د. ماجد الكندي: الصدق والبيان بركة.. والتدليس والغش وبيع المعيب محرّم في الإسلام

لا يحل لمسلم أن يبيع شيئا لأخيه وفيه عيب إلا بيَّنه –
المسلم عليه أن يكون مخلصًا في عبادته .. فلا يخلع رداءه حينما يدخل سوقه أو يتعامل بالدرهم والدينار –

متابعة :سالم بن حمدان الحسيني –

دعت الشريعة الإسلامية الناس في معاملاتهم إلى الصدق والبيان.. وحرمت التدليس والغش وبيع المعيب للآخرين.. فيجب على المسلم أن يكون مخلصا في عبادته، فلا يخلع رداءه حينما يدخل سوقه، أو يتعامل بالدرهم والدينار.. ذلك ما أوضحه الدكتور ماجد بن محمد الكندي أمين فتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في جلسة افتاء في فقه البناء والمقاولات أقامها بجامع مصعب بن عمير بالمعبيلة – ولاية السيب مؤخرا. موضحا أن العقود التي يتعاقد الناس بها في الوقت الحالي ليست عقودا جديدة بل هي موجودة قبل عهد الإسلام، والفقهاء المعاصرون لم يألوا جهدا في ضبطها وربطها بأحكام الشريعة، مبينا أن هناك ثلاث صور يتعاقد الناس بها في التطوير العقاري منها عقد الإجارة وعقد الاستصناع وعقد يجمع بينهما ولكل منها أحكام خاصة.. مشيرا إلى أن يد الأجير في الفقه الإسلامي يد أمانة فلا يضمن ما تلف إلا إن كان هناك تقصير من قبله.. في هذا العدد ننشر الحلقة الأولى من تلك المحاضرة القيمة…

استهل الدكتور الكندي حديثه قائلا: إننا ندرك جميعًا أن شريعة الإسلام قد أوسعت كل نازلة حكما وأنه لم يخرج من هذه الشريعة أي تصرف من التصرفات التي يتصرفها البشر إلا ولشريعتنا فيه حكم لأن هذه الشريعة ما جاءت لتنظم علاقة الإنسان بربه فحسب بل إنها عدت من علاقة الإنسان بربه علاقته مع غيره من بني البشر، فالله سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، مبينا: أن الصلاة والنسك والمحيا والممات إنما هو لله سبحانه وتعالى، وما دام ذلك كله لله سبحانه وتعالى فمعناه أن هذه الشريعة لابد من أن تجعل حكما لكل ذلك، سواء أكان متعلقا بعلاقة الإنسان مع نفسه أم بعلاقته مع غيره من البشر أم كان ذلك كله منظما علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالى فهي تباين كل التشريعات الوضعية التي تنظم علاقة الناس ببعضهم، كما أنها أيضا تباين كل الشرائع السماوية السابقة التي جاءت في أحيان كثيرة منظمة علاقة الناس بربهم سبحانه وبعضها يغض الطرف عن علاقة الناس ببعض بعضًا، أما شريعة فلله الحمد نظمت ذلك كله.
