«أوذنة» التونسية تنفض عن نفسها الغبار وتستقطب السياح والباحثين

على قمة معبد الكابيتول الروماني الذي بني قبل نحو ألفي عام فوق هضبة تحيط بها مساحات شاسعة من الحقول والسهول الخضراء، ظل منزل المستوطن الفرنسي دوكروكي الذي شيد منذ أربعينات القرن الماضي، يعلو مدينة أوذنة الأثرية على مدى عقود طويلة. ومثل الكثير من المعمرين، وهو لقب يطلق على المستوطنين الفرنسيين الذين استقروا بتونس إبان الاستعمار في القرن التاسع عشر، وجد المحامي الفرنسي دوكروكي ضالته في المدينة الرومانية أوذنة (أوتينا القديمة) الواقعة في المناطق الريفية على أطراف العاصمة، لبدء حياة جديدة مع عائلته في مزرعته المتاخمة للمعبد.
لكن المحامي لم يكتف ببناء منزله فوق معبد الكابيتول فقد استخدم أجزاء كبيرة من الحجارة المستخرجة من بناية الموقع الأثري لتشييد مرافق أخرى للمزرعة، كما حول خزان مائي كبير إلى ورشة عمل وبنى كنيسة صغيرة. وفي الموقع يمكن ملاحظة مخازن تعود إلى حقبة الاستعمار بناها المستوطنون على أنقاض جزء من الآثار التي لحقها قصف قوات الحلفاء والمحور في الحرب العالمية الثانية، مستخدمين القطع الصخرية الكبرى التي اقتطعت من الموقع الأثري.
يقول الباحث الجامعي المختص في علم الآثار فيصل الستيتي لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب .أ): «لم تسلم مدينة أوذنة من التخريب والاستغلال الممنهج مثل أغلب المواقع الأثرية في البلاد والتي تعرضت لأعمال منظمة من النهب والسرقة في حقبة الاستعمار الفرنسي». وتابع الستيتي «لم تتم إزالة منزل المحامي دوكروكي من موقعه إلا منذ نحو أربع سنوات، ويجري الآن استئناف الحفريات وإعادة تهيئة الموقع».
على الجانب الآخر من المعبد، تجري أعمال حفر جديدة في موقع تعلوه صخور ضخمة للكشف عن حمامات رومانية مطمورة تحت الأرض ذات طابقين، بينما تبرز للعيان على مسافة قريبة من الحمامات بقايا حي راق تتوسطه شبكة لتوزيع المياه ومساحات أرضية تغطيها مطليات فسيفسائية. وقد كشف عالم الآثار الفرنسي بول جوكلار خلال حفريات أجراها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عن تسع منازل على الأقل بالحي الراقي، أشهرها المنزل المعروف باسم عائلة «لابيري» والذي يضم أبرز اللوحات الفسيفسائية المجسدة لآلهة الرومان والحياة الريفية في أوذنة.
وبرغم بقايا المدينة المتناثرة اليوم فإن جمال الموقع الطبيعي والريفي لأوذنة والممتد فوق سهول خضراء وبساتين على مرمى البصر إلى حدود جبلي «الرصاص» (حوالي 800 متر) و«بوقرنين» (حوالي 580 مترا)، ما يزال يحبس أنفاس الزائرين لا سيما في فصل الربيع الذي يشهد توافدا أكبر للسياح والباحثين. يقول المرشد السياحي المشرف على المعبد لـ(د. ب. أ) «حصل الكثير من التقطيع للحجارة والبناءات الأثرية، تسبب هذا في الحاق أضرار لا تزال واضحة اليوم للزائرين، وما يزال أمامنا المزيد من الشغل لتهيئة الموقع». وتابع المرشد «هناك الكثير من المشاكل يجب تسويتها حتى تتحول المدينة إلى قطب سياحي حقيقي».
وعلى الرغم من وجود المدينة على أطراف العاصمة على بعد 30 كيلومترا على الجهة الغربية إلا أنها لا تحظى بالشهرة ذاتها التي تتمتع بها مدينة قرطاج القريبة منها والمطلة على سواحل الضاحية الشمالية، مع ذلك فإنه بالنسبة للسياح والشغوفون بالمواقع الأثرية، هناك ما يستحق الاطلاع عليه في أوذنة. يمتاز الكابيتول مثلا بخاصية لا توجد في المعالم الأخرى الشبيهة، إذ علاوة على اعتباره المعبد الروماني الأكبر بشمال إفريقيا بعد معبد قرطاج، فهو يحتوي على ثلاثة طوابق سفلية، ووتضم واجهته الأمامية ستة أعمدة يبلغ ارتفاعها مع القاعدة والتاج حوالي 16 مترا، وهي من النمط الكورنتي، ولبلوغها يجب صعود مدرج يضم 41 درجة مقسومة إلى مدرجين واستراحة، ويظهر المعبد ببنايته المهيبة وأعمدته المرتفعة من فوق هضبة من على مسافة بعيدة كما يحتفظ المبنى بغرف وسراديب في حالات جيدة ومكتملة منذ بنائها في القرنين الثاني والثالث ميلادي، وهي أزهى فترات ازدهار المدينة.
يقول المؤرخون في كتاباتهم إن أوتينا القديمة كانت قرية تعود للسكان البربر قبل أن يسيطر عليها القرطاجيون، ومن ثم ألحقت بروما وحصلت على رتبة مستوطنة خلال فترة حكم الإمبراطور الروماني أغسطس، والذي أسكن فيها قدماء الجنود المحالين على التقاعد، ما جعلها إحدى أهم المدن بالمقاطعة الرومانية الإفريقية.
ويمكن أن يقف الزائرون على عراقة أوذنة عبر المسرح الدائري المدهش الذي يتصدر مدخل المدينة من الناحية الشمالية بطاقة استيعاب تقارب 17 ألف متفرج ويصنفه المؤرخون كرابع مسرح دائري بشمال إفريقيا بعد مسارح قرطاج والجم ولبدة، ويتكئ الهيكل الحامل للمدارج من الداخل على حزام المنطقة المحفورة وهي تضم غرف وأروقة ضيقة وعريضة ما زالت سليمة في معظمها، ويحتوي الجزء العلوي منه على 12 جناحا خاصا، أما واجهته فهي مبنية بالحجارة الضخمة.