عطر: الواجب لا يعني الانتحار

رندة صادق –

لائحة طويلة من الممنوعات تغلف غشاءنا الاجتماعي تحت مفهوم الواجب، لائحة من القهر اليومي والخيبات المتلاحقة تسيطر على عقولنا، رهاب الآخرين وكيف ينظرون إلينا؟ الأحكام الجاهزة التي يتم إسقاطها على تصرفاتنا، آلاف الممنوعات والتحذيرات والجبهات المحفوفة بحروب خاسرة وعبثية الاعتراضات، فخ العقل الواعي، وسذاجة القلب المتعطش للحب، متاهات الدين وغرابة الفلسفة وتحليلاتها، محاكم لا تنتهي انعقاداتها وسيوف مسلطة على أجسادنا جاهزة لبتر انحرافاتنا، شرنقة الواجب تلتف لتخنق تلك الأحلام المجنونة التي تطاردنا، إنهن نساء لم يدركن دوربهن فتاهت منهن سنوات أعمارهن، وجلسن بلا غطاء ينتظرن انتهاء الرحلة، وصفارة النهاية، يرتجفن من العقاب المنتظر، ويتحسرن على الماضي الذي حدث وانتهى، ولا يعرفن كيف حدث وكيف انتهى؟
حالة من التفكر والتأمل هاجت وماجت في شراييني، أربكت دماغي وجعلتني أقف لوقت طويل أبحث عن جواب لسؤال طرحته إحدى النساء على الفيس بوك جاء فيه: “أيهما أشد ألما وخيبة: امرأة جميلة وذكية تزوجت وعاشت تعيسة لأنها أساءت الاختيار، أم امرأة عادية شكلا ومضمونا لم تتزوج وعاشت تعانق الوحدة وتتحسر على العائلة؟ قصتها هذه جعلتني أدخل في حيرة من أمري لأن الموقفين في منتهى القسوة، وأتساءل بدوري هي من: المرأة الجميلة الذكية أم تلك العادية؟
انطلاقا من انطباعاتي استنتجت بكل ثقة أنها تلك الجميلة التي لم يسعدها جمالها، فأخذت منها الحياة سعادتها، خاصة ان ما وصلني من شيفرات كلماتها أشارت لقلبي أنها الجميلة، هنا لم أتردد بسؤالها: لماذا لم تطلب الطلاق؟ ردت: أنها أولا وضعت بين اختيارين: إما الاستمرار في الزواج أو حرمانها من أبنائها، وثانيا التشكيك بشرفها واتهامها بأن هناك رجلا آخر في حياتها، ليس فقط من زوجها بل أيضا من عائلتها.
إشكالية نراها حولنا تؤكد ان ميزانا غير عادل تقاس به الأشياء، وتحدد به عناصر السعادة ودوافع البحث عن الخلاص من تعاسة احتلت العمر، لكننا في مجتمع لا يملك الرحمة ولا يعي اختلالاته النفسية، ولم يحقق التطور المنطقي، بل ما زال يقبع في كهوف التقليد الأعمى، إنها الأعراف لا الدين، إنها حدود التخلف المتوارث الذي يعيش في عباءة العيب، أمور لا يمكن الاقتراب منها، تابوات البشر لعنة تطارد الأجيال عامة والنساء خاصة في مجتمعاتنا العربية.
كثيرون يظنون أننا نختار الاختيار العاقل، لذا يترتب عليه أن نتحمل نتائجه وضربة الحظ التي لم تصب ستعتقلنا الى الأبد. لكن في الحقيقة لا يمكننا أن نحدد مع انهمار السنوات وتغير حاجتنا وتطلعاتنا، ما الذي دفعنا بنقطة زمنية معينة ان نختار ما اخترناه؟ بل لا يمكننا ان نتذكر الاختيارات الأخرى المطروحة وكأن عقلنا وذاكرتنا يفلتران الصورة لتتم تنقيتها من تلك الشوائب التفصيلية، ولعل لائحة الممنوعات المذكورة سابقا هي محركنا، ولعلنا نغفل أن القدر أقوى من إرادتنا.
بمعزل عن كل التنازعات والندم ومحاسبة الذات، المشكلة ان البعض يخاف من تعديل اختياراته لكي لا يحاسبه المجتمع وتحاكمه الأعراف وتصدر محكمة الجهل العليا في مجتمعاتنا العربية أحكامها المسبقة تحت عناوين مثالية مثل: ”الأمومة والواجب والعيب والخطيئة” وفي جوهر الأمر هذه الإسقاطات تطال المرأة وتجعلها تعيش أسيرة لها، لأن للرجل مبررات تنصف تعديلاته حين يقرر أن يعدل اختياراته ويغير التزامه المعنوي والأسري.
لكل امرأة اختارت التعاسة بإرادتها أقول لها: ”لقد فهمتِ الحياة والواجب بشكل خاطئ، لا تساومي على عمرك أو تنهزمي أمام تنمر المجتمع عليك، فهذا هو الانتحار بعينه، وهذا النوع من الانتحار يعني أننا لن نعرف طريق النجاة ونخشى من التغيير“.