وأضاف: إنها حينما نظمت جانب المعاملات والتعاقدات بين الناس ستجدون أن الشرائع السماوية وأن شريعتنا الإسلامية السمحة قد تميزت بشيء لا يوجد في التنظيمات البشرية، فمعنا في العالم الإسلامي الآن قوانين مدنية كثيرة تنظم علاقات الناس، وتعاقداتهم لكن شريعة الإسلام حينما تنظم علاقتك أيها الإنسان مع غيرك من البشر هي لا تجعل هذه العلاقة قائمة بينك وبين بشر آخر محدود في علمه ومحدود في معرفته بما تكنه نفسك أو يخفيه ضميرك، أنما هي قبل ذلك تنظم علاقتك بالله سبحانه وتعالى فإن الشريعة الإسلامية قبل أن يكون الوفاء بالعهود واجبًا مدنيًا تحاكم عليه المحاكم الموجودة والقضاء هي قبل ذلك ربطت هذه العقود بالله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، مشيرًا إلى أن الوفاء بالعقود أمر وارد عن الله سبحانه وتعالى، بل أننا نجد الوفاء بالعقود في أحيان قد يجعل الإنسان -عياذا بالله سبحانه- حينما لا يوفّي العقود حقها قد يجعله بعيدًا عن رحمة الله سبحانه وتعالى فإن تصرف الإنسان مع غيره من البشر أن كان يستطيعه وفق التعاليم والأحكام المدنية التي تحكم الناس الآن أن كان يستطيع بشطارته، كما يقولون إنه يربح ويأخذ من أموال الآخرين فإننا في شريعة الإسلام يدرك كل مسلم انه قبل أن يخدع أخاه أنما هو مربوط بالله سبحانه وتعالى فان الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من أكل أموال الناس بالباطل ويقول: «القليل من أموال الناس يورث النار، قالوا: ولو كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيبا من أراك»، بل أن الأمر فوق ذاك، مشيرا إلى أنه حينما يحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في قضية بين أصحابه نجده يبين لأصحابه قائلا لهم: إنني بشر مثلكم وان أحكامي التي أحكمها أنما هي أحكام مبنية على ظاهر ما تدلون به من بينات وأدلة، أما الأمور الباطنة فلا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ومن هنا بيّن لهم صلى الله عليه وسلم وقال كما في الحديث الصحيح: إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما اقطع له قطعة من نار»، فالإنسان يعلم حق نفسه وحق غيره فإذن حكم القاضي وحكم الحاكم لا يحل الحرام، ومهما أعطى القاضي من أموال فحينما ينظر إلى الأدلة فقد تكون من صاحب القضية وقد تكون من محام، والمحامون الآن إنما هم وكلاء بالخصومة -كما يقول الفقهاء- وهؤلاء في كثير من الأحيان -لمن لا يتق الله سبحانه وتعالى- هم الذين يريدون أن يجعلوا الظالم مظلوما.. وأن يجعلوا صاحب الحق مبطلا في دعاواهم في أحيان كثيرة حينما لا يتقون الله سبحانه وتعالى في أعمالهم، أما شريعة الإسلام فقبل ذلك، يقول فيها صلى الله عليه وسلم: «من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما اقطع له قطعة من نار». ويقول عليه الصلاة والسلام: «أيها التجار إنكم تحشرون يوم القيامة فجارا إلا من برّ وصدق»، وفوق هذا وذاك الشريعة دعت الناس إلى التبيين وإلى الصدق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «البيّعان بالخيار فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في صفقة يمينهما».
