالتان من حالات الزمن يمر بهما كل كائن حي، وتأتي الثقافة الشعبية لتعطي الزمن نفسا أكبر في التأثير على مجريات مختلف الكائنات الحية، ويأتي تقييم السلوك بعد ذلك إما إيجابيا وإما سلبيا وربط ذلك بالزمن، دون إتاحة الفرصة للبعد المكاني لأن يتداخل أو يتقاطع ليربك الزمن عن قدرة الإغواء التي يمارسها على مختلف انفعالاتنا، وانشغالاتنا، فاستحكامات المكان يمكن أن تكون لها أدوار مفصلية أيضا، وفي السياق ذاته يأتي قول أبن المعتز- شاعر وأديب عباسي -:
«يا من تبجحَ في الدنيا وزخرفِها …
كنْ من صروفِ لياليها على حذرِ
ولا يغرنكَ عيشٌ إِن صفا وعفا …
فالمرءُ غررِ الأيامِ في غررِ
إِن الزمانَ إِذا جربْتَ خِلْقَتَهُ …
مقسَّمُ الأمرٍ بين الصفوِ والكدرِ»
مناقلة رائعة بين بعدي الزمان والمكان، وتأثيرهما على مجريات حيواتنا اليومية، فمن استطاع أن يوظف الزمان في خدمة المكان، فذلك تخليدا للرسالة المنوط بها الإنسان في إعمار الأرض، يكفي الإنسان شرفا لتحمل هذه المسؤولية.