محركات النمو للمستقبل.. ممكنات استمرار النمو «1»

د. يوسف بن حمد البلوشي –
yousufhamad@yahoo.com –

إن مواصلة النمو والمحافظة على مستوى المعيشة الحالي في السلطنة أمر ممكن في ظل توفر العديد من المقومات والفرص والموارد البشرية الشابة والموارد الطبيعية ووجود البنى الأساسية والموقع الجغرافي المتميز، إلا أن الاستفادة من هذه المقومات والممكنات لا تحدث تلقائيا وإنما هناك متطلبات وأدوار لتفعيلها نحو الأفضل، أهمها الدور المشترك للحكومة والمجتمع والقطاع الخاص، كفريق واحد يعمل وفق آليات واضحة ورصينة تضمن تشغيل محفزات ومحركات النمو والتنمية. والمتابع للتجربة العمانية يشير إلى أنه في ظل أزمة النفط الحالية وجسامة التحديات الديموغرافية والمالية والاقتصادية يكون إدخال بعض التحسينات على أداء بعض القطاعات إجراء غير كاف، حيث توجد حاجة ماسة إلى إجراء عملية تحول جذري في أسلوب العمل التقليدي الحالي، وذلك لتعظيم الاستفادة من الإنجازات المحققة على مختلف الأصعدة والتي تحتاج إلى تكثيف نشاط الابتكار واستخدام أدوات وأساليب جديدة كانت غير معهودة أو كانت تستخدم على نطاق ضيق من قبل. وذلك لتتمكن السلطنة من الانتقال إلى نموذج جديد من النمو والتنمية المستدامة قائم بصفة رئيسية على (العمل والاستثمار والإنتاج) كبديل للنموذج الحالي القائم على (الحكومة والاستهلاك والاستيراد والقوى العاملة الوافدة). كنموذج تتعدد فيه محفزات النمو بقيادة القطاع الخاص. وهنا، يتعين التنوية إلى أن تقدم أي دولة يعتمد على مدى قدرة محركات ومحفزات نموها المختلفة، وعلى استخدام الموارد المتوفرة ومهام وسلطات مؤسساتها. ومن المأخوذ على التجربة التنموية العمانية أن الغالبية العظمى من محفزات النمو – باستثناء قطاع النفط – تعمل بأقل درجة من إمكانياتها، وتشمل هذه المحفزات الموارد البشرية الوطنية، والقطاع الخاص (مؤسسات الأعمال)، والتجارة، والشركات المملوكة للدولة والموانئ البرية والبحرية، والمناطق الحرة، والمناطق الصناعية، والجامعات، والاستثمار، وخاصة الاستثمار الأجنبي المباشر، ونشاط سفارات السلطنة في الخارج. ومن جانب آخر، تتوقف فاعلية محركات ومحفزات النمو والتنمية في المستقبل على الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة والتي تنقسم بصفة عامة حسب الاستغلال إلى ثلاثة أقسام: «غير مستغلة»، أو «مستغلة بشكل جزئي»، أو «مستغلة بطرق خاطئة». إلا أن هذه المحفزات والمقومات والبدائل، وإن تعددت، لا يمكن الاستفادة منها ما لم تتم معالجة الاختلالات الهيكلية الحالية في الاقتصاد الوطني، وإعادة ترتيب الأوراق بشكل مناسب، وتمهيد الأرضية المناسبة للاستفادة من هذه المقومات لإطلاق محفزات النمو المختلفة. والتي سنتطرق لها تباعا في الأعمدة القادمة.

