2019.. العالم في عيون الايكونوميست

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

كعادتها كل عام تقدم لنا مجلة الإيكونوميست الشهيرة عددا مثيرا يتناول أهم الأبعاد المتصلة بالعام الجديد وما فيه من تطورات منتظرة، وذلك على كافة الأصعدة الحياتية والإنسانية.

يأتي هذا العدد في ظل توترات مختلفة على جبهات جغرافية وديموغرافية متباينة عالميا، تلك التي أشار إليها «دانييل فرانكلين محرر العام»، وفي المقدمة منها الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة وعنده انه مع حلول منتصف العام الجاري ستحطم أمريكا سجلها لأطول توسع لها دون انقطاع، غير انه مع نهاية العام قد يضرب ركود اقتصادي السوق الأمريكي، كما أن معدل النمو الصيني سوف يتباطأ، بينما يسرع معدله الهندي.
وفي الداخل الأمريكي سيكون العام الحالي حكما عاملا حاسما بالنسبة لعملية اختيار المرشح السياسي الجديد للانتخابات الأمريكية، وهل سيرشح الحزب الجمهوري مرة جديدة دونالد ترامب أم أن هناك جوادا رابحا آخر.
تكتب «زاني مينتون» رئيسة تحرير الايكونوميست تحت عنوان«برنامج ترامب الموسم الثاني» تقول: ستختلف الظروف هذا العام، ففي 2019 سيواجه ترامب قيودا اكبر وسيقل شعوره بالحظ الجيد، وذلك بعد عامين طغى فيهما على المسرح الأمريكي بظهوره.
المثير في تحليل الايكونوميست هو إشارة رئيسة تحريرها بان ترامب قسم أمريكا وسيطر على الشؤون العالمية إلى درجة لا توجد لها سابقة حديثة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أسلوب ترامب المتمثل في دبلوماسيته عن طريق التغريد لمتابعيه البالغ عددهم 55 مليونا، واحتقاره للأعراف التقليدية للسلوك الرئاسي وكونه هدية لنجوم تلفزيون الواقع لجذب الانتباه، ولكن السبب الرئيسي في ذلك هو أن وجهة نظر ترامب عن العالم والتي تعتبر أن العالم لا أهمية له ومملوء بالشكوى، ومتصنع، وبه قومية ممزوجة بعنصرية، وجهة النظر هذه تمثل تغييرا مؤلما عن نظرة أسلافه ودور بلاده في مرحلة ما بعد الحرب، أن زعيم العالم الحر هو تجسيد لردود فعل غاضبة وشعبية على السياسات كالمعتاد.
هل سيكون الاقتصاد هو العامل الحاسم في إعادة اختيار ترامب أم لا ؟ يبدو أن إشكالية الاقتصاد هذا العام تتجاوز ترامب وأمريكا إلى اضطراب عالمي عام قادم، وهذا ما يشير إليه «ليو ابروزز» كبير مديري السياسة العامة، والاقتصاد والسياسة، في وحدة استخبارات الايكونوميست «، وعنده أن نواقيس الخطر تدق، ليس في كل مكان وليس جميعهم معا ولكنهم كفاية للإشارة إلى حدوث مشكلة اقتصادية في العام الجديد، حيث تتصاعد تكاليف الإقراض، وترتفع الديون ارتفاعا شديدا، وتتقلب أسواق الأسهم، ويقل النقد في الاقتصادات الناشئة، واكبر اقتصادين في العالم في حالة حرب تجارية وعلى الرغم من أن أمريكا تشهد ازدهارا اقتصاديا إلا أن مستهلكي الصين وأسواقها يبدو انهم قد فقدوا تميمة حظهم.
هل الركود حتمي؟ قد لا يكون ذلك كذلك، حيث يتم تزويد البنوك برأس المال بشكل افضل من عام 2007، كما أن البلدان والشركات تصبح افضل في إدارة المخاطر، وقد يؤدي الطلب المحتجز إلى تمديد الدورة الاقتصادية لفترة أطول قليلا، وعلى كل حال لن يبدأ أي ركود أمريكي حتى نهاية العام حيث تتسع الفجوات في الاقتصاد، ولكن علامات التوتر واضحة ولم يهرب العالم قط من تصفية الحسابات التي تحدث بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والاقتراض المفرط والسياسات الخطرة، ولن يهرب هذه المرة أيضا.
