نوافذ :المحطة الواحدة.. الضرورة والضرر

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يكثر الحديث اليوم أكثر من أي وقت مضى عن سوء الإدارة البيروقراطية في إنجاز المعاملات في عدد من المؤسسات، إلى درجة شيوع مقولة: «هل تعرف أحدا؟» وهذه الصورة؛ إن كانت، كما يروى؛ فإنها تشير الى ظاهرة خطيرة في مفهوم الإدارة الحديثة، هذه الإدارة التي تتعزز بروافد كثيرة: معرفية، وسلوكية «مدربة» وتشريعية « وفق ضوابط وقوانين وأنظمة» وأمانة، ومواطنة، واجتماعية، وتعاونية، واحترافية، وبالتالي فهي متحققة في ذاتها في الأداء، ومحققة لآمال وطموحات جميع الذين لهم مصالح عند هذه المؤسسة أو تلك، ومن هنا ينظر إلى هذه الصورة بالكثير من الإيجاب، وبالكثير من التفاؤل، وفق متحققها السالف الذكر، وبالتالي فإن شابها خلل في أي متحقق من ذلك، فإن المنظومة بأكملها تفرض تساؤلات جوهرية عن سبب أي إخفاق تعيشه بعد ذلك.
وبالتالي عندما يصدمك من تتناول معه جوانب الحديث المختلفة عن بطء سير المعاملة في جهة ما بالسؤال:«هل تعرف أحدا؟» عليك أن تستنكر عليه سؤاله، لأنك تحتضن صورة ذهنية إيجابية عن سير المعاملات وفق ما هو متوقع وفق المتحققات السابقة الذكر، ولكن هذا الاستنكار يتلاشى مع أي موقف تكون فيه في مؤسسة ما، وتجد نفسك وحيدا، لا تعرف أين تذهب مع أنك في (المحطة الواحدة) التي تخصصها المؤسسات لإنجاز المعاملات، والتي تحولت اليوم من محطة تقليدية – مكاتب وموظفين – إلى محطة تقدم خدماتها عبر الفضاء الإلكتروني، حيث تعفيك من مشقة الذهاب إلى أية مؤسسة تحتاج إليها لإنجاز معاملة ما، وتعفيك؛ كما تعتقد؛ من ذات السؤال: «هل تعرف أحدا؟» ومن خلال ما يتداول تقترب المحطتان من نفس الأداء، وخاصة في مسألة الفترات الزمنية الطويلة، وإن كانت المحطة التقليدية تتيح لك المراجعة والسؤال تلو السؤال عن معاملتك، فإن المحطة الإلكترونية لا تتيح لك ذلك الا بالعودة الى ذات السؤال: «هل تعرف أحدا؟» وإذا كنا سنعود إلى نفس السؤال في كل مرة في المحطتين فإن هناك إشكالية ليست إدارية فقط، وإنما تذهب إلى كل المعززات التي سبق ذكرها في صدر المقال.
والصورة برمتها؛ حتى نكون منصفين؛ ليست مطلقة، وإنما نسبية، ولكن نمو نسبيتها ضعيف، ويحتاج إلى كثير من الدعم، وهذا الدعم يستلزم العود؛ من جديد؛ في كل مرة إلى تفعيل هذه الجوانب المعززة للإدارة، مرة ومرتين وثلاث؛ دون توقف؛ لأن النفس البشرية مجبولة على النسيان، ومجبولة على التغاضي عن الواجبات، ومجبولة على التعدي على الحقوق، ومجبولة على عدم الاكتراث بالنظم؛ في حالات الضعف؛ ومجبولة على الانحياز إلى القريب، والصديق، وعلى ما يحقق المصالح الخاصة، وهذه كلها ليست مقصورة على فئة دون أخرى، حيث يتفاوت التجاوب بين فرد وآخر تجاه هذه الجوانب بناء على قوة الإيمان بالمسؤولية في الأمر الموكول إلى هذا الفرد أو ذاك.
نعم؛ ننصدم عندما نتفاجأ بطرح السؤال: «هل تعرف أحدا؟» لأن الظن غالبا ما يذهب الى أننا لسنا بحاجة إلى أن نعرف أحدا، لأن النظام المعمول به – وفق الأنظمة والقوانين المنصوص عليها في العلاقة بين المؤسسة ومجموع المتعاملين – عادل في التعاطي سواء مع الجميع، وهذا يكفي لرفع الحرج عن الطرفين، ولكن لأن الناس بدأت تتأصل قناعتها على ضرورة أن «تعرف أحدا» فإن نمطية العلاقة بين الطرفين: (المؤسسة/‏‏‏‏ المراجع) تتأسس اليوم شيئا فشيئا على ذلك، وحتى إن استطاعت بعض المؤسسات من تجاوز هذه الـ «محنة» الإدارية من خلال عمليات الضبط الحاكمة لدى موظفيها، فإن جل المراجعين وهم يهمون بالذهاب إلى بعض هذه المؤسسات، فإن الصورة الذهنية العالقة تظل تحمل نفس السؤال: «هل تعرف أحدا؟».