نوافذ :ثقافة الحذاء ..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تناقل الـ«واتسأبيون» قبل يومين صورة مركبة، جزء منها صورة كتب تباع على الرصيف، وأخرى صورة أحذية داخل أحد المحلات الراقية، وكتب على الصورة بكاملها التعليق التالي: «عندما تباع الأحذية فوق أرفف زجاجية في محلات مكيفة! وتباع الكتب فوق كراتين في الشوارع على الأرصفة! حينها اعلم أننا قد أهملنا عقولنا فوصلنا الى ما نحن عليه اليوم!».
ربما الصورة تمر على كثيرين، وينظر إليها كشيء معتاد، حيث لا تثير كثيرا من الاهتمام، لأن الناس أدمنوا كثيرا صورة كتب تباع على أرصفة الشوارع في كثير من البلدان، وخاصة في دولنا العربية، حيث تقودك الصدفة؛ أحيانا؛ في مثل هذا المعرض «المتهالك» إن جازت التسمية لأن تجد أندر الكتب لأهميتها التاريخية، وأثمنها لما تحمله من معرفة، تنازل عنها أصحابها لظرف أو لآخر، وقد يكون من اقتناها في نسختها الأولى غادر هذه الحياة، فوجد الورثة في إبقائها شيئا من التكلف، فآثروا بيعها بأبخس الأثمان.
ما يثير الشفقة أكثر على الصورة برمتها هو ذلك المفهوم الذي يردده كثير من الناس؛ خاصة عندما يكون الحديث عن الكتب؛ وعندما يتزامن ذلك الحديث وقت إقامة معارض الكتب؛ على وجه الخصوص؛ حيث تسمع كثيرا أن الكتب في المعرض أسعارها غالية، في الوقت الذي يقول هذا الكلام، هو ينتعل حذاء قيمته عشرات الريالات، بينما أغلى سعر للكتاب الواحد؛ وفق قيمته المعرفية، وجدته، ونوعية تجليده؛ لن يتجاوز الـ(10) ريالات عمانية، فعليك إذن أن تقارن حذاء قيمته (50) ريالا يستهلك في شهر أو شهرين بالكثير، بكتاب قيمته (10) ريالات يبقى أبد الدهر، ويحمل قيمة معرفية عالية القدر والقيمة، بذل فيه مؤلفه جهد سنين من البحث والتنقيب، والاستعانة بالمصادر النظرية، والدراسات الميدانية، والمقاربات الزمانية، وهي ذات الصورة التي تنتقل إلى سعر قارورة العطر التي يصل سعرها إلى (100) ريال، حيث نجد أنفسنا منساقين إلى شراء ذات الحذاء أو ذات القارورة بهذه الأسعار مرتفعة الثمن، بينما تنقبض أنفسنا، ونحن نقرأ سعر الكتاب الموضوع على غلافه الخارجي بهذه القيمة المتواضعة جدا.
وتذهب المقاربة الموضوعية ذاتها عند الحديث عن أسعار اللاعبين لكرة القدم، أو المكافآت التي تخصص للفنانين، ومدى احتفاء الجمهور العريض بهم، واتخاذهم قدوة، وتعلق صورهم في الأماكن البارزة في المحلات، وفي الغرف الخاصة في المنازل، بينما لن تجد نفس الاهتمام لعالم من العلماء، سواء في الطب، أو الهندسة، أو في التاريخ، أو في الجيولوجيا، أو الأنثروبولوجيا، مهما بلغت مكانة البحوث، والاكتشافات العلمية التي توصل إليها، وقد يصل الحال لأن يعلن عن استضافة عالم من هؤلاء العلماء في أحد هذه الفروع لإلقاء محاضرة ما، وتجد أن من يحضر لا يتعدى أصابع اليدين، وطبعا لا توجد مقارنة عادلة فيما لو تمت دعوة فنان أو لاعب كرة مشهور إلى إحدى القاعات لما اتسع المكان من كثرة الجمهور.
النفس الإنسانية مجبولة على الإمتاع، والسهل، وتفريغ الذهن، وعدم تحمل المسؤولية، والمعرفة لا تخضع لهذا الاستسهال، حيث تحتاج إلى كثير من الجدية، وكثير من التحمل، وكثير من ضبط النفس، وهذا ما لا تتحمله الأغلبية، والحياة في عموميتها هي الأقرب إلى مفهوم «الوجبات السريعة» التي لا تكلفك الكثير من العناء، وإن كانت في النهاية – أي هذه الوجبات – تورثك الكثير من التداعيات الصحية غير المحمودة.
لذلك ستظل المفارقة الموضوعية بين مفهومي الكتاب والحذاء في قيمتهما المادية والمعنوية قائمة، ولن يجمع بينهما رابط، ولئن كان الحذاء، على ارتفاع سعره لن تزيد قيمته عن الامتطاء به لحماية القدم من نجاسات المجاري، سيظل؛ في المقابل؛ الكتاب محتفظا بمكانه ومكانته في أرفف المكتبات «عاليا» محتفظا بقيمته المعنوية الرفيعة.