العلامة الشيخ إبراهيم الكندي.. آثار عالم وذكريات إنسان

بقلم الدكتور- طالب بن منصور الريامي –

لقد مضى عام على وفاة فقيد الأمة الشيخ العلامة الدكتور إبراهيم بن أحمد الكندي، وإن أردنا أن نسترجع شيئًا من الذكريات معه فذلك ليس بالعسير، فنحن لم ولن ننساه حتى نذكره، ولكن العسير هو ماذا سنذكر وماذا سنترك؟ فهل سنذكر إبراهيم العالم أم إبراهيم النحوي أم إبراهيم الأديب والشاعر أم نذكر المربي أم المؤرخ أم نذكر الإنسان بكل ما تعنيه هذه الصفة؟ من المؤكد لن نفيه حقه في أي من هذه الصفات لأنها أكثر من أن تحصى، وأيضا من الصعوبة بمكان أن تحصر في مقال ومقام كهذا. ولذلك سأسعى لأختصر وأسطر القليل القليل مما تختزله الذاكرة عن الفقيد من خلال ذكريات صحبتي له على مدى ما يزيد على الـ٤٥ عاما مركزا على الجانب الشخصي من حياته، وهو جزء يسير منها، ولكن يبقى الأمل في الكتاب المنتظر الذي نتمنى أن يرى النور قريبا عن حياته بتوسع وتنوع لشتى ميادين حياته وآرائه وجهوده العلمية والأدبية، بجهود المخلصين من أبنائه وأحبائه.
أن ما أود أن أقوله هنا في هذه العجالة أن الفقيد إلى جانب تمكنه العلمي التخصصي في مجالات الفقه وأصوله والعقيدة والنحو والصرف والبلاغة وعلم البديع (وهو يدرج من ضمن علم البلاغة)، فهو ملمّ بالتاريخ العماني والعربي عموما والإسلامي على وجه الخصوص، وكعادته في السرد المميز أثناء إلقاء محاضراته وخطبه، فهو يسرد الوقائع التاريخية بطريقة سهلة رصينة تجذب السامع إليها، بل لا يُمل من سماعها مهما طال الوقت أو جلسة الحوار.
وأن قلنا خطيبا فهو مدرسة في الخطابة، ويتفوق على الطرق والأساليب المعتمدة والمعروفة في الخطبة والخطيب، إلى اللجوء إلى أساليب اختصها لنفسه في هذا المجال، على سبيل المثال نهجه لأسلوب أقرب إلى الحوار مع الحضور بدلا من السرد المستمر، ونزوله إلى مستوى القدرات الفكرية والعقلية والعلمية للحضور، مراعيا أن هناك من هو أمامه من محدودي التعليم ومنهم الأميون مراعيا الفروق الفردية في الفهم وهكذا، وكان يستخدم هذا النهج المميز في برامجه الإذاعية الذي استقطب به جميع فئات وشرائح المجتمع الذين باتوا ينتظرون موعد بث هذه البرامج في الإذاعة، من منطلق السهولة والبساطة في التقديم والاختصار مهما كان الموضوع معقدا.
وأعود لما يتعلق بالخطابة، فرغم صغر سني معه مرافقا له عند ذهابه لصلاة الجمعة أو العيدين وغيرها من المناسبات، فقد كان يستعين بي ويسألني لمعرفة ما إذا كان الحضور منصتا للخطبة أم منشغلا عنها من خلال تركيزهم وإنصاتهم له، ومع تقدمي في العمر أصبح يستشيرني عما إذا كانت الخطبة قصيرة أم جيدة هكذا أم تحتاج لتوسع؟ ليس لعلمي ولكن من منطلق أنني أحد الحضور فانقل له وجهة نظري، وهذه صفة أخرى بحد ذاتها، وهي استشارته لمن هم أصغر منه سنا وأقل منه علما في حياته الخاصة والعلمية ولا يجد حرجا في ذلك.