الشركات الحكومية وشبه الحكومية

يطلق على هذه الشركات في الدول النفطية (الفيلة البيضاء) (White Elephants) وتعني مشاريع ضخمة دون جدوى اقتصادية. وبمعنى آخر، الفيل المنعزل والذي لا يتحدث عنه أحد (Elephant in the room). وهذه عبارة إنجليزية مجازية تعني أن هناك قضية واضحة يتم تجاهلها أو عدم معالجتها. وترتكز الفكرة على أن هناك محفزًا أو أداة مهمة في الدولة، إلا أن الأشخاص الموجودين على الساحة يتظاهرون بعدم وجودها واختاروا عدم التعامل معها. في حين أن التعامل بجدية مع هذه الأداة وإدارتها كما ينبغي يشكل مخرجا حقيقيًّا وأداة فعَّالة من شأنها أن تجنب الحكومة اتخاذ العديد من الإجراءات التقشفية (Austerity Measures) وزيادة الضرائب والاستدانة وإيقاف الترقيات والتوظيف وغيرها. وتحقق هذه الأداة العديد من المزايا للقطاعين الخاص والعام مثلما حدث في ماليزيا. ويكمن العديد من الأهداف وراء إنشاء الشركات الحكومية، أي المملوكة للدولة (State-Owned Enterprises :SOEs) بما في ذلك تلك التقليدية المتصلة بالميزانية العامة للدولة، في تحقيق التنويع الاقتصادي، والنهوض بالقطاع الخاص المحلي، وذلك من خلال إدخال التكنولوجيا الجديدة، والابتكار، وتوفير المعلومات، وإجراء الدراسات والمسوحات حول جدوى الاستثمار في بعض القطاعات الاستراتيجية، مثل التعدين والأسماك، حيث تحتاج هذه الدراسات والمسوحات إلى أموال طائلة ليست في متناول يد القطاع الخاص.
ومن جانب آخر، تعمل هذه الشركات الحكومية على مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعات الوليدة، وتستعين العديد من الدول بهذه الشركات لضمان تحول الهيكل الاقتصادي من قاطرة تقودها الحكومة إلى قاطرة يقودها القطاع الخاص بشكل تدريجي، حيث تضمن هذه الشركات تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تحقيق التوازن وحماية حقوق جميع الأطراف المعنية . ويتمثل الدور الرئيسي لمثل هذه المؤسسات في تحسين بيئة السياسات التي يعمل فيها القطاع الخاص، وتشجيع الروابط بين الشركات المحلية والشركات المتعددة الجنسيات. وهذا من شأنه تسهيل الانتقال نحو أسواق تعمل بشكل جيد بأعمال منافسة ومبتكرة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والدخل. وفي الدول التي لا يعاني فيها القطاع الخاص من ضعف الجاهزية، تكون هذه الشركات هي قاطرة النمو بشرط أن تعمل بفاعلية ونظام إدارة القطاع الخاص.
وعلى صعيد السلطنة، يتعين الإشارة إلى أنه يوجد أكثر من 80 شركة مملوكة للدولة، وهي في تزايد مستمر، وتم استثمار رؤوس أموال كبيرة فيها، وهي موزعة على مختلف القطاعات. ويلاحظ المتابع لأداء هذه الشركات أنها لم توفق في الوصول للهدف الذي أنشئت من أجله والمتمثل في لعب دور مهم في تحفيز النمو والتنمية المستدامة، وكمحاور للتصنيع الوطني وجسر بين الشركات المتعددة الجنسيات والشركات المحلية، وفتح الباب أمام الشركات المحلية التي لا تملك القدرة والخبرة للنهوض. وذلك بجانب، تعزيز الموارد المالية للدولة بشكل يساعد على تحقيق التنويع المنشود في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات السلعية والإيرادات العامة. ويرجع السبب الرئيسي في إخفاق هذه الشركات إلى أنها ما زالت تدار بالعقلية الحكومية ولا تخضع لنظام حوكمة فاعل. ومن بين أسباب ضعف أداء هذه الشركات ضعف المساءلة والرقابة الفعالة، الأمر الذي سمح لها بإهمال الأهداف الاستراتيجية التي أنشئت من أجلها، وفي الوقت نفسه أعاقت نهوض شركات خاصة في تلك القطاعات نفسها . ثم يتعين تغيير أسلوب عمل هذه الشركات بهدف تحسين الإنتاج وبالتالي تحقيق الربح من خلال العمل بفاعلية القطاع الخاص. والجدير بالذكر أن هناك حاجة حقيقية لتحسين أسلوب الإدارة الحالي للشركات المملوكة للدولة، وذلك بما يحقق المزيد من الكفاءة في تشغيل هذه الشركات. وفيما يلي عدد من الأمور المترابطة التي يتعين معالجتها للتغلب على العقبات الحالية، تلك هي: 1) إعادة تقييم الأهداف التي أنشئت من أجلها. 2) إعادة تعيين أعضاء مجالس الإدارة وتحديد مسؤولياتهم وفق أسلوب علمي متبصر. 3)الفصل بين الملكية والإدارة. 4) إعادة تقييم حجم الامتيازات الممنوحة لأعضاء مجلس الإدارة. هذا، وتوضح المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ضرورة منح السلطة لمجالس إدارة الشركات المملوكة للدولة والكفاءات للقيام بدورها على نحو فعَّال. والجدير بالذكر، أن مجلس الإدارة هو المسؤول في النهاية عن إدارة الشؤون التجارية للشركة وعن الحوكمة. وتلزم العديد من قوانين الدولة الشركة بتشكيل مجلس الإدارة بشكل يمثل المساهمين ويتخذ القرارات نيابة عنهم. ويعتمد نجاح مجلس الإدارة على تكوين وبنية وموارد وسلطة المجلس بأكمله، وكذلك علاقات عمل أعضائه مع الشركاء الآخرين، بما في ذلك الإدارة التنفيذية ومدققو الحسابات الخارجيون والمدققون الداخليون والمستشار القانوني والمستشارون الفنيون والمنظمون وهيئات وضع معايير تقييم الأداء (KPIs) والمستثمرون. ولا شك في أنه يمكن للشركات المملوكة للدولة إذا ما اتسمت هيكلتها وتشغيلها بالفعالية، أن تكون مصدرًا للتدفقات النقدية في صورة إيرادات من الأرباح التي تتجاوز بدرجة ملحوظة النفقات النقدية اللازمة للاستحواذ (Acauisition) أو التشغيل، وهو ما يوفر تدفقا مستمرًّا للدخل مع محدودية مصروفات /‏‏‏‏ نفقات الصيانة.