دور ألمانيا الجديد في العالم

سمير عواد –

تتقلد ألمانيا مرة جديدة مقعداً مؤقتاً لمدة عامين (2019-2020) في مجلس الأمن الدولي الملقب باسم (نادي الكبار) وتُعتبرها فرصة جديدة للإثبات للمجتمع الدولي أنها جديرة بأن تتقلد في المستقبل مقعدا دائما إذا تنازلت الدول الخمس الدائمة العضوية وهي (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين) عن معارضتها لتوسيع مجلس الأمن الدولي، ويُصبح بإمكان الدولة الألمانية العصرية التي تأسست في عام 1949 على ركام ألمانيا النازية المساهمة في صنع السياسات العالمية الكبرى واستغلال قوة اقتصادها وصلاتها السياسية مع كافة بلدان العالم، في حل الأزمات والنزاعات الراهنة وتعرف أنه مما يساعد على تحقيق هدف تحقيق السلم والأمن والاستقرار في العالم، هو أن تتوقف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي عن عرقلة أو إفشال مشاريع الحلول لأهداف أنانية واستخدام المنبر الدولي الأكثر تأثيراً في العالم لخدمة مصالحها الخاصة أو مصالح الدول التي تسير في ركابها.
وقد استعدت وزارة الخارجية الألمانية منذ فترة لإبراز دور ألمانيا في الساحة الدولية للعامين 2019 و2020، وأعلنت أن اهتماماتها سوف تتركز على قضايا تهم كافة دول العالم مثل ضمان حقوق المرأة ومكافحة أعمال العنف بشتى أشكاله وحماية المناخ العالمي والدعوة إلى مراقبة التسلح، ومنذ مطلع العام، يتوجه هايكو ماس وزير الخارجية الألماني الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي باستمرار إلى نيويورك حيث المقر الرئيسي للأمم المتحدة، لإسماع العالم الصوت الألماني. ويستغل ماس كل زيارة يقوم بها إلى نيويورك، للتأكيد على اهتمام بلاده بتحمل المزيد من المسؤوليات تجاه العالم خاصة وأن ألمانيا من أبرز الدول الممولة للهيئة الدولية وتساهم في مهام حفظ السلام في العديد من أماكن النزاعات مثل أفغانستان ومالي.
وتساءلت مجلة «دير شبيجل» الألمانية في تحليل نشرته أخيراً إذا ألمانيا في ظل الولاية الرابعة والأخيرة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تتزعم حكومة الائتلاف المسيحي – الاشتراكي، قادرة على الوفاء بالتزاماتها حيال العالم ولا تبالغ في الوعود التي قطعتها في طلب الحصول على العضوية المؤقتة مرة أخرى عندما فازت في الصيف الماضي بهذا المقعد الذي أرادته للتأكيد على مكانتها في العالم . ويتبادر إلى الذهن هنا أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قال أمام الصحفيين في ختام زيارته الوداعية لألمانيا، أنه لو كان ناخباً ألمانياً لأيد ميركل. وكان ذلك إشارة واضحة منه إلى أهمية وجود ميركل لردع سياسات دونالد ترامب إذا فاز خلفه في البيت الأبيض وهو ما حصل. والآن، ينتظر ترامب بفارغ الصبر انهيار حكومة ميركل قبل نهاية ولايتها في الربع الأخير من عام 2021 بعد عام على انتخابات الرئاسة الأمريكية حيث يسعى ترامب لتجديد انتخابه في منصبه وليست ميركل وحدها بين قادة أوروبا تأمل أن يغادر البيت الأبيض إلى دون رجعة لكن مصير ترامب بأيدي الناخبين الأمريكيين.
