مشهد البريكست وهو يتداعى

سيلفي كوفمان – نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

إذا أزعج تمرد أصحاب السترات الصفراء الناخبين الفرنسيين إلى حد دفعهم للتفكير في استخدام الاستفتاءات لتعزيز العملية الديمقراطية سيكون لزاما عليهم تأمل المشهد الحزين عبر القنال. فالشعب الإنجليزي يحاول التقاط شظايا مستقبله بعدما رفض مجلس نوابه اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي أنفقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي 18 شهرا في التفاوض بشأنه مع الاتحاد بناء على استفتاء.

من الصعب التفكير في رادع أقوى من ذلك المشهد. لقد ظلت القارة الأوروبية لثلاثة أعوام في حيرة ويأس وغيظ وهي تشاهد أقدم ديمقراطية في العالم تنطلق في درب لم يحاول أي بلد آخر أن يطرقه من قبل (ترك الاتحاد الأوروبي).
شاهدنا رئيس وزراء بريطاني شابا وطموحا هو ديفيد كامرون يقامر بفكرة أن استفتاء 23 يونيو 2016 سيعزز وضع بريطانيا داخل الإتحاد لأن التصويت سيكون بالبقاء فيه. شاهدناه وهو يفشل ويستقيل ويختفي. فبعد استفتاء شابته الأخبار الكاذبة والأكاذيب والوعود الزائفة والهجوم على المهاجرين شاهدنا ثقافة ويسمنستر السياسية المفعمة بالحيوية وهي تسقط في الفوضى. شاهدنا إمبراطورية سابقة كانت قد انتصرت في حربين عالميتين وهي تتطلع إلى أن تكون سنغافورة على نهر التيمس (في إشارة إلى حلم اليمين المتطرف في حزب المحافظين بجعل بريطانيا مثل سنغافورة في انخفاض ضرائبها وبساطة إجراءات اقتصادها- المترجم). شاهدنا وزراء البريكست تحت قيادة ماي الذين أربكتهم السياسات المرتبكة والمفاوضات المرعبة (مع الإتحاد) وهم يقرون بالهزائم الواحدة تلو الأخرى. والآن نراقب في وجوم احتمال متعاظم بإجراء استفتاء ثان يسعى إليه أناس أذكياء ولكن قانطين ولديهم قناعة بأنه سيلغي نتيجة الاستفتاء الأول الذي أجاز خروج بريطانيا بنسبة 51.9%.
لكن الضجيج في القارة يعلو ويهتف الناس «من فضلكم لا. ليس استفتاء آخر». وللمفارقة كان استفتاء الخروج قد فاز على أساس الوعد باستعادة السيطرة (بمعنى خروج بريطانيا من السوق المشتركة والاتحاد الجمركي والسلطة القضائية لمحكمة العدل الأوروبية – المترجم).
وأحيانا نتساءل هل فقد البريطانيون ليس فقط هذه السيطرة ولكن أيضا عقولهم؟
لقد بتنا نخشى الحوار مع أعز أصدقائنا من انجلترا بعد أن أصابهم الهوس بالبريكست لدرجة أنهم ينسون التطرق إلى حالة الطقس (عادة إنجليزية – المترجم). وكصحفيين شعرنا بالتعاطف مع الدبلوماسيين البريطانيين الحزانى الذين يشجعون أنفسهم على تنفيذ قرار فيما يعلمون في دواخلهم أنهم يتجهون نحو الكارثة. لكن الأهم أن هذه العملية علمتنا عن قوة الاتحاد الأوروبي بطريقة لم نفكر فيها أبدا.
بعثت ماي بخطاب حب سيريالي أنيق إلى الاتحاد «خطاب أقرب صديق» يوم 28 مارس 2017 لطلب الشروع في إجراءات طلاق بريطانيا. أنت لا تضع نهاية بهذه السهولة لحياة مشتركة لمدة 44 عاما. أكدت رئيسة الوزراء وهي تنشط البند 50 من معاهدة لشبونة للبدء بعملية الانفصال على وجوب أن تظل أوروبا « قوية ومزدهرة وقادرة على إبراز قيمها وتولي القيادة في العالم».
جاء في خطابها «ربما الآن أكثر من أي وقت مضى يحتاج العالم إلى قيم أوروبا الليبرالية والديمقراطية».
لذلك يتساءل المرء لماذا إذن ترك الاتحاد؟
حقا كانت ماي في البداية من دعاة البقاء في الاتحاد، لكن سينتهي بها المطاف لاحقا إلى استنزاف رأسمالها السياسي الشحيح في القتال للوفاء بعكس ذلك. هذا كان قدرها وتلك كانت عبثية البريكست.
وللإنصاف لم تكن علاقة بريطانيا مع الاتحاد سهلة أبدا. ففي أعوام الستينات استخدم الرئيس شارل ديجول حق النقض ضد ضم بريطانيا لاقتناعه بأنها ستحاول دائما فرض شروطها على السوق المشتركة. وانضمت بريطانيا أخيرا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1973 وشكلت فعلا سوقها الموحدة. وهزت عبارة مارجريت تاتشر الشهيرة «ردوا لي نقودي» بروكسل وغذت الشكوك بأن بريطانيا انضمت إلى الاتحاد فقط كي تبطئ مسيرته. (في عام 1980 طالبت تاتشر بتعديل مساهمات بريطانيا للجماعة الاقتصادية الأوروبية وحذرت من أنها في حال لم يحدث ذلك ستمتنع عن سداد ضريبة القيمة المضافة وأطلقت عبارة «ردوا لي نقودي» – المترجم).
