وتر: ما يشبه موتي وميلادي

شريفة بنت علي التوبية –

كما تبحث عن نفسك، وكما تبحث عن شغفك في هذه الحياة، ابحث عن النصف الحقيقي لك، ابحث عن ذلك الذي يبحث عنك بحثه عن قطعة البزل الأخيرة في مربع اللوحة الناقصة، والتي لا تكتمل سوى بك أنت وليس بأي شخص آخر غيرك، ابحث عنه رغم تشابه الوجوه وضجيج الزحام، ورغم كل ما لديك من الأصدقاء ونعيم الحياة، ورغم اعتقادك أن الدنيا قد أنصفتك بكل المحيطين والمحبين لك، لأن من تبحث عنه لا يشبه كل من صادفتهم أو عرفتهم، فاتبع حدسك لتلتقي بمن خُلق لك دون سواه وخُلقت له دون سواك، ستجده بانتظارك كبقعة ضوء في نهاية نفق مظلم، وستسير إليه كحلم تصدّقه وتؤمن به، ستراه رغم أن لا وجه له ولا ملامح لكنك تعرفه تمام المعرفة، وتعرف بيقين تام أنه ليس حكاية عابرة ولا شعور زائف مؤقت، إنه نور يتسلل الى قلبك، يضيء جوانب روحك، تراه وكأنك ترى نفسك الى درجة قد تتساءل أهذا من تراه، هو أم أنت؟
إنه مرآتك التي لا تعكس وجهك ولكنها تعكس روحك، فترى صورة ما أنت فيه جمالاً منسكباً عليك، وهالة من السحر تحيط بك، تغشاك السكينة كعابد أو ناسك بلحظة صلاة، يتلبّسك شعور مختلف لم تجربه من قبل ولن تجربه مرة أخرى، إنها تجربة وحيدة تشبه الموت أو الميلاد، حالة لا تقبل الشك ولا تُدخلك متاهات الوهم، حالة تأخذك إلى البياض الذي تسير منه نحو النور.
فابحث عن ذلك الإنسان الحقيقي الذي وجد فيك اكتمالاً لحياة ناقصة بدونك، فيقبلك بكل عيوبك وقبحك وبكل التشوه الذي شوهته الدنيا لك، وبكل سخافتك وجنونك وطيشك ونزقك وكآبتك وحزنك، ويستمع لحكاياتك السخيفة جداً والتي ربما لا يطيق أحد سماعها، يبارك ما يظنه البعض حماقة فيك، لا يحسب عليك أخطاءك ولا يسيء لك ولا يخذلك ولا يدنيك ولا يبعدك ولا يجرّب معك لعبة الحزن أو الفرح ولا يجعلك متأرجحاً بين غياب وحضور، ابحث عن تلك الروح الدافئة الحنونة التي تبحث عنك بمقدار بحثك عنها، وتؤمن بوجودك بمقدار إيمانك بوجودها، لترمم كل الخراب الذي أحدثته الحياة في روحك، ابحث عنها واحذر من محاولة ملء فراغك بحكاية عابرة لمجرد إثبات وجود وهمي يسيء لك، ويهدم ما تبقى من رغبة الحياة لديك، ابحث عن من يهديك جناحه ليحلّق معك في فضاء لا ضيق فيه ولا انكسار ولا سقوط.