أمراض القـلوب.. أسـبابها وعلاجها في القرآن الكريم

راحة وطمأنينة وسكينة –

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

«هناك فئة ما زالت تبتغي الخلاص والإخلاص، ومازال هناك من يلبس لباس التقوى والورع فيخلص لله بأعماله رغم توترات المجتمعات، ورغم المغريات التي أمامه، فلا يرضى بأن يكون طرفا في المعادلة الجديدة، ويصوب نفسه نحو ترويضها على العمل بإتقان وإخلاص، يرضي ربه ولا يهمه رضا الناس، ذلك هو الخلاص وتلك هي الراحة والطمأنينة والسكينة التي تحدّث عنها القرآن الكريم».

تميل النّفس عادة إلى التمرّد على الفطرة، لأن الفطرة تعني انضباطا في السلوك بحكم المعتقد، والنفس لها هوى يقودها إن هي عارضت الفطرة وحاربتها، ومما يؤيد هذا الكلام الآيات والأحاديث التي تتحدث عن النفس وكيف تصارع موجات الهوى وهي تعيش المتناقضات في الحياة، ومنها قوله تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ» وقوله تعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» وأيضا «وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» فالآيات التي تتحدث عن الهوى كثيرة وكلها تحذر الإنسان من الانجراف وراءه، لأن الهوى ضلال يؤدي بالإنسان إلى نتائج وخيمة، وممن يعين على الهوى وسوسة الشيطان التي تزين العمل المشين وكأنه عمل بسيط يمكن أن يفعله الإنسان ولا ضير في ذلك، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم «ما من أحد إلا وله شيطان، وإن الله تعالى أعانني عليه حتى ملكته». فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه.
وحسب الدراسات التي أجريت على الإنسان، فإنه يميل بطبعه إلى الظهور بمظهر حسن حتى وإن كانت به عيوب غير ظاهرة، يحب أن يكون محبوبا فيظهر وكأنه يقدم الخير للناس، ويحدّث الآخرين بما يفعله، ويتظاهر بالتواضع واحترام الآخر ورفقة المساكين، وخدمة الملهوفين، وغيرها من أعمال البرّ لكنه في الوقت نفسه هو يستجيب لهوى نفسه الذي يعده بمكاسب جمّة وراء ما يقوم به من وجاهة واحترام وتقدير من الناس، ولذلك نرى هذا منتشرا كثيرا بين الناس، ولكن المرء الذي يحدّث الآخرين بما يفعله من مساعدة للفقراء والمساكين ومن أدائه الطاعات وارتياد المساجد ومجالسة العلماء وحضور الدروس والمحاضرات وغيرها من الأعمال هو في الحقيقة يستجيب لهوى نفسه، ومن ثم يهدم عمله من غير أن يشعر، هو يبني الوهم ويهدم الحقيقة، الوهم الذي عشّش في عقله أن ما يقوم به عمل كبير يستحق عليه الثناء من ربّ العالمين وأن فعله ذاك سيدخله الجنة، ولكنه في حقيقة الأمر يهدم الحقيقة؛ لأن ما أصدره قولا هدّمه فعلا، وكأنه لم يسمع بآيات وأحاديث الهدم التي تبين وتحذر من هذا السلوك المشين الذي يسمى رياء حتى عده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم شركا أصغر، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله، قال: الرياء».
ولو بحثنا عن هذا اللفظ لغة لرأينا أن معناه اللغوي يتقارب جدا مع معناه الاصطلاحي، فقد ورد في معاجم اللغة أنه مشتق من فعل راءى يرائي بمعنى تظاهر بخلاف ما في الباطن، وراءى الناس أي نافقهم وأظهر أمامهم خلاف ما هو عليه، وأما اصطلاحا فهو القيام بالطاعات مع تعمّد إظهارها للناس ليحمدوه عليها ويعجبوا بها، والقصد من الرياء تعظيم الناس أو الرغبة في إعجابهم به أو رهبة من الناس أو خوفا منهم، وأيا كانت التعاريف فهي تلتقي في كونها تذم الفعل، وهو قريب من النفاق أو نوع من أنواعه.
وقد ذكر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في حديث المنافق آيات النفاق فقال صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وقال في حديث آخر: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» وجاء في الآية الكريمة: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ».