حتى حينه تعيش برلين مع الواقع الذي طرأ على العلاقات الأطلسية والدولية بسبب سياسات ترامب المثيرة للجدل، وبحسب المحللين السياسيين في برلين، سعت ألمانيا حثيثاً لتشغل مقعدا مؤقتا هذه المرة في «نادي الكبار» لمواجهة ترامب ونتائج سياساته وفي مقدمتها رغبته في عدم تولي الولايات المتحدة الأمريكية دور الشرطي الدولي. ومن أبرز علامات ذلك انسحابه من أفغانستان وسوريا وتهديده المتواصل للدول الأعضاء في حلف الناتو بأن بلاده ليست مجبرة على حمايتهم إذا لم يزيدوا إنفاقهم على التسلح. وأدركت برلين في وقت مبكر مخاطر تخلي واشنطن في عهد ترامب عن دورها الدولي لاسيما في مرحلة ازدادت فيها النزاعات والتوترات في العالم، وسط خلاف واشنطن موسكو والتوتر بين واشنطن وبكين. برأي برلين يكمن الرد في وضع آلية للتعاون الدولي التعددي، لتفادي فلتان الأمن وتدهور السلم والاستقرار في العالم، أي العودة إلى الأمم المتحدة وتفعيل دور مؤسساتها.
بدأت برلين تستعد لدورها على مسرح السياسة الدولية بتنظيم مؤتمر حول مستقبل اليمن، ثم سافر وزير الخارجية الألماني ماس إلى موسكو حيث بحث مع نظيره الروسي سيرجي لافروف تصورات حل الأزمة السورية وحذر هناك من المنافسة على التسلح النووي ودعا إلى حوار جديد بين موسكو وواشنطن بالخصوص لكنه في الوقت نفسه فعل ما فعله في زيارته الأخيرة إلى الكويت التي تشغل أيضا منذ مطلع العام مقعداً مؤقتاً في مجلس الأمن الدولي، حيث دعا إلى تعزيز دور الهيئة الدولية في حل النزاعات والأزمات الدولية.
لقد أحست برلين بخطر الفراغ السياسي الدولي، فترامب منشغل بمشكلاته في الداخل، وتيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية تكافح من أجل البقاء في منصبها، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صراع مع «السترات الصفراء»، ورغم هموم المستشارة الألمانية في الداخل وضعف موقفها في أوروبا بعد تنحيها عن منصب زعامة الحزب المسيحي الديمقراطي واستعدادها للتنحي عن منصب المستشارية في عام 2021، حرصت برلين على العمل في سد الثغرات التي خلفها انشغال واشنطن ولندن وباريس بقضايا داخلية.
وقد دل اهتمام برلين بحل الأزمة في اليمن على تمسكها بالدعوة التي أطلقتها في العام الماضي عبر وزير خارجيتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالدعوة لتشكيل تحالف دولي تعددي، في مواجهة النزاعات والأزمات، والتعويض بذلك على غياب القوتين العظميين.
فيما يتعلق بسوريا أيضا، نشطت السياسة الخارجية الألمانية في الأشهر القليلة الماضية بشكل لفت الأنظار، حيث بات وزير الخارجية الألماني يحمل ملف سوريا معه إلى كل بلد يزوره خاصة إذا كان هذا البلد معنياً بالأزمة السورية. وأصبحت ألمانيا مستعدة مبدئياً لتقديم مساهمة مالية لعودة التعمير. وفيما يتعلق بالنزاع الفلسطيني/‏‏ الإسرائيلي، أعربت برلين أخيراً عن قلقها من استمرار أعمال العنف ودعت مرة جديدة إلى عودة التفاوض لتحقيق حل الدولتين رغم أن الكثيرين يعتبرونه في عداد الموتى بسبب سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
وبرأي العديد من المراقبين في برلين فإن سبب الدور الألماني الجديد على مسرح السياسة الدولية يعود إلى خشية الألمان تجدد تدفق اللاجئين إلى أوروبا بعد أكبر موجة حصلت في سبتمبر 2015 وحدوث انعكاسات سلبية وخطيرة في العالم بسبب تخلي واشنطن عن واجباتها في عدد من مناطق النزاعات.