الكمأة البيضاء .. منجم ذهب لإيطاليا

لا يمكن لكمأة حتى ولو رديئة أن تفلت من تحت أنفه لأن باولو ستاشيني هو واحد من أكبر «محكمين» الكمأة في إيطاليا. وعندما تكون الدرنات في موسمها، يتعين أن تجتاز سبعة آلاف منها اختباره في اليوم الواحد.
وستاشيني مسؤول عن مراقبة الجودة في سوق الكمأة في ألبا على مدار العشرين عاما المنصرمة، ومنطقة بيدمونت التي تحيط بالبلدة معروفة بأنها موطن واحد من أغلى الأطعمة في العالم وهي الكمأة البيضاء. والفطر الذي ينمو تحت الأرض أو الكمأة الإيطالية البيضاء كما هي معروفة رسميا، يتعين أن تمر باختبار صغير إضافة إلى الفحص بالنظر واللمس.
ويقول ستاشيني في عرض لزواره وهو يغضن أنفه «هذا العينة سيئة، نحن لا نبيعها»، ولا يحصل على ختم الجودة إلا الكمأة التي تجتاز الاختبار وهي تباع بأسعار كبيرة، ويقول «نحن محظوظون أن لدينا ظروف الطقس المناسبة والحياة النباتية المناسبة للكمأة البيضاء هنا».
وهي تمثل نعمة للمنطقة الواقعة في شمال غرب إيطاليا، لأن العمل في تجارة الكمأة يمثل منجم ذهب. وفي ألبا ومنطقة لانجي- رويرو المحيطة، تعد الكمأة هي أكبر مصدر للمال بعد شركة فيريرو لصناعة الشيكولاته. ويقول مورو كاربون رئيس مركز دراسة الكمأة الوطني ومكتب السياحة: «ألمانيا وسويسرا هي أسواقنا الرئيسية»،وأضاف: «كان هذا العام عظيما حقا، كان هناك الكثير من الكمأة، وأكثر من ذلك، كانت درنات جيدة».
والكمأة البيضاء تنمو بشكل أفضل في ظروف الرطوبة، ولكن ليست الرطوبة الشديدة. ولم يكن موسم عام 2017 جيدا، فبعد صيف جاف كان هناك خريف جاف وكانت الكمأة قليلة. وعندما تكون الكمأة قليلة، ترتفع الأسعار، وفي ذلك العام استطاع بعض التجار بيعها مقابل مبلغ ضخم وصل إلى 14 ألف يورو (15.900 دولار) للكيلوجرام.
ومن حسن حظ عشاق تناول الكمأة، أن الأسعار هبطت كثيرا في حصاد عام 2018. وفي منتصف نوفمبر كان سعر المائة جرام 250 يورو، ويتغير السعر من يوم إلى آخر ويعتمد على الجودة، وهو يتم تحديثه باستمرار في بورصة الكمأة. وجزء من المشاهد المعهودة كل عام هو المزاد الذي يقام لبيع كمأة عملاقة، وفي عام 2018، اشترى رجل أعمال من هونج كونج واحدة يبلغ وزنها 880 جراما مقابل 85 ألف يورو.
ويبدأ موسم الكمأة في نهاية ‏سبتمبر وينتهي في نهاية يناير، هذا عندما يرتدي كوستا الحذاء المطاطي ويذهب للبحث عن الكمأة مع كلبته «لولا» في الغابات، وهو واحد من أربعة آلاف شخص مرخص لهم بالبحث عن الكمأة في المنطقة. وهو يفضل الخروج ليلا، قائلا: بهذه الطريقة لا يمكن لمنافسيك أن يروك ويتنازعوا معك على أرض البحث عن الكمأة، وعدم وجود ضوء وضوضاء يعني أن الجو يكون أيضا أقل تشتيتا للكلب.
ولا يتحدث كوستا إلا بلغة منطقة بيدمونت إلى كلبته، وهو ينصح باستخدام كلب أبيض لكي يكون السهل رؤيته في الظلام، مما يعني أنه يمكن أن يستخدم مصباحه في أضيق الحدود. والبحث عن الكمأة يشبه الى حد ما إدمان المخدرات، ويقول: «بمجرد أن تبدأ لا يمكنك التوقف». وهو بدأ البحث عن الكمأة منذ طفولته مع والده، كذلك بدأ ابنه أيضا البحث عنها.
والكمأة البيضاء، خلافا لبنات عمومتها السوداء، تعد متقلبة، ولا يمكن زراعتها ولا تنمو إلا تحت أشجار معينة، ولا يمكن تخزينها جيدا وتفقد بسرعة رائحتها المميزة، وإذا ما تم تجميدها فإنها تفقد كل رائحتها، وكل هذا هو ما يجعلها باهظة الثمن إلى هذا الحد، ومثل منتجات الرفاهية الأخرى، تعد الندرة هي الكلمة السحرية.
ولكن ما يجعل الكمأة البيضاء مختلفة عن سيارة فيراري هو أن الندرة ليست مصطنعة، ويقول أليساندرو بونينو انه مالم تكن متوافرة فلا يمكن لمليونير حتى أن يشتري واحدة منها. ويدير بونينو متجر الكمأة التاريخي «تارتوفي مورا» في ألبا، وهذا هو المكان الذي تغسل فيه الكمأة وتوزن ويتم تعبئتها في صناديق خشبية وإرسالها للعالم في أسرع وقت ممكن.
وترسل الكمأة إلى سنغافورة وألمانيا وهونج كونج والولايات المتحدة- على الرغم من الأسعار المرتفعة للغاية، إلا أن الكمأة مطلوبة في كل أنحاء العالم. والكمأة البيضاء لا يمكن الاحتفاظ بها إلا لعدة أيام، ولذا يتعين الإسراع بإرسالها. كذلك يبيع بونينو زيت الكمأة، وعجينة الكمأة ومعكرونة الكمأة، ولكن هذه تصنع بمذاق اصطناعي وليس لها علاقة قوية بالكمأة الحقيقية.
وكان جياكومو مورا الذي أسس المتجر ويعرف في ألبا بانه «ملك الكمأة»، بائعا ماهرا، ولم يؤسس فقط المعرض الذي مازال يجذب مئات الآلاف من السياح، بل أيضا تبني فكرة ماهرة للتسويق وهي إرسال كمأة كبيرة لشخصية شهيرة مرة في العام، وكانت مارلين مونرو وونستون تشرشل وهاري ترومان وشخصيات عديدة أخرى من المتلقين المحظوظين لكمأة كبيرة، وحظي متجر الكمأة في ألبا بشهرة عالمية. (د ب أ)