وكان المشرع الفرنسي جان لوي بورلانجيس قد ذكر من باب الدعابة أن البريطانيين «دائما يضعون رجلا في الاتحاد الأوروبي ورجلا خارجها. والآن مع البريكست يريدون أن يفعلوا العكس».
لكن لدى بريطانيا حلفاء أقوياء من بين أعضاء الاتحاد الآخرين. فقد جلب أفراد سلكها الدبلوماسي المتميزون خبرة مرحب بها إلى بروكسل. بل حتى الفرنسيين يدركون أن البريطانيين يشكلون إضافة قوية لهذا الكيان المتعدد البلدان وغير العادي.
ومن هنا تلك الفكرة التي باعها دعاة البريكست لناخبيهم بأن التفاوض من أجل شروط جديدة مع القارة الأوروبية سيكون سهلا لأن الاتحاد سيخسر الكثير في هذا الطلاق. بل كان هنالك توقع بأن بلدانا أخرى ستتأسى ببريطانيا.
«ماهو البلد التالي؟» كان ذلك هو السؤال الوحيد الذي طرحه الرئيس ترامب لرئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك في مكالمة هاتفية في يناير 2017، حسبما أبلغني انطوني جاردنر السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي وقتها. لكن لم تمض الأمور على ذلك النحو. عينت المفوضية الأوروبية فرنسيا ودودا هو ميشيل بارنييه مفاوضها الرئيسي وقدمت له فريقا من 60 عضوا من 19 جنسية. كان بارنييه، وهو عضو برلماني سابق من يمين الوسط ووزير حكومي ومفوض للاتحاد، يعتبر البريكست «خسارة للطرفين» لكنه عازم على أن تكون خسارة الاتحاد أقل ما يمكن.
أدرك بارنيير مبكرا أن الوحدة ستكون بالغة الأهمية وزار مرارا باقي البلدان الأعضاء الـ 27 لإيجاز زعمائها.
وفيما هو يفعل ذلك لاحظ بارنيير «إحساسا جديدا بخطورة الموقف» وسط القادة الأوروبيين دفع إليه الإدراك بأن أوروبا وهي تواجه دونالد ترامب وفلاديمير بوتين يجب ألا يضعفها البريكست. لذلك واجه مفاوضو لندن بدلا عن الاقتتال والتنافس الداخلي بين الأوروبيين حائطا صلبا من الوحدة وإحساسا بالهدف. وصار الاتحاد الأوروبي ملائما بحيث إن الخروج منه لم يعد قضية حتى بين الحكومات الأكثر تشككا في جدواه.
إن البعض أكثر صبرا من الآخرين. ففي الشهر الماضي بعثت داليا جريباوسكايتي رئيسة ليتوانيا برسالة تويتر ضمنتها أمنياتها لبريطانيا بمناسبة عيد الميلاد جاء فيها «أخيرا قرروا ما تريدونه حقا وسيحقق لكم سانتا (بابا نويل) ذلك». وعلى تويتر تحدث وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير عن «الصراع الملحمي للشعب البريطاني» وكتب أكثر من عشرين من الساسة والمشاهير الألمان للبريطانيين خطابا رقيقا جاء فيه أنهم «سيجدون لهم دائما أصدقاء في ألمانيا وأوروبا». ويصلي آخرون سرا من أجل أن تغادر بريطانيا أخيرا وتحل مشاكلها الداخلية ثم تعود خلال عقد أو عقدين. الكرة في ملعب بريطانيا وهي تواجه موعد الخروج في 29 مارس باتفاق أو بدونه. هذا فيما تسرِع حكومات الاتحاد الأوروبي استعداداتها لمواجهة كارثة خروج بريطانيا من دون اتفاق.
هنالك درس آخر أقل بهاء من مسلسل البريكست. فالانتفاضة التي جاءت به في عام 2016 لم تكن معزولة كما اتضح. يقول مستشار لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون «أخطأنا في الاعتقاد بأن البريكست مشكلة بريطانية محضة. لم تكن كذلك. إنها مشكلة أوروبية. والسترات الصفراء جزء منها».
لقد تفشى التمرد على النخب وأوضاع اللامساواة من الغرب إلى الشرق ومن الشرق إلى الغرب. وصارت الأكاذيب والديماجوجية والانقسامات المرتبطة بها والتي يعرفها الناخبون الأمريكيون شيئا معتادا الآن في أوروبا. أما فرنسا التي افترضنا أنها صارت بمنجاة منها بفضل انتخاب ماكرون في 2017 فتواجه الآن طقسا كئيبا من الاحتجاجات الأسبوعية العنيفة. كان البعض منا وهو مشدود إلى شاشة البي بي سي خلال الأيام القليلة الماضية مذهولا بالمسرح السياسي المثير ولا يملك إلا أن يغار على الأقل من الأسلوب الذي تعامل به البريطانيون مع نوبة جنونهم.

* الكاتبة مديرة تحرير حالية ورئيسة تحرير سابقة لصحيفة لوموند الفرنسية