كان أيضا -رحمه الله- يعرف احتياجات الناس من العلوم والمعارف والعبادات ويتلمسها من أكثر من طريقة، أهمها ما يرد إليه من استفتاءات عبر الاتصالات الهاتفية التي لا تكاد تتوقف طوال اليوم حتى يغلق هاتفه عند وقت نومه، أو من خلال الحوار مع القارئ لديه أثناء قراءة أو تأليف كتاب، إلى جانب مستجدات الحياة ومتغيراتها التي صاحبها حدوث أعمال وأفعال تحتاج إلى مراجعة في التعامل معها دينيا. كان رحمه الله لبصيرته الثاقبة وغزارة علمه لا يعتمد إلى مراجع مذهبية معينة في فتاواه، بقدر ما كان يعامل كل مسألة وفق رؤيته متخذا من القرآن والسنة والقياس مراجع ومصادر يعتمد عليها.
من صفاته -رحمه الله- الشدة في الحق، وهذه من صفات أهل الحق والتقوى والاستقامة، فعندما أحلت له طلب الفتوى من قبل شخص لا يريد أن يزكي عن أراض يستثمرها في التجارة، بحيث يؤدي زكاتها بعد بيعها دون أن يزكي قيمتها السوقية كل حول، قال لي: قل للسائل إن كنت خرجت من بطن أمك ومعك هذه الثروة فافعل ما شئت، وإن كان قد رزقك الله إياها فعليك اتباع أوامره. وكان رده أيضا هكذا عندما سألته عن شخص لا يريد أن يزكي المال الذي يحتفظ به من أجل بناء منزل بحجة انه سينقص إذا زكى منه، وهكذا.
كان -رحمه الله- محبا للشعر المتزن الجاد المؤثر المستقاة منه العبر أو العلوم أو الطرائف والحكم غير المبتذل، لدرجة انه كثيرا ما كان يقتبس من الشعر دلالات وأمثلة أثناء محاضراته وخطبه، وكان يقرض الشعر دون نشر ذلك إلا في مواقف معينة وفي مجالس محددة. وكان رحمه الله محبا للفكاهة، يأنس إليه كل من يجالسه، فكان يلجأ إلى سرد القصص الفكاهية المتواترة عن العصرين الأموي والعباسي، وأحيانا قصص حدثت في عمان، ومنها ما يسعى إلى ارتجاله حسب الموقف. كان رحمه الله محبا للحياة دون الإخلال بمتطلبات الآخرة، من منطلق اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كانك تموت غدا، وحبه للحياة وملذاتها الحلال يأتي بالرغم من شظف العيش ومعاناة فقده لبصره مع الحاجة التي تربى عليها في طفولته وشبابه، فلم ينشأ ناقما للحياة كارها لها، وإنما تماشى مع قساوتها واستطاع إخضاعها والسيطرة عليها، فقد كان يضطر للقيام بأعمال بسيطة في طفولته ليكسب منها رزقه، مثل تجارة قطع الصابون التي كانت نادرة في تلك الأزمان، إلى جانب تركيب وصفّ السلاسل الفضية للصاغة مقابل مبلغ بسيط من المال دون أن يسأل سائلا يطلب منه العون المادي، إلى أن افتتح مكتبة لبيع الأدوات القرطاسية بالشراكة مع أحد أصحابه -هذا بالتأكيد إلى جانب مضيه في التعلم وطلب العلم ليل نهار- إلى أن تركها بعد أن واتته الفرصة والحصول على بعثة دراسية على نفقة الحكومة للتعليم خارج البلاد لمواصلة مراحل دراسته المختلفة حتى الانتهاء من الحصول على درجة الدكتوراة، وكان أحد الذين يعدون على الأصابع آنذاك ممن حصل على هذا المستوى العلمي الرفيع.
كل هذا الإنجاز أساسه علو الهمة وقوة العزيمة، وقد كان عندما يعزم على عمل ما يبدأ على الفور في اتخاذ الإجراءات اللازمة له دون تردد أو تأخير، ولم تكن إعاقته المتمثلة في فقده لبصره عائقا عن أي عمل يرغب القيام به مهما كان صعبا حتى على المبصرين، وكان غالبا يعتمد على نفسه لإنجاز معاملاته لدى مختلف الجهات، وما أكثر ما سافر بدون رفيق، وما أكثر ما تنقل من موقع لآخر دون أن يكون معه من يدله على الطريق.
