بين تحقيقات موللر والتلويح بفرض الطوارئ

عوض بن سعيد باقوير –

صحفي ومحلل سياسي –

منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية والجدل السياسي يتواصل في واشنطن بين المؤسسة التنفيذية وهي هنا البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية بغرفتيها مجلس الشيوخ ومجلس النواب خاصة هذا الأخير الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي بعد الانتخابات النصفية للكونجرس، حيث وصل هذا الجدل إلى حد تلويح الرئيس ترامب بفرض حالة الطوارئ بهدف إيجاد التمويل لبناء الجدار الفاصل مع المكسيك.

ومع تواصل التلاسن غير المسبوق بين ترامب وأعضاء بارزين من الحزب الديمقراطي خاصة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب وزعيمة الأغلبية الديمقراطية يواصل المحقق الخاص روبرت موللر تحقيقاته حول شبهة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 وهي تحقيقات سوف تتواصل لعدة شهور.
وفي ظل هذا المشهد السياسي والذي حدث تاريخيا لفترات محدودة فإن ثمة توقعات بمواجهة غير مسبوقة في ظل القبض على عدد من مسؤولي حملة ترامب الرئاسية ومحاميه الخاص مايكل كوهين والذي اعترف بالتهم الموجهة إليه وتم الحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات علاوة على إدانة مدير حملة ترامب بول مانفورت، كما تم اعتقال المستشار السابق للرئيس الأمريكي روجر ستون بعد إدانته بسبع تهم وجهها له مكتب المحقق الخاص روبرت موللر، كما وجهت الشرطة الأمريكية الى كوربي لوينداوسكي مدير حملة ترامب تهمة الاعتداء على الصحفية الأمريكية ميشيل فيلدز.

صراع غير مسبوق

منذ تحقيقات صحيفة واشنطن بوست والتي أدت الى الإطاحة بالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بسبب فضيحة واترجيت الشهيرة والضجة الأخرى حول التهمة الموجهة إلى الرئيس الأسبق بيل كلينتون والمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي والتي كادت ان تؤدي بمستقبل الرئيس كلينتون، فإن الصراع الحالي بين الأجنحة السياسية في واشنطن وتواصل التحقيقات تضع الرئيس ترامب في وضع معقد وصعب وهو يدخل في مواجهات متعددة خاصة مع مجلس النواب ومع المحقق موللر ومع الصحافة الأمريكية.
ويجد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه محاطا بضغوط غير مسبوقة في ظل اقتراب هدنة استمرار العمل في المؤسسات الفيدرالية حيث يهدد ترامب بفرض حالة الطوارئ في البلاد حتى يتمكن من تأمين التمويل الخاص ببناء الجدار مع حدود المكسيك لوقف الهجرة غير الشرعية.
وتأتي حجة مجلس النواب وعدد من الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ معارضا لبناء الجدار لأسباب إنسانية ومالية، حيث انه يكلف الخزينة الأمريكية اكثر من 5 مليارات دولار.
وعلى ضوء ذلك الصراع السياسي وتمسك الأطراف بمواقفها هدد الرئيس ترامب بفرض حالة الطوارئ وهو الأمر الذي سوف يدخل الولايات المتحدة في مشكلة دستورية وتشريعية كبيرة على ضوء تقديرات المراقبين للمشهد الأمريكي، وقبل سنتين من انتهاء فترة ترامب الرئاسية عام 2020 فإن هناك شكوكا كبيرة حول قدرته على استعادة الزخم الانتخابي الذي مكنه من الفوز في انتخابات 2016 في واحدة من اكبر المفاجآت الانتخابية، حيث أشارت مراكز قياس الرأي الى ان المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون سوف تفوز بتلك الانتخابات وهو الأمر الذي أدى الى وجود التحقيقات حول احتمالية التدخل الروسي في مسار تلك الانتخابات.

