لماذا تتشبث الصين برأسمالية الدولة؟

روبرت سامويلسون- واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –

سافر مسؤولون أمريكيون إلى الصين أوائل الشهر الماضي (يناير) في مسعى منهم لإنهاء الحرب التجارية المريرة بين البلدين. إن التنافس الطبيعي هو العائق الرئيسي للوصول إلى تسوية (بين البلدين). فالولايات المتحدة تحاول حماية وضعها بصفتها القوة العظمى الأكثر أهمية. أما الصين فتحيط العالم علما بأنها تشتهي هذه المكانة لنفسها. ويزيد الأمور تعقيدا صدام الأنظمة الاقتصادية. فالصين تنتهج رأسمالية الدولة.

يعني هذا أن الحكومة تملك شركات كبيرة عديدة وتحدد نوع الصناعات التي تحصل على الدعم المالي وتحظى بحماية سوق منتجاتها وبالقروض التفضيلية. أما في الولايات المتحدة فالأسواق ومؤسسات الأعمال الخاصة هي في الأغلب التي تقرر الشركات التي ستنمو وتزدهر وتلك التي تذبل وتتلاشى. والانسداد هو نتيجة هذا الصدام.
إن العديد من السياسات والممارسات الصينية مثالية في معقوليتها في سياق رأسمالية الدولة وتتمثل في القواعد الإجرائية التي تجبر على نقل التقنيات الجديدة أو خطط الأعمال إلى مؤسسات الأعمال الصينية أو تفرق في المعاملة ضد الشركات الأجنبية. لكن هذه الممارسات بالنسبة للأمريكيين والمستثمرين الأفراد تنتهك معايير المنافسة المفتوحة والإنصاف. وهذا يجعل التفاوض (بين الطرفين) فائق الصعوبة.
فتخلي الصين عن سياساتها يعني لها في الواقع التخلي عن كامل نموذجها الاقتصادي. وسيكون من الصعب ابتلاع ذلك سياسيا. وعلى نحو مماثل سيعني تغاضي الولايات المتحدة عن رأسمالية الدولة الصينية إضفاء الشرعية على نظام يضع المستثمرين الأجانب والأفراد في موقف الضعيف دائما. هذه التناقضات لا مفر منها. وإذا أمكن التوصل إلى اتفاق ربما سيلزم حينها تجنب (الالتفاف حول) الاختلافات المركزية بين البلدين والتركيز على التزامات صينية محدودة بشراء المزيد من الواردات الأمريكية.
والمثير أن جذور الصراع قريبة. ففي كتاب جديد تحت عنوان ( الدولة ترد الصاع: نهاية الإصلاح الاقتصادي في الصين ) يرى نيكولاس لاردي من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن الصين كانت حتى قبل أعوام قليلة تتجه تدريجيا نحو العمل الاقتصادي الخاص.
ففي عام 1978 حينما دشن (الرئيس الصيني وقتها) دينغ شياو بينغ الإصلاح الاقتصادي الحالي في الصين هيمنت الشركات المملوكة للدولة على الاقتصاد. أما الآن فحسب تقديرات لاردي تساهم الشركات الخاصة بحوالي 70% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي. بدأ التراجع بعد تولى شي جينبينج قيادة الحزب الشيوعي في عام 2012 ثم رئاسة الصين لاحقا. لقد غير المسار مفضلا الشركات المملوكة للدولة، حسبما أوضح لاردي من خلال إشارته إلى القروض المقدمة لمؤسسات الأعمال.
ففي عام 2013 ذهبت نسبة 57% من القروض للشركات الخاصة و35% للشركات التي تسيطر عليها الدولة.
وبحلول عام 2016 حدث تحول مذهل في الاتجاه حيث حصلت شركات الدولة على 83% من القروض مقارنة بحوالي 11% فقط للشركات الخاصة. وجاء معظم هذا الإقراض من البنوك المملوكة للدولة. يتصل ذلك بالقضية الأكبر وهي الجدل المحتدم الذي يدور في معظمه وسط الاقتصاديين حول معدل النمو الاقتصاد الصيني في المستقبل.
ففي العقد السابق للانكماش الاقتصادي في عامي 2007-2009 كان متوسط النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي للصين 10%. ومنذ ذلك التاريخ هبطت النسبة إلى معدل يتراوح بين 6% إلى 7%.
ويتنبأ بعض الاقتصاديين بأنها في النهاية ستهبط إلى ما بين 2%- 4%. لقد طرحت عدة نظريات لتفسير هذا التحول. من بينها القول إن الصين بعد أعوام من النمو السريع استهلكت معظم التقنيات الموجودة. وهي الآن تتصرف كاقتصاد «عادي» في الغالب.
كما يقال إن لدى الصين ديونا أكثر مما يلزم الأمر الذي يضع حدا لتوسعها. هناك تفسير ثالث وهو أن سكان الصين يشيخون بوتيرة سريعة مما يعيق نمو القوة العاملة. لكن لاردي لايوافق على ذلك. فهو يعزو التباطؤ أساسا إلى عاملين هما تدهور الفائض التجاري الصيني والقرار غير الحكيم بتفضيل الشركات المملوكة للدولة التي يعتبرها «بشعة» في عدم كفاءتها.
ويشير إلى أن ربحية شركات القطاع الخاص أكثر من ضعف ربحية الشركات التي تسيطر عليها الدولة.
يقول لاردي إن ما يفسر حقا ضعف أداء الشركات الحكومية مقابل نظيراتها الخاصة «عدم كفاية التصرفات التي تعظم الأرباح بما في ذلك تفشي الفساد من جانب الإدارات العليا للشركات الحكومية وفداحة سوء تخصيص رأس المال (أموال الاستثمار) بواسطة المؤسسات المالية الصينية خصوصا البنوك».
إن المفارقة لا مهرب منها. إذا كان لاردي على حق (غالبا ما سيواجه استنتاجه هذا بالتفنيد) فإن تفضيل رأسمالية الدولة سيضعف النمو الاقتصادي للصين في المستقبل. لكن قد لا يكون النمو هو السبب الرئيسي الذي جعل شي جينبينج يتصرف على النحو الذي تصرف به. وحتى لاردي يقر بوجوب أن يفرض الإصلاح الاقتصادي «إعلان إفلاس الشركات الميتة والحكومية في معظمها والتي طال بها الأمد وهي تعيش على اقتراض أموال متزايدة باستمرار من البنوك المملوكة للدولة». لكن هذا بعبع لا يمكن أن يسعد (الرئيس الصيني) شي الذي قد يخشى من أن يؤدي «الاضطراب الاجتماعي والبطالة وعدم الاستقرار المالي» إلى إضعاف قبضة الحزب الشيوعي على السلطة، حسبما أشار لاردي. ربما أن الدافع الرئيسي لحماية الشركات الحكومية سياسي أكثر منه اقتصادي. وهذا هو السبب في أن التغيير قد يكون شاقا.