خارطة لصناعة التجزئة العمانية

آن بنت سعيد الكندية –
Twitter: @AnnAlkindi –

تسعدني الكتابة اليوم عن قطاع التجزئة في السلطنة في ظل تطورات ميدانية فرضت نفسها على الساحة ببناء 3 مجمعات تجارية ضخمة بمساحة تُقدر ب 400 ألف متر مربع مشكلة مشهدا جديدا يكتمل في 2021 بافتتاح مول عمان. يسهم قطاع التجزئة بـ 8% من إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة، وبما يزيد عن ملياري ريال عماني على مدار ثلاثة أعوام متتالية (من 2015 الى 2017) كقيمة مضافة للاقتصاد العماني. إن النظرة التفاؤلية لهذا القطاع الواعد مبنية على حقائق وأرقام إذ يتوقع أن يحقق نموا يقدر بأكثر من 300 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2021 خليجيا. كما يتوقع بعض الخبراء الدوليين لهذا القطاع نموه في السلطنة خلال السنوات الثلاث المقبلة ليشكل ما نسبته 10% من إجمالي الناتج المحلي منطلقا من توقعات بنمو قطاع السياحة المدفوع بتوسعة المطارات، مما يعني آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، «فكيف تعظم السلطنة استفادتها من هذا القطاع اقتصاديا؟».
وإنه لمن دواعي الآسف خلو الساحة الإعلامية والبحثية ـ على الأقل المتاحة لي في الإنترنت – من أي مقال أو دراسة الأمر الذي تطلب مني بحثا «ميدانيا» وفقت خلاله بمقابلة خبراء من القطاع على المستويين العالمي والمحلي. إذ تأتي أهمية هذا القطاع في مساهمته المقاربة لقطاع الصناعات التحويلية التي تسهم بـ 9% من إجمالي الناتج المحلي. وتزداد أهميته مع النمو المتوقع خليجيا للقطاع مدفوعاً بتنامي التعداد السكاني، وارتفاع مستويات دخل الفرد، وارتفاع عدد السياح ، فضلاً عن الفعاليات الدولية الضخمة التي تستضيفها المنطقة مثل اكسبو دبي 2020 وكأس العالم الذي ستستضيفه الدوحة في 2022.
كان ذلك مدخلا موضحا لأهمية قطاع التجزئة الذي لا ينحصر في بناء المجمعات التجارية فتعريفه يشتمل على جميع الأنشطة والأعمال المتعلقة ببيع المنتجات والخدمات ووصولها للمستهلك بهدف الربح في سلسلة متكاملة من التوريدات تبدأ من التصنيع والتخزين والتوزيع بداية من المورد الأولي وتنتهي عند المستهلك النهائي. هذا وينطلق هذا المقال من واقع أن عدد العاملين العمانيين في قطاع التجزئة بلغ 36 ألفا من إجمالي 275 ألفا – حسب إحصائيات عام 2017- إلا انه يؤخذ بالاعتبار ان الإحصائيات الرسمية تجمع ما بين العاملين في قطاع التجزئة والمركبات وهما قطاعين منفصلين، لذا فإن نسبة التعمين البالغة 13 % تمثل قطاعي التجزئة والمركبات معا. إن تحقيق نسبة التعمين بمقدار 65% المطلوبة لقطاع التجزئة طموحة؛ تتطلب وضع بنية أساسية تعليمية تتناسب ومتطلبات القطاع المتغيرة وملبية لتطلعات الشباب العماني، فكيف نخرج من دوامة المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل؟!. مما يتطلب معرفةً تفصيلية للسلم الوظيفي لوظائف العمانيين الحالية في قطاع التجزئة وذلك لرسم خطة عمل تنفيذية لتهيئة الموارد البشرية لوظائف منتصف الهرم الوظيفي (مدراء و رؤساء أقسام) فأعلاه (رؤساء تنفيذيين و الإدارة العليا).
