فى لبنان.. قليل من التوتر كثير من التهدئة

د. عبدالعاطى محمد –
بعد ولادة متعسرة استمرت 9 أشهر خرجت إلى النور حكومة في لبنان برئاسة سعد الحريري. وقد ابتهج اللبنانيون شعبا وأحزابا بهذا الإنجاز، لأنه أنهى الانسداد السياسي وفتح باب الأمل لإنقاذ اقتصادي طال انتظاره. ولكن كالعادة استقبلت إسرائيل والولايات المتحدة التشكيل الجديد بقلق بالغ بحجة أنه ضمن تأثيرا مهما لحزب الله في الحياة السياسية اللبنانية، بينما تمنت بقية الأطراف العربية أن يكون التوفيق حليف لبنان في المستقبل المنظور.
لم يكن ما حدث أمرا سهلا استنادا إلى أن التشكيل استغرق وقتا طويلا ومر بمحاولات عديدة منيت بالفشل،حتى كاد اليأس من النجاح أن يكون عنوان المرحلة. وعزز من هذا الاعتقاد أن لبنان واجه من قبل أزمة أخرى تتعلق بالاتفاق على رئاسة الجمهورية،طالت هي الأخرى كثيرا، إلى أن جاء الرئيس ميشيل عون إلى سدة الحكم. وفي الحالتين لم يكن الوضع داخل البرلمان اللبناني أفضل حالا حيث الانقسام والتشدد في الخصومة بين الفرقاء اللبنانيين.
ومع أن لبنان عرف هذا النوع من الولادات المتعسرة كثيرا على مدى تاريخه بسبب تركيبته الطائفية المعقدة،ومع أنه في كل مرة كان اللبنانيون يجدون حلا ولو مؤقتا،إلا أنه في الحالة الأخيرة سواء بالنسبة لرئيس الدولة أو لرئيس الوزراء وحكومته كان الأمر مدعاة لمزيد من القلق على بلد شقيق عزيز على قلب كل عربي مثل لبنان بحكم وطأة الظروف الإقليمية والدولية المحيطة منذ اغتيال الحريري عام 2005،ثم هبوب رياح التغيير في 2011 وقوة تأثير كل هذه الأحداث والظروف على الوضع الداخلي اللبناني. فكانت النتيجة هي انسداد سياسي عصيب توازى معه انهيار في الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية. ولذلك بدا في العامين الأخيرين أن بناء المؤسسات وعودتها لممارسة دورها الوطني،والأهم تحقيق قدر معتبر من التوافق الوطني أمرا بالغ الصعوبة. وحتى قبيل الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة كانت وسائل الإعلام تتحدث عن أنه غير ممكن!،ولذلك عندما تم الإعلان عنه بدا الأمر مفاجأة ولكنها سارة بالطبع.
هذا الإنجاز مع بداية عام 2019 تتعدى إيجابياته الواقع اللبناني ذاته إلى الواقع العربي ككل،مع أن هذا الواقع اللبناني سيظل موضع الاهتمام وملتقى الأنظار في الشهور المقبلة لما له من تأثير على الواقع العربي. لقد كان أمنية وطنية عامة عند كل اللبنانيين،فما من أحد منهم كان مرحبا بألا تكون لديه حكومة مهما كانت قوة الخلافات بين الأحزاب والطوائف. وكان أمنية عربية بالطبع،فما من دول عربية أخرى كانت مرحبة بالفراغ السياسي في بلد عربي بكل ما يمثله من وزن سياسي وحضاري في المنطقة العربية. ولا يختلف أحد على أن لبنان بهذا الفراغ كان من أبرز مظاهر حالة الهوان والضعف العربيين طوال السنوات الماضية،وعندما يستعيد عافيته اليوم ولو وسط ظروف صعبة،فإنه يشيع أجواء إيجابية في المنطقة كلها تحسن من هذه الحالة وتبعث على الأمل بأنه بالإمكان الخروج منها كلية بمزيد من العمل الجاد والمشترك لتوحيد الصفوف وتجاوز خلافات الماضي القريب.