لا يمكن الحديث عن العام الجديد دون أن نتوقف مع الصين على نحو خاص، والتي يتناولها «جيمس مايلز» محرر الصين في الايكونوميست بتحليل عنوانه « خطر الرقم تسعة» ويبين فيه القلق الذي يشوب الرئيس الصيني «جين بينغ بشأن عام 2019».
يقول مايلز: انه منذ ثلاثين عاما ومع اقتراب عام 1989 كانت سحب العاصفة السياسية تتجمع حول الصين، وظهرت الانقسامات المريرة داخل القيادة حول إلى أي مدى وبأي سرعة سيتحقق الإصلاح الاقتصادي. وبالهام من زعيم الاتحاد السوفييتي الليبرالي، ميخائيل جورباتشوف، تجرا بعض الناس في الصين على الإشارة بان بلادهم ينبغي أن تكون اقل صرامة. وتضمن تقويم العام المقبل احتفالات سنوية كبيرة للأحداث السياسية في تاريخ الصين الحديث، وكان العديد من المثقفين ينتظرون هذه التواريخ بحماس على أمل أن توفر لهم المناسبات ذريعة للتعبير عن شكاواهم حول سجل الحزب في السلطة.
الفترة التي تسبق عام 2019 تمثل فترة اقل إثارة وتوترا بكثير، ولكن مرة أخرى تلوح الاحتفالات السنوية في الأفق، ويسود شعور التوتر على الحزب الشيوعي.
هذا قد يبدو غريبا فمنذ العام 1989 نمت الصين بشكل كبير في الثروة والنفوذ، وتمتع الحزب بسلطة راسخة، ومع ذلك ستكون قوات الأمن في حالة تأهب كامل، وسيعمل المراقبون على مدار الساعة لفحص أية إشارة على احتفالات سنوية غير موافق عليها من الدولة، ولن يكون ذلك سهلا، فقد زادت قائمة الاحتفالات السنوية التي تقع في السنوات التي تنتهي بالرقم 9، والتي لها دلالات حساسة للحزب، وعلى رأسها تاريخ القمع الدموي للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في عام 1989 التي كانت تتويجا لهذه الحالة المزاجية الحماسية قبل ثلاثة عقود.
من بين أهم الموضوعات السياسية التي تفتح لها المجلة العريقة صفحاتها، يأتي موضوع البريكست ولاشك، وهنا يتساءل «توم وينرايت» محرر بريطانيا في هذا العدد عمن قتل البريكست، وانه بينما تتوطن خيبة الأمل، سيبدأ البحث عن الجاني.
وعنده انه يقول مؤيدؤ البريكست إن التاسع والعشرين من مارس عام 2019 سيكون احتفالا بعيد استقلال بريطانيا، وسترفرف الرايات الحمراء والبيضاء والزرقاء من الاتحاد الأوروبي بعد 46 عاما تحت سلطته، وستكون شروط الانفصال بالطبع في صالح بريطانيا لأن مفاوضاتها مع بروكسل « ستحمل جميع الكروت»، كما عبر وزير من أعضاء مجلس الوزراء، وادعى آخر انه لن يكون هناك أي « جانب سلبي، فقط جانب إيجابي ملحوظ».