وأكد الكندي: إن الصدق والبيان هو بركة أما التدليس والغش وبيع المعيب للآخرين هو أمر محرّم في شريعة الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول-كما في الحديث الصحيح-: «لا يحل لمسلم أن يبيع شيئًا لأخيه وفيه عيب إلا بيّنه» فهو مخاطب باسم الشرع بأن يكون بيعه صحيحا وألا يكون هنالك تدليس لا بالتعاون مع القضاء ولا مع نفسه هو، بل لابد من أن يبيّن ذلك كله، موضحا: إن هذا البيان قد يكون الإنسان معه مخلصا في عبادته، قد يكون قائما بشأن صلاته وصيامه وزكاته إلا انه يخلع رداءه هذا كله حينما يدخل سوقه، وحينما يتعامل بالدرهم والدينار، إلا أن كل هذه العبادات وكل هذه الصلاة لن تنفعه شيئا مادام يأكل محرما. وأضاف متسائلا: إن شريعة بهذا السمو وهذه الرفعة أفيكون المجتمع بعدها متضادا متحاربا متظالما، مشيرا إلى أن المجتمعات التي تبني معاملاتها على الشريعة هي أنظف المجتمعات مهما قيل، مهما سعى غيرهم من الناس إلى أن يضلوا الناس ويبعدوهم عن شريعة الإسلام وإلى أن يقلوا من هيبة الشريعة في قلوب الآخرين، إلا أنهم ليعلموا أن البعد عن المشكلات والجرائم لن يتحقق إلا في مجتمع يقيم كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبيّن الكندي قائلا: في هذه الأمسية المباركة سوف نعرض شيئًا من المشكلات التي قد يقع فيها بعض الناس في عقود التشييد والتطوير العقاري أو في عقود المقاولات مبينا أن هذه العقود ليست عقودا جديدة فهي موجودة من قبل فالنبي صلى الله عليه وسلم تعامل بها وكذلك أصحابه رضي الله تعالى مبينا أن هذه العقود يتعاقد الناس بها منذ ذلك الحين، والفقهاء أوسعوها أحكاما بفضل الله، وهنا في هذه الأيام ابتدع الناس عقودا جديدة وشروطا جديدة، وهذه الشروط لابد منها لأن الله سبحانه وتعالى أحدث للعباد وأمكنهم من هذا التطور المدني الذي نراه في زماننا سواء كان في العقار أم في غير ذلك، وهذا التطور وهذه العلاقات المتشابكة في البنيان، وفي غيره تستلزم عقودا جديدة، والفقهاء المعاصرون لم يألوا جهدا في ضبطها وربطها بأحكام الشريعة، حتى لا يكون شيء من العقود مناقضا لمقاصد الشريعة إذ أن كل ما يناقض مقاصد الشريعة لم الناس إلا في العنت والحرج وذلك أمر ندين لله سبحانه وتعالى باعتقاده؛ لأن الشريعة ما جاءت إلا رحمة للعالمين.. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وهنا بأمر الله سبحانه وتعالى سوف نجيب على الأسئلة بقدر ما يفتح الله وييسر ونبدأ بها -إن شاء الله- سبحانه وتعالى:

•عقود التطوير العقاري لها صور متعددة فمنها ما يكون فيه العمل وحده على المقاول، أما المواد فعلى المالك، ومنها ما يكون فيه العمل والمواد على المقاول، ومنها ما يجمع بين الأمرين السابقين، والسؤال هنا: إن كانت التعاقدات السابقة كلها لا حرج فيها فكيف يكون ضمان المتلفات فيها؟ هل على المقاول أم على المالك؟
– هنا السائل يذكر ثلاث صور يتعاقد بها الناس في التطوير العقاري في أحيان لا يكون على المقاول إلا العمل فقط، وهذا كون العمل عليه يستلزم منه أن يكون عليه كل الأدوات اللازمة للبناء التي لا تبقى في البناء بعد ذلك وإنما تؤخذ ليستفاد منها في عملية البناء مرة أخرى كالأخشاب والمسامير وآلات الرفع وغيرها، وقد يكون التطوير على المقاول أي العمل والمواد والمالك له بيت أو عقار مكتمل، أما الحالة الثالثة فهي وسط بين الأولى والثانية والتي تسمى بـ(الهيكل) وهو أن تكون بعض المواد كالإسمنت والحديد والطوب والعمل على المقاول، أما ما بعد ذاك كالأصباغ والمواد الكهربائية والمواد الصحية وغيرها فهي على المالك، مشيرا إلى أن هذه الصور الثلاث يتعاقدها الناس الآن في التطوير والعقاري وكلها صور جائزة لا حرج فيها بإذن الله سبحانه وتعالى وهذه الصور الثلاث المذكورة لها أحكام خاصة في فقه المعاملات فالصورة الأولى تسمى عقد إجارة والصورة الثانية تسمى عقد استصناع والصورة الثالثة تسمى عقد إجارة واستصناع ولكل منها أحكام خاصة، والسائل هنا يسأل عن المتلفات هل تكون على المقاول أم على المالك؟ والجواب: في الحالة الأولى التي فيها العقد قائم على العمل فقط وليس على المقاول شيء سوى العمل المقاول لا يضمن ما تلف إلا في حالة واحدة وهي أن كان هناك تقصير من قبله؛ لأن المقاول هنا أجير ويد الأجير المقرر في الفقه الإسلامي أنها يد أمانة، أما لو قام بذلك العمل رجل غير متخصص بمعنى انه ليس فنيا وأنما هو رجل متدرب فقط وأتلفها ففي هذه الحال نقول إن الضمان على المقاول لأنه قصّر، ولأن المفترض أن يبذل كل جهده لأجل هذا، أما أن لم يكن منه تسبب ولا تقصير ولا تعد وإنما حصل التلف لظرف خارج عن إرادته مع أنه كان حريصا على حفظها فهنا لا يضمنها وانما يضمنها المالك فيأتي بغيرها في هذا الحال إلا حالة واحدة قال بها الفقهاء منذ القدم منذ عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهي تضمين يد الصنّاع، فقد قيل انه انتشر فساد في ذلك الوقت أن الصناع لا يبالون بأموال غيرهم، فهنا حينما يتعاقد معهم على عمل يشترط في العقد انه إذا تلف شيء فإن الضمان على العامل إلا إذا اثبت انه ليس له دخل في هذا الإتلاف ولم يكن متعمدا، وهذا يسمى ضمان يد الأمانة بشرط، مشيرا إلى ضمان الصنّاع هذا أفتى به الإمام علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- وغيره من الصحابة وأمضاه بعض العلماء لذلك نقول: إذا جاء الإنسان في العقد الأول وهو التأجير باليد العاملة فقط والمالك اشترط على المقاول أن الضمان عليه إلا أن اثبت انه لم يقصّر ولم يتعدّ ويأتي ببيّنة على ذلك فان العقد هنا صحيح وإذا لم يكن هنالك شرط فالأصل أن المقاول ليس عليه ضمان إلا إذا أثبتنا انه تعدّى أو قصّر.
أما بالنسبة للعقد الثاني وهو عقد الاستصناع فان كان الاتفاق مع المقاول على انه يبني البيت كاملا وهو الذي يأتي بكل الأدوات ففي هذا الحال لو تلف شيء فان التلف على المقاول وليس على المالك، لأن ما تلف ليس للمالك فيه دخل وإنما الضمان كله على المقاول لأن المالك اشترط أن يكون له بيت بتلك المواصفات التي اشترطها فيجب الوفاء بها. مضيفا: انه حتى لو حدث شيء من الظروف كالأنواء المناخية أو جاء احد من الخارج وأتلف شيئا من الأدوات فهنا المالك لا يُسال عن كل ذلك وإنما المقاول هو المسؤول.
وأما بالنسبة للحالة الثالثة وهي تأجير المقاول على الهيكل وما بعد ذلك يكون على المالك فهنا في حالة تركيب الأدوات الصحية أو الأدوات الكهربائية وفي حال أيضا عمل الأصباغ المقاول هنا أجير فلذلك لا يضمن ما يتلف إلا أن كان منه تعد أو تقصير، أما دون تعد أو تقصير فلا يجوز شرعا أن يلزم المقاول بالضمان، مضيفا القول: إن هنالك بعض الناس عندما يكسر عامل المقاول شيئًا من غير تعمد أو تقصير فيحسم منه قيمة ذلك الذي أتلف فلا يجوز لأحد هذين المتعاقدين بعقد المقاولات أن يقرر الضرر بنفسه فإما أن يتوافقا على تقدير الضرر أو أن يحكّما طرفا خارجيا وإما أن يفصل القضاء بينهما. وان أجبر الطرف الآخر على القبول دون رضا منه فانه يعد آكلا للحرام وآكلا لأموال الآخرين بالظلم وهذا هو الحكم في كل عقود المعاوضات التي يحصل فيها خلاف بين طرفين فلا يجوز أن يستبد بتقدير الضرر واحد من الطرفين بل لابد من التوافق أو التحكيم أو القضاء، والله تعالى أعلم.