ليس من المفيد الخوض في تفاصيل المفاوضات وما آل إليه التشكيل،فقد تعود الرأي العام العربي على مدى عقود طويلة على أن للبنانيين طريقتهم في إدارة التوازن السياسي بين الأحزاب والطوائف ولديهم قدرات فريدة على التوصل إلى توافق مذهل،تماما مثلما لديهم القدرة على هدم كل شيء والبدء من جديد!. والقصد من ذلك أنه من الخطأ الوقوف كثيرا عند التفاصيل أو التهويل من تأثير توزيعات الحقائب الوزارية وغرائبها من المنظور العربي (هناك سيدة ترأس وزارة الداخلية) لأن التوازن هو دائما مربط الفرس في العلاقة بين القوى السياسية بمختلف تنوعاتها. والمتابع لتاريخ لبنان السياسي يعلم جيدا أن التوازن قرين التراضي حيث لا يتم إلا ترجمة للتراضي عما يتسم به من خصائص في وقت تحقيقه، ويختل عندما يختل التراضي،هكذا تأسست ديمقراطية لبنان «التراضوية» عبر الزمن كحل للوضع الطائفي المركب والمعقد.
لقد تشكلت الحكومة الجديدة من 30 وزيرا (وليس من 32 وزيرا الأمر الذي كان من أحد معوقات التشكيل) وتقسمت الحقائب الوزارية بواقع 11 وزيرا من كتلة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، و 6 وزراء من كتلة المستقبل،و 4 وزراء من حزب القوات اللبنانية،و 3 وزراء من حركة أمل،و 3 وزراء من حزب الله،ووزيرين من الحزب الاشتراكي التقدمي،ووزير واحد من تيار المردة.
وبنظرة سريعة يعكس التشكيل استجابة لمطالب حزب الله استنادا ليس لأنه لديه 3 وزراء وإنما لأن التيار الوطني المتعاطف (وربما الحليف) معه لديه 11 وزيرا،هذا إضافة لوزراء حركة أمل الثلاثة بينما تيار المستقبل بقيادة الحريري لديه 6 وزراء فقط. ولكن إذا قرأنا التشكيل بعيون لبنانية فلن تكون هناك مشكلة لأن التشكيل تم بتحالف بين الحريري والرئيس عون بما يعني أنهما سيعملان كجبهة واحدة بغض النظر عن تحالف عون مع حزب الله،كما ساد الاتفاق على أن المصلحة الوطنية لها الأولوية على أي شيء آخر،وظهر ذلك من نوعية توزيع الحقائب لا عددها الذي خضع لمبدأ التنازلات من أجل المصلحة الوطنية وعكس اهتمامات كل حزب في عملية الإصلاح الاقتصادي.
ومن جهة أخرى كان واضحا أن الحرص على الخروج من الضائقة الاقتصادية هو العنصر الضاغط على الجميع للاتفاق على التشكيل وعدم الانصياع لضياع الوقت،حيث هناك عشرات المليارات من الدولارات التي من الممكن أن تتدفق على لبنان بعد تشكيل الحكومة سواء من المؤسسات الدولية أو عبر السندات الحكومية. والمعلوم أن لبنان استضاف مؤخرا القمة الاقتصادية العربية الرابعة والطبيعي أن يعقد آمالا على مخرجاتها لتحسين أوضاعه الاقتصادية.
ومن الأمنيات التي تحققت وأشاعت روح التفاؤل،إلى الدعوات بالتوفيق نجد تربصا خارجيا بتعثر لبنان أو بالأحرى مزيدا من التعثر العربي العام. فلبنان بهذا الحدث أصبح بابا جديدا يلج من خلاله الوضع العربي العام من حالة التوتر إلى حالة التهدئة المطلوبة بعد سنوات من الحروب الأهلية. لا ندعي أن التوتر سيتراجع بالقدر المنشود ولا أن التهدئة ستسود بنفس القدر،ولكن نقول ان الحدث اللبناني من شأنه أن يحدث قليلا من التوتر كثيرا من التهدئة. وما الإشارة إلى الدعوات العربية بأن يكون التوفيق حليف اللبنانيين إلا تعبيرا عن رغبة بألا تعود الأوضاع اللبنانية إلى الوراء بالنظر إلى أن التحديات الإقليمية والدولية طفت سريعا على السطح بمجرد تشكيل الحكومة وكأنها تعلن أنها ستخوض «معركة» ما،قد تكون سياسية أو مسلحة لقلب الطاولة مجددا. ومن أطلقوا هذه التحديات لا يقصدون لبنان وحده وإنما المنطقة العربية كلها.