يمثل المقال مقترحا مفندا بالأرقام مدعما بالبحث الميداني لاعتبار هذا القطاع صناعة في الخطة الخمسية العاشرة القادمة، إلا أن اقتناص الفرص المتاحة يتطلب تحركا فوريا مبنيا على المتاح من أرقام وبيانات إحصائية خاصة مع إنشاء الصندوق الوطني للتدريب مما يسهل التمويل، وسرعة اتخاذ القرار لتمكين الباحثين عن عمل بالمؤهلات المطلوبة لفرص عمل متوفرة. إن وضع الأسس الصحيحة لبنية تعليمية لقطاع التجزئة، وتحديد المسار الوظيفي للشباب العماني سيسهم في تغير الصورة النمطية بمحدودية الفرص الوظيفية في هذا القطاع الواعد المرتبطة بوظيفة بائع بينما طبيعة القطاع توفر سلما للانطلاق إقليميا وعالميا حسب ما أثبته الميدان لبعض العمانيين الذين شقوا طريقهم بجدارة. و كيف لا و«مجموعة الشايع» توسع أعمالها في السلطنة بحيث من المتوقع- مع التوسعات القائمة و القادمة- أن يتعدى مجموع الأسماء العالمية الثلاثين اسما في السلطنة من مجموع ما يقارب 90 ماركة عالمية تحت مظلة الشايع ، كما يعمل لدى المجموعة اكثر من 53 ألف موظف في مختلف الدول.
تحديات التوظيف في قطاع التجزئة في السلطنة لا تختلف عن مثيلاتها في الخليج لذا لنا في تجربة الإحلال السعودية الكثير من الدروس المستفادة، إذ تزخر الساحة الإعلامية بالمقالات المهنية المحللة للوضع الاقتصادي والناقدة لعملية الإحلال التي حققت نجاحا جزئيا مقدمةً مقترحات حلول للتغلب على التحديات. كانت من ضمن المبادرات أن أقامت مجموعة الشايع أكاديمية الشايع للتجزئة في المملكة إذ بلغت نسبة السعودة في هذا القطاع 12% قبل أن تتخذ وزارة العمل السعودية قرارا بالإحلال الكامل بنسبة 100% في سوق يزيد حجمه عن 350 مليار ريال سعودي.
هناك قصص نجاح في السلطنة سيكون من مضيعة الفرص عدم البناء عليها إذ بلغت نسبة التعمين لدى «مجموعة ماجد الفطيم» 90% في المستوى الإداري لإدارة المراكز التجارية المتخصصة لسوق التجزئة، كما أن رئيسها الإقليمي عماني، حيث حققت مجموعته نسبة تفوق 60% في تعمينها «النوعي والكمي» في مجموعة الكارفور العالمية بمديري فروع عمانيين متسائلة ما إذا نجحت باقي الكيانات المنافسة له في إعطاء المنصة للعماني دون «وصاية!» .إن قطاع التجزئة صناعة لها تركيباتها الهيكلية الإدارية وأقسامها المتخصصة ما بين تسويق ومالية وإدارة للموارد البشرية ومديرين إقليميين فهي «سلسة متكاملة» توفر للعماني فرص عمل مجزية. تمهد هذه الأرضية ليكون العماني ضمن قادة هذا القطاع خاصة وأن لدى «مجموعة ماجد الفطيم» معهدا لإعداد القادة. يتطلب تحقيق هذا الطموح خارطة طريق واضحة المعالم للقطاع الخاص في سياسات سوق العمل فلا ينبغي ان يشغلنا التوظيف عن إعداد قادة للقطاع الخاص.
بناء القدرات المحلية أحد «الأعمدة» الرئيسية الثلاثة لبناء خارطة طريق لقطاع التجزئة بالإضافة إلى الأطر التشريعية والاقتصادية المبنية على أسس مخرجات تحليل الفجوة GAP Analysis لمعرفة الوضع الحالي وبناء جسر بين الواقع والاحتياجات الحالية و المستقبلية. حيث يُعد قطاع التجزئة اكثر القطاعات دينامكية فمنافسة التجارة الالكترونية على قطاع التجزئة المقدرة عالميا بأكثر من 2 تريليون دولا جعلت من التسوق التقليدي اكثر ابتكارا لإيجاد «تجربة تسوق» لا منافذ للبيع. ومن المفارقة أن عملاقة منصات التسوق الالكتروني العالمية مثل امزون اصبح لها وجود في مراكز التسوق التقليدية بعد ان كان وجودا افتراضيا فقط.
يُشير بعض الخبراء إلى أن قطاع التجزئة الخليجي من اكثر القطاعات التي يمارس فيها التجارة المستترة، و قد لا يكون من المبالغة القول أن بداية حلحلة قضية التستر التجاري تبدأ من هذا القطاع. وكأي قطاع آخر لابد من «تنظيم» إداري تشريعي ورقابي لم أجد لدى دول الخليج هيئة أو مؤسسة معنية بهذا القطاع فهل ستكون السلطنة أول المنظمين له؟ أسوة بقطاعات أخرى نظمتها كالاتصالات والكهرباء والمياه، وهل سنرى «مبادرات» من القطاع الخاص العماني للتعاون مع صندوق التدريب الوطني لتأهيل العماني لقطاع التجزئة؟