السلطة الفلسطينية في حالة حصار

ماجد كيالي –
ربما لم يكن في حسبان القيادات الفلسطينية أن الحصار الذي يتعرّض له قطاع غزة منذ أكثر من عشرة أعوام، سيطال الضفة الغربية، أيضاً،، بطريقة أو بأخرى، وأن العقوبات الموجهة ضد كيان السلطة في غزة، حيث سلطة «حماس»، سوف يشمل كيان السلطة في الضفة، حيث سلطة «فتح»، وأن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، هي المعنيّة بتكريس انقسام الكيان الفلسطيني، وتعزيز المنازعات والتنافسات الداخلية الفلسطينية، كما هي معنية بتجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، إن تحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة على شعبها فقط، أو بوضع كياناتها في مواجهة بعضها، بحيث تتصارع فيما بينها على المكانة والموارد والسلطة بدلاً من التصارع مع إسرائيل، التي باتت ترسّخ هيمنتها على الفلسطينيين، أكثر من ذي قبل، أي أكثر مما كان قبل قيام السلطة (1993).
هكذا شهدنا أن تلك السياسات توّجت، سيما منذ مجيء إدارة ترامب، بسلسلة من الخطوات والمواقف التي تسهم في ضعضعة القيادة الفلسطينية، ونزع شرعيتها، وقضم عناصر قوتها، ويأتي في هذا الإطار، مثلاً، الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، وتحت سيادتها، والسعي لتصفية قضية اللاجئين وحق العودة، من خلال وقف التمويل الأمريكي لمنظمة غوث وتشغيل اللاجئين («أونروا»)، وقدره 368 مليون دولار سنويا، ما يشكل نصف الموازنة تقريبا.
كما يأتي، في السياق ذاته، إغلاق مكتب منظمة التحرير، ووقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وأخيراً وقف تمويل برنامج «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهو ما حدث مؤخراً (الأول من فبراير)، علماً أن ذلك تم بناء على طلب من السلطة، سعياً منها لتجنّب تداعيات قانون مكافحة الإرهاب (الأمريكي) وتطبيقه على الذين يتلقون مساعدات أمريكية في الضفة الغربية وغزة»، وهذا يشمل وقف مساعدات أمريكية قدرها 60 مليون دولار مخصصة لقوات الأمن الفلسطينية للحفاظ على الهدوء في الضفة بالتنسيق مع أجهزة الأمن الإسرائيلية.
الفكرة هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي طرف أصيل في اتفاق أوسلو، الذي أنشأ السلطة الفلسطينية (1993)، وبعد انحيازها الصارخ، في ظل الإدارات الأمريكية السابقة، إلى جانب إسرائيل، وتغطيتها للمواقف المتعنّتة التي اتّخذتها إن للتملّص من الاستحقاقات الواجبة عليها بحسب الاتفاق المذكور، أو خلقها الوقائع لتكريس الاحتلال كأمر واقع، أضحت اليوم، عبر المواقف المذكورة سيما مصادرتها حق الفلسطينيين في القدس وفي العودة وفي الدولة الفلسطينية المستقلة، غير مبالية بإعلان انقلابها على ذلك الاتفاق، والتحرر نهائيا من مزاعم كونها راعيا نزيها وطرفا محايدا وحليفا موثوقا للفلسطينيين في عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وهي المزاعم التي داعبت أوهام القيادة الفلسطينية، ودفعتها إلى توقيع اتفاق أوسلو، وظلت عليها لفترة طويلة من الزمن بعدها؛ هذا أولاً.
ثانياً، يبدو من مراجعة المواقف الأمريكية، وضمن ذلك أحاديث الرئيس ترامب وأركان إدارته عن السعي لإيجاد تسوية إقليمية، أو طرح نوع من خطة تسمى «صفقة القرن»، أن التوجه الأمريكي العام يقضي بتجاوز القيادة الفلسطينية، في حال أصرّت على مواقفها، أو في حال لم ترضخ للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية.
وتستند إدارة ترامب في مسعاها هذا إلى البيئة السياسية الحالية المواتية في الشرق الأوسط، ولاسيما حال الاضطراب السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي، ولاسيما في المشرق العربي (بخاصة سوريا والعراق)، باعتبار أن هذه الأوضاع تشكل الفرصة السانحة للتحرر من القضية الفلسطينية، وإيجاد إطارات مناسبة لنوع من سلام إقليمي، بهذا المستوى أو ذاك.
ويجدر التذكير هنا أن الولايات المتحدة، حتى قبل مجيء إدارة ترامب، أي منذ عهد بوش الابن (مطلع الألفية الجديدة)، مثلا، كانت تروّج لفكرة مفادها أن سبب الاضطراب في العالم العربي لا ينبع من وجود إسرائيل، وإنما ينبع من الفقر والتخلف والأمية وفقدان الحرية وتعثر التنمية، وهو ما أتت عليه بطريقة جيدة تقارير «التنمية الإنسانية العربية»، التي صدرت في تلك الفترة.
ثالثاً، ما يفترض الانتباه إليه هنا، أيضاً، أن تلك المسارات، الأمريكية والإقليمية، تنسجم مع التطورات السائدة في إسرائيل ذاتها، سيما الانزياح نحو اليمين المتطرف، الديني والقومي، وهو ما تمثل باستصدار قانون القومية اليهودية (يوليو الماضي)، وبتعزيز الاشتغال على تهويد القدس، وتكثيف الاستيطان في الضفة، وتكريس الهيمنة على حياة الفلسطينيين، لاسيما من الجهة الأمنية والإدارية والاقتصادية، ويشمل ذلك التعود على اقتحام مدينة رام الله، التي يفترض أنها مركز القيادة الفلسطينية.
وبديهي أن تلك التطورات تنعكس على الخريطة السياسية الإسرائيلية، وهو ما تمثل بصعود نجم الجنرال السابق بيني غانتس، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي سابقا، الذي يبدو أنه يشكل البديل لرئيس الحكومة الحالي بنيامين نتانياهو (2009ـ 2019)، في الانتخابات القادمة، بعد شهرين، علماً أن غانتس يتحدث عن تسوية إقليمية، وعن حدود شرقية لإسرائيل تتمثل بغور الأردن، وعن القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، في تجاوز لحقوق الفلسطينيين، ولوجود السلطة الفلسطينية.
باختصار كل المعطيات، الدولية والإقليمية والعربية، تتجه نحو تجاوز السلطة الفلسطينية، وفرض نوع من سلام إقليمي، أي تطبيع وجود إسرائيل في المنطقة، علما أن القيادات الفلسطينية تتحمل مسؤولية عن ذلك، إن بسبب الانقسام الحاصل، أو بسبب التحول نحو مجرد سلطة تحت الاحتلال، أو بسبب تهميش منظمة التحرير، بمعناها ومبناها.
السؤال الآن ما الذي سيبقى من السلطة الفلسطينية؟
أو ما الذي يعنيه أو يمثله ذلك البقاء؟ ثم ما التداعيات التي ستأتي؟