وفقا لتقارير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب عن عام 2019،ومركز بيجن للأبحاث،وكذلك موقع «ديبكا» الشهير،إضافة لردود الفعل الأولى لمسؤولين أمريكيين كبار،استقبلت كل من إسرائيل والولايات المتحدة تشكيل الحكومة اللبنانية بتخوف كبير بدعوى تحول الدفة فى لبنان لصالح حزب الله وإيران. ولم يقتصر الأمر على التخوف وإنما وصل إلى حد المطالبة بشن حرب شاملة على لبنان وليس فقط على الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الحزب كما حدث عام 2006. وعادت مرة أخرى التحذيرات من القوة الصاروخية التي تمتلكها قوات الحزب،وضرورة استباق الأحداث بشن الحرب!
وانطلقت التقديرات الإسرائيلية للموقف ليس فقط من التشكيلة اللبنانية،وإنما من قراءتها لتطورات الأزمة السورية،حيث اعترفت بأن الوضع في سوريا أصبح مقلقا جدا لإسرائيل لأن الأسد في تقديرها سيستمر بدعم من كل من روسيا وإيران كما سيستمر وجود «داعش» وجماعات معارضة متشددة مسلحة وسيكون من الصعب على إسرائيل معاودة ضرب المنشآت العسكرية هناك،وكذلك عدم القدرة على إبعاد إيران من الساحة السورية.
يضاف إلى ذلك خروج القوات الأمريكية من سوريا،والتقارب المفاجئ غير المباشر بين تركيا وسوريا.
وسيؤدي كل هذا إلى حفز حزب الله لخوض معركة جديدة مع إسرائيل،ولذلك يتعين على الحكومة الإسرائيلية أن تسارع بشن حرب شاملة هذه المرة على كل لبنان!
الملفت في الموقف الإسرائيلي أنه لا يشكل جديدا مع كل تغير في موازين القوى والأوضاع على الأرض في غير صالح إسرائيل،وقد تم التعود عليه طوال السنوات الماضية ولم تقع الحرب التي تحذر منها إسرائيل. ولكن مستجدات الحالة اللبنانية التي تعكس التعافي السياسي وما يؤثر به إيجابيا على المشهد العربي عموما،لا تتفق مع الأهداف والمصالح الإسرائيلية وبالطبع ليس مفاجئا أن يكون الموقف الإسرائيلي بهذه الصورة،ولن يكون مفاجئا أن تعمل إسرائيل لخلق معركة سياسية داخل لبنان إن لم تتمكن من شن حرب شاملة تطابقا مع قراءتها لهذه المستجدات.
دون تهويل للموقف الإسرائيلي،أو جزع من التداعيات السياسية المتوقعة،من الحكمة العربية أن يتحول رد الفعل العربي من التشكيل الحكومي من مجرد الدعاء بالتوفيق إلى المساندة والدعم لمساعدة الحكومة الجديدة على تحقيق المهام الثلاث التي قالت إنها ستضطلع بها وهي حل أزمة المهاجرين السوريين (هناك وزارة لهذا الموضوع) وتحديد العلاقة مع سوريا،والإصلاح الاقتصادي.
النجاح في المهام الثلاث نجاح عربي مثلما هو لبناني،وعلى القمة العربية في تونس أن تأخذ ذلك فى الاعتبار، لأن المشهد العربي يحتاج إلى كثير من التهدئة وقليل من التوتر.