لكن بحلول يوم البريكست، لن تحتفل بريطانيا بل ستعبس، فلنفترض أن الدولة غادرت الاتحاد الأوروبي بطريقة منظمة ( فالاحتمالات الأكثر فوضوية – على الرغم من قلتها – تتراوح بين الانهيار دون الوصول إلى اتفاق لإجراء استفتاء ثان)، حتى هؤلاء الذين صوتوا على الرحيل سيشعرون انهم لم يحصلوا على ما تطلعوا إليه. فنسخة البريكست التي ابتاعوها – حيث تحتفظ بريطانيا بمعظم فوائد عضوية الاتحاد الأوروبي دون تكاليفها – ستشبه التسوية المؤلمة التي سيحصلون عليها، وبالنسبة للكثير ستكون بمثابة خيانة، فالتاسع والعشرون من مارس سيكون بداية البحث عن شخص يتم إلقاء اللوم عليه، فمن الجاني ؟ والشاهد انه إذا تركنا السياسة جانبا فإن هناك قضايا بعينها لها مكانة كبيرة في أحاديث العام الجديد، ومنها على سبيل المثال قضايا الذكاء الاصطناعي والتشريعات الخاصة بها، ذلك انه حتى الساعة لا توجد روبوتات قاتلة، ولكن يجب على المشرعين أن يتجاوبوا مع الذكاء الاصطناعي الآن، وهذا ما يتوقف عنده «توم ستاندج» نائب رئيس التحرير، الذي يدعونا لنتذكر مصطلح الذكاء الاصطناعي، وقد يجلب هذا المصطلح إلى أذهاننا مشاهد لروبوتات قاتلة ثائرة، مثل هؤلاء في سلسلة أفلام «ذا تيرميناتور» أو مخاوف بشأن فقدان الوظائف على نطاق واسع، عندما تحل الآلات محل البشر، فمع اقتراب عام 2109 نجد أن الواقع مبتذل، فالذكاء الاصطناعي يسمح للأشخاص أن يقوموا بإملاء رسائلهم النصية بدلا من كتابتها، أو طلب سماع أغنية من سماعة ذكية على منضدة المطبخ، على الرغم من ذلك، هذا لا يعني انه من الممكن لصناع السياسة تجاهل الذكاء الاصطناعي، فبينما يطبق الذكاء الاصطناعي في عدد متزايد من المجالات، فهناك مخاوف قانونية حول العواقب غير المقصودة، فكيف ينبغي على المشرعين التجاوب ؟ ويبقى للقضايا السياسية والأيديولوجية مكان للجدل في العدد الجديد من الايكونوميست لا سيما قضية الديمقراطية تلك التي يبدو أنها آخذة في التفتت والعهدة هنا على « روبرت جيست» محرر الشؤون الخارجية، والذي يرى أن السنة الماضية كانت سيئة بالنسبة للديمقراطية، ويدعو العالم ألا ينخدع بالحجة القائلة :انه بسبب كون الديمقراطية مشيبة بالعيوب، فقد يكون الرجل القوي افضل، فبالتأكيد يقوم الناخبون أحيانا بخيارات سيئة، لكن الضوابط والتوازنات في ديمقراطية ليبرالية ناضجة تحد من الضرر، وعادة ما تمنعها من أن يصبح دائما. ومهما كنت تفكر في دونالد ترامب ( لاختيار مثال عشوائي) فهو مقيد بالقوانين والصحافة الحرة والخدمة المدنية المهنية. وفي عام 2019 سيعيق مجلس النواب المعاد التحقيق معه بنشاط، وإذا تعب الناخبون منه، فيمكنهم إقالته في عام 2020، ولا يمكنه أن يكون في السلطة لأكثر من ثماني سنوات، ولا شيء من هذا ينطبق على رئيس الصين شي حين بينغ.
من سيقود الألفية الجديدة الشباب أم الشيوخ ؟ هذا السؤال الحيوي يقف أمامه «جون باركر» مراسل الايكونوميست، متحدثا عن ما يسميه «عام النباتيين الصرف»، وعنده انه على مدى نصف القرن الماضي، كان النباتيون صرف يمثلون أقلية داخل أقلية، لكن العام الحالي سيكون العام الذي تتجه فيه النباتية الصرفة لتكون هي الاتجاه السائد.
أن الاهتمام بأسلوب حياة لا يتجنب الناس فيه اللحم والجلود فقط، بل جميع المنتجات الحيوانية بما فيها البيض والصوف والحرير أيضا، إن هذا الاهتمام يرتفع خاصة بين أجيال الألفية، ويقول ربع الأمريكيين الذين يبلغون من العمر 25 إلى 34 سنة أنهم نباتيون.
هل تغيب روسيا عن عيون الايكونوميست ؟ لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، سيما وأنها تلعب دورا عالميا على صعيد الطاقة، فمنذ نهاية الحرب الباردة قد كانت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي تدور حول الترويج لمصالح الكرملين الاستراتيجية بقدر المصالح الاقتصادية للبلد، وبالتالي سيؤدي الإنجاز المحتمل في عام 2019 لشركة غازبروم عملاقة الدولة، فيما يخص خطوط الأنابيب الثلاثة الخاصة بالمشاريع الضخمة، واحد إلى الصين وآخر ألمانيا، وثالث إلى تركيا، إلى إرسال موجات جيوسياسية حول العالم. عدد متميز وقراءات شيقة.