كان محبا للسفر للاستجمام بخلاف السفر للعمل الرسمي، وعندما سئل لماذا تسافر وأنت لا ترى شيئا؟ أجاب: إن كنت لا أرى مناظر الطبيعة فأنا استمتع بالمناخ المختلف، وبتذوق مأكولات وفواكه وثمار تلك الدول، واستمتع بروائح زهور الحدائق والتواصل مع الآخرين، وكسر رتابة الحياة للبعد عن الروتين اليومي، إلى جانب التسوق من مالا يتوفر في الوطن.
كان محبا للتعامل مع التقنية الحديثة بما يخدم مصالحه وأعماله، فكان من أوائل الذين اقتنوا المسجل الكاسيت حتى يسجل من خلاله ويستمع لدروسه ومنهجه الدراسي سواء أكان طالبا أم معلما، وكان كذلك مسارعا لاقتناء الهاتف النقال وقبله الهاتف الأرضي، إلى أن بادر بالاستفادة من الحاسب الآلي في توثيق وتأليف مؤلفاته ومراجعه العلمية.
لم يكن -رحمه الله- متعصبا لأي مذهب ديني على حساب مذهب آخر، وإنما ينفر من هذا الأمر، وكان يأخذ من كل مذهب بما يراه الأصوب والأقرب إلى الحق ومتسقا مع القرآن والسنة، وهو بذلك اكتسب علاقات متفردة مع الكثير من مختلف الدول العربية والإسلامية وصلت لمستويات الحكام والمفتيين والعلماء، وأذكر منهم على سبيل المثال لا للحصر رئيس جمهورية المالديف وحاكم الشارقة وملك المغرب ومفتي مصر وعلماء المملكة السعودية وعدد من أسرة آل صباح الكويتية وغيرهم.
كان في حياته الخاصة منظما جدا ودقيقا، فهو يصحو مبكرا قبل الفجر ليمارس رياضته المحببة وهي السباحة، هذا إذا كان في فصل الصيف، أما في الشتاء فيؤخر رياضته هذه إلى ما بعد الفجر أو بعد طلوع الشمس ويستبدلها بالمشي، فهو محب للمشي كثيرا، ويستغل كل فرصة تسنح له للمشي، وهذه عادة قديمة يمارسها منذ صغره وفي حله وترحاله حسبما اخبرني بذلك، واستمر على هذه العادة حتى في أيامه الأخيرة من مرضه حتى وهو في المستشفى، وبالمقابل كان حريصا على النوم المبكر بحيث لا يتجاوز العاشرة مساء، كما كان منظما في غذائه لتكون وجباته في أوقاتها المحددة. كان حريصا على الذهاب إلى مزرعته يوميا، فهو يجد فيها الراحة والسكينة بعد أن ينتهي من الوقت المخصص للقراءة والتأليف في الصباح الباكر، وكثيرا ما كان يتنقل بكل همة ونشاط بين مزرعته في نزوى ومنزله في الجبل الأخضر وأحد منازله الأخرى في نزوى إذا لم يكن لديه عمل في مسقط، وفي هذا الأثناء كان يرد على كل المتصلين طالبي الفتوى منه دون ملل أو تذمر.
ولهذا كانت إنجازاته في هذه الحياة أكثر من أن تحصى، شملت طلب العلم في مجالاته المتعددة والتعليم والتأليف وفعل الخير على مستوى الجماعة والأفراد، ولم ينس نصيبه من الدنيا، فاستثمر في أنشطة ومشاريع متعددة كانت نافعة له ولأسرته ومعينا له لأعمال البر والخير التي كانت هاجسه الأول على الدوام.
رحم الله فقيدنا الغالي وأسكنه فسيح جناته.