تـأثير التجارة على الاقتصاد

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

حفزني ما كتبه مؤخرا «ستيفن روش» -الرئيس السابق لمورجان ستانلي في آسيا والمحاضر في جامعة «ييل» – عن الضغوط الكبيرة التي تواجهها دورة التجارة العالمية في عام 2019، وكيف بدأت للتو عمليات تعديل هبوطية للتوقعات، ومعها لا يمكن التقليل من خطر حدوث تباطؤ كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
يقول الكاتب إنه مع تضاؤل النمو في التجارة العالمية بشكل حاد منذ الأزمة المالية العالمية 2008-2009 ، فإن تزايد الحمائية وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية أصبح أكثر إشكالية، وهناك احتمال واضح بأن أي تراجع في دورة تجارية ضعيفة أصلاً قد يؤدي إلى تدهور سريع مفاجئ في الاقتصاد العالمى>
في اعتقادي رغم منطقية الكثير مما يوضحه «روش» أن هناك أمرا ناقصا أو ربما اكثر عند دراسة العلاقة العضوية بين التجارة والنمو الاقتصادي. سأضرب أمثلة عملية من واقع الحالة المصرية، وكما نعلم فقد تراجعت الواردات المصرية بقوة منذ نوفمبر 2016 بعد تعويم سعر الصرف، واستردت قدرا طفيفا من زخمها لكن مازالت اقل بكثير مما كانت عليه قبل نوفمبر، وفى المقابل فإن الصادرات لم تزد إلا بنحو 22% رغم انه تم خفض سعر الصرف بأكثر من 100 %، والمعنى أن حجم التجارة الخارجية لمصر تقلص في العموم، ومع ذلك سجل نمو الناتج المحلى الإجمالي معدلات قوية وربما غير مسبوقة منذ 2009، ووجدت الحكومة ما تفاخر به في مجال تغير مصادر النمو، حيث زادت مساهمة الاستثمار والتصدير عما كانت عليه بدرجة ملموسة، وقلت نسبة مساهمة الاستهلاك -المرتفعة جدا في مصر- في الناتج. إن خفض التجارة أو الواردات بصفة خاصة يقود إلى تسلسلات غير مرئية في أنماط العمل والإنتاج والاستهلاك، في المنشآت وداخل البيوت نفسها، لها تأثير إيجابي على جوانب مختلفة بما فيها النمو، لا يلحظها الاقتصاديون أو كثير منهم أو ريما لا يريدون ملاحظتها. لا أريد الإشارة هنا إلى مساجلات الراحل الأستاذ جلال أمين بشأن الوله بمعدل النمو وزيادته واعتقاده بأنه يمكن في حالة نمو ضعيف بل وريما سلبي أحيانا أن تكون ظروف البلد افضل، فما كان يتناوله أوسع نطاقا مما أتحدث عنه هنا. صحيح يوجد صوت عال للذين يدافعون عن أهمية معدل النمو، وعن التأثير الضخم للتجارة الدولية وانعكاساتها على النمو، لكن أيضا يوجد من يرى أن ذلك أمر مرحلي أو مختلف عليه، وقد أشرت أكثر من مرة إلى نظرية المفكر الاقتصادي الأمريكي الأشهر «ليستر ثورو» التي تقول انه سيأتي وقت يكون الاستهلاك المحلي فيه -مع إنتاج سلع وخدمات بمعايير عالمية للمستهلكين المحليين بمن فيهم الأجانب والسائحين- أهم من التصدير، وكان يرى انه مستحيل عمليا أن يحقق كل بلد فائضا تجاريا إلا إذا انفتحت التجارة العالمية على كوكب آخر يكون سكانه على استعداد طوال الوقت للاستيراد فقط دون سعي إلى التصدير. أيضا من المعروف أن «الميركانتليين» دافعوا ويدافعون دائما عن حرية التجارة من منظور أنها الخطوة الأولى للتحول إلى التصنيع درجة بدرجة، ونقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرة، وأن كان أيضا لا يوجد ما يؤكد هذا القول في الكثير من الحالات ناهيك عن أن نظريتهم انبثقت بالأساس من عصر بدء الاستعمار.
يقول «روش» إنه توجد تلميحات مبكرة لتراجع النمو العالمي ترافقا مع تراجع التجارة الدولية، وهذه النتيجة واضحة في تحديث يناير لآفاق الاقتصاد العالمي الصادرة عن صندوق النقد الدولي. وفي حين قام صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاته للنمو في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 بمقدار 0.2 نقطة مئوية (من 3.7٪ إلى 3.5٪)، إلا أنه حقق انخفاضا طفيفا في توقعاته لنمو التجارة العالمية بنسبة 4٪. هذا أمر محير بالتأكيد -بحسب روش- في مناخ زيادة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين، مع وجود تهديدات قادمة، ومع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومشاكل التجارة والنمو والمالية العامة في منطقة اليورو، ولذا هناك سبب وجيه للبحث عن المزيد من التنقيحات الهبوطية في توقعات التجارة العالمية. «انتهى الاقتباس».