التحقيقات الى أين؟

من الخطوات التي ضايقت الرئيس ترامب هو تمديد التحقيقات التي يجريها روبرت موللر الى ستة اشهر إضافية حيث اكد مسؤول من المحكمة الفيدرالية ان رئيس القضاة بيريل هاويل اصدر قرار التمديد وسط تكهنات بأن موللر يقترب من الانتهاء من تحقيقه واسع النطاق فيما يعتقد بأن هيئة المحلفين الكبرى تدرس عددا من الاتهامات بحق أعضاء فريق حملة ترامب الانتخابية عام 2016 كما صدرت عن تحقيقات موللر اتهامات بحق 33 شخصا بينهم ثلاثة من كبار معاوني ترامب السابقين بالذنب وإدانة واحدة، وعلى ضوء تكشف تلك الاتهامات والأسئلة التي وجهت من مكتب موللر للرئيس ترامب شخصيا والضجة الإعلامية حول تلك التحقيقات فإن ثمة ضرر سياسي كبير قد أُلحق بالرئيس ترامب وهذا سوف يكون له آثار سلبية كبيرة حتى لو نجح ترامب في تخطي تلك التحقيقات، فقد يعاقب بشكل مباشر في انتخابات الفترة الثانية عام 2020 والتي سوف يترشح لها على ضوء عدد من تلميحاته، فالسباق الانتخابي الرئاسي القادم عام 2020 سوف يكون سلبيا على إعادة ترامب الى البيت الأبيض على ضوء جملة من المشكلات الداخلية والخارجية والجدل المتواصل مع كبرى الصحف الأمريكية والقنوات الإخبارية، خاصة سي ان ان.
ويعد الرئيس ترامب من اكثر الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة الذي دخل في خصومات مباشرة مع الصحافة الأمريكية المكتوبة والمرئية ولاتزال الحملات تتواصل على البيت الأبيض عند حدوث أي أزمة داخلية، كما يحدث الآن مع المؤسسة التشريعية كما ان زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل حذر الرئيس ترامب من الإصرار على بناء الجدار على حدود المكسيك منوها بأن تكاليف تشييد ذلك الجدار قد تتراوح بين 12 و15 مليار دولار، كما أن عددا من الجمهوريين في الكونجرس انتقدوا ترامب بعد ان تم إغلاق عدد من المؤسسات الفيدرالية ومعاناة الموظفين الحكوميين.
التحقيقات سوف تتواصل وقد تكون هناك مفاجآت تظهر في نتائج التحقيقات تجبر مجلس النواب على وجه التحديد بالتعجيل بإجراءات عزل ترامب وهو احتمال قائم وربما تشعر المؤسسة التشريعية بما فيها الحزب الجمهوري بأن البلاد تسير نحو المجهول من خلال قرارات وسلوك ترامب السياسي وبالتالي قد تلتقي سياسيا مع الحزب الديمقراطي في ضرورة البحث عن مخرج يجنب الولايات المتحدة المزيد من الصراعات، كما أن الحزب الجمهوري يراهن على مستقبل الحزب ولايريد ان يخسر الانتخابات الرئاسية القادمة إذا شعر ان حظوظ ترامب تبدو ضعيفة بسبب تلك الأضرار السياسية التي نتجت عن التحقيقات وعن الصراع مع المؤسسة التشريعية وحتى وسائل الإعلام المختلفة.
ومن هنا فإن الوضع بشكل عام في واشنطن يبدو معقدا في ظل إصرار البيت الأبيض علي بناء الجدار والتلويح بفرض الطوارئ من قبل ترامب وهو الأمر الذي قد يحدث في ظل تشدد مجلس النواب بقيادة بيلوسي والتي وجه لها الرئيس ترامب عبارات لاذعة.

من يحسم الأمر؟

السؤال الأهم هو من يمتلك القرار النهائي في ظل النظام الأمريكي الذي يقوم على فصل السلطات وأيضا على موضوع التوافق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وماهو دور السلطة القضائية خاصة المحكمة الدستورية في ظل مشهد قلما يتكرر في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، وفي ظل تمسك الأطراف بمواقفها فان إعلان حالة الطوارئ من قبل الرئيس يبقى حقا دستوريا ومع ذلك فإن تلك الخطوة قد تؤدي الى تعميق الخلاف وإغلاق المؤسسات الفيدرالية مرة اخرى ويحدث الشلل في الحكومة الأمريكية كما حدث مؤخرا.
ان مبدأ تنازع السلطات هو أمر شائع في تاريخ الولايات المتحدة ومع ذلك فإن التوافق بين المواقف يحسم الأمور في معظم الخلافات ومع وجود الرئيس الجدلي ترامب فإن تحولا دراماتيكيا في واشنطن قد يحدث وهذا قد يحمل معه صراعا من نوع آخر ونعني به الصراع الدستوري ودور المحكمة العليا.
ان