فالأحاديث والآيات تحذر المسلمين من الانخراط في هذا الوباء العظيم الذي أهلك أُمما بأكملها، وحطّم أُسرا وفكّك علاقات ودمّر أفرادا؛ ولذلك جاء التنبيه من العلي القدير في كتابه العزيز، وجاء التحذير مدوّيا من العظيم المهيمن القادر المقتدر، يصف أحوالهم ويفضح سلوكهم ويبين مصيرهم، كما بينته الآية السابقة، وتبينه هذه الآية المدوية عندما قال رب العزة والجلال: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا» وعندما قال: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ» وعندما قال: «الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».
وعندما تعلق الشخصية المسلمة بهذه الشوائب وتتعلق بها، انتصارا لهواها وللشيطان تعيش اضطرابا نفسيا وسلوكيا؛ فهي شخصية مضطربة مناقضة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا الاضطراب هو في حقيقته تدمير للنفس من الداخل وهو أخطر أنواع التدمير، لأنه يجعل الإنسان منبوذا عند الناس ومشهورا بالكذب والخيانة والرياء والفجور، وبالتالي تبطل شهادته وينتفي صدقه وتنتهي صدقيته، ومنبوذا من الله تعالى، وهذا يتجلى في كثير من آياته منها مثلا في سورة المنافقون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ، يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
كما أن الرياء تحطيم للطاعات والأعمال الصالحة، وتدمير للحسنات وقضاء على كل جميل من الطاعات سواء عبادات أو معاملات، ولا أدل على ذلك من هذه الآية التي تفسر هذا التحطم النفسي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْه، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ به، فَعَرَّفَه نِعْمَتَه فَعَرَفَهَا. قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قال: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ قاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيل، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»، ولا شيء يمكن أن يقضي على الطاعات مثل الرياء.
ولا أحد في الدنيا يبتغي المرض، إذا كان المرض عضويا لأنه يقيّده عن الحركة ولا يستمتع بحياته المعتادة، وأما إذا كان المرض نفسيا فإن صاحبه يتوارى عن الناس ويبحث عن الخلاص مما يعانيه،؛ لأن التخبط النفسي يجعل الناس الآخرين يتوجسّون منه خِيفة، وأما الأمراض القلبية بمختلف فنونها وأنواعها فبعد أن كانت منبوذة في عصر النبوّة صارت اليوم أمرا عاديا استساغها كثير من المسلمين..
فالرياء والنفاق والكذب والاحتيال والغش والتحايل وغيرها صفات منبوذة في الإسلام؛ لأنها ببساطة تضر صاحبها أكثر مما تضر مستهدفها، ولأن كثيرا من المجتمعات قد تغيرت واستساغت الحرام وتستمتع به في كثير من الأحيان بتزيين من الهوى والشيطان، «الشيطان سول لهم وأملى لهم»، كثرت هذه الأمراض وانتشرت انتشار النار في الهشيم، ولم تعد الحياة صافية كما كانت حيث كثرت الأمراض وانتشر البلاء وعمّت الفوضى، ونُزعت البركة والرحمة وتفكّكت العلاقات، وانتشرت الأنانية وإقصاء الآخر، وتقلّص دور العلماء والحكماء والفقهاء، وكل ذلك ساهم في انتشار ما كان محرما في وقت ما.
لكن هناك فئة ما زالت تبتغي الخلاص والإخلاص، مازال هناك من يبحث عن الدواء، ومازال هناك من يلبس لباس التقوى والورع فيخلص لله بأعماله رغم توترات المجتمعات، ورغم المغريات التي أمامه، فلا يرضى بأن يكون طرفا في المعادلة الجديدة، ويصوب نفسه نحو ترويضها على العمل بإتقان وإخلاص، يرضي ربه ولا يهمه رضا الناس، فذلك هو الخلاص وتلك هي الراحة والطمأنينة والسكينة التي تحدّث عنها القرآن الكريم عندما قال: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ»: أدرك حقيقة الإيمان بقلبه وعقله ووجدانه؛ لأنه يعتقد يقينا أن الإيمان أوله تصديق بالجنان، ثم تركع له الجوارح ومنها اللسان؛ حيث يرطب بذكر الله «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».