المنطق يقول إن الطبيعي أولا أن تزيد التجارة العالمية بمثل زيادة النمو السكاني العالمي مبدئيا، وان تزيد مع زيادة التخصص في العمل الدولي، واستحداث سلع وخدامات جديدة توجد طلبا عليها عبر الحدود، ومع اكتشاف إمكانيات أوسع لتعظيم القيمة عبر المشاركة في سلاسل الإمداد، لكن لا أحد يفسر لماذا لم ينم الاقتصاد العالمي جيدا في سنوات بلغت فيها الزيادة في التجارة الدولية معدلات كبيرة ؟ وعودة إلى «روش» نفسه فهو يقول انه بالنظر إلى أن دعم الاقتصاد العالمي من التجارة العالمية أصبح بالفعل في وضع هش، حيث بعد هبوط حاد في التجارة خلال الأزمة العالمية بنسبة 10.4٪ في عام 2009 كان الانتعاش التالي في العصر الحديث خافتًا. وبعد انتعاش قصير لمدة عامين في 2010-2011، بلغ متوسط نمو التجارة العالمية 3.6 ٪ فقط من عام 2012 إلى عام 2018 – حوالي نصف معدل النمو السنوي البالغ 7.1 ٪ في 20 سنة قبل الأزمة.
ويضيف: كان نمو التجارة العالمية أسرع بكثير من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي وعلى النقيض من ذلك، في التوسع الحالي، بلغ متوسط الفارق هامشا ضيقا جدا، مع تباطؤ التجارة العالمية إلى وتيرة تساوي فقط نمو الناتج العالمي.
لم يشأ «روش» هنا أن يطرح على نفسه السؤال الذي أشرت إليه ألا وهو: ألا يمكن أن يكون ذلك هو البداية الطبيعية للتحول إلى الاعتماد المرتفع على الاستهلاك الداخلي في العالم كله؟ خاصة وأن الأغلبية الساحقة من دول العالم أصبحت منفتحة تجاريا وماليا واستثماريا، ويمكن مثلا للنمو الضعيف في ألمانيا والنمو الضعيف في صادراتها أن يتم تعويضه بعقود تصنيع – أكثر مرونة أو عدالة أو حتى تقليدية – مع دول أخرى تجني منها ألمانيا عوائد كبيرة تعوض تراجع التصدير؟ . لقد اصبح كل بلد يفكر حاليا في إقامة صناعات لكل ما يلزم مستهلكيه /‏‏ مواطنيه بالشراكة مع الشركات العالمية أو حتى استنادا إلى مدخلات وطنية، ويعنى ذلك أن الاستثمار يحل محل التجارة نسبيا كما أوضحت أو يمكن أن يكون كذلك.
وليست صدفة انه في اليوم نفسه الذي كتب فيه «روش» مقاله على «بروجيكت سنديكيت»، أن كتب آخر يقول إنه لا توجد حرب تجارية بين أمريكا والصين، وإنما صراع على شروط عقود التكنولوجيا. ويفيدنا ذلك في أن المشكلة الآتية في العالم هي عقود الاستثمار أكثر منها التجارة بغض النظر عن حمائية ترامب التي تنتهي أحيانا إلى عقود بديلة مثل تغيير مواد في «نافتا»، أو عما تسميه الصين حربا تجارية؛ لأنها تعرف أن ذلك له وقع أفضل عالميا بدلا عن أن يقال عنها إنها دولة ترغم الشركات العالمية أو الأمريكية بالتحديد على إفشاء أسرارها لشركاء صينيين. هذا مع العلم أن الكثير من شركات التكنولوجيا العالية الأمريكية لا توافق ترامب على ما يقوم به مع الصين.
لكني اتفق مع الكاتب فيما قاله عن التهديدات السياسية وتهديد ترامب بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، والشكاوى المتعلقة بسعي ترامب إلى فك الارتباط الأمريكي عن التعددية العالمية والنظام التجاري العالمي الذي دعمته أمريكا منذ فترة طويلة.
يبقى أن أشير إلى أن تراجع حجم الطلب الداخلي في الصين وتراجع النمو والصادرات هناك لا يعود كله في تقديري إلى الخلاف مع الولايات المتحدة أو الظروف الدولية التجارية المعروفة بأكثر مما يعود إلى رغبة من القيادة هناك في كبح جماح الاستهلاك الوهمي والمضاربات، وقد رأينا كيف تم وضع قيود مشددة على تمويل شراء المساكن بكل ما يعنيه ذلك من تأثير على المشاريع الجديدة، وعلى الطلب من سلع مواد البناء والتجهيز، فالانفلات في الاقتراض وفي المضاربات اخطر على التجارة والنمو بكثير -في ظني- من توسع ظاهري عواقبه دائما وخيمة، ودرس 2008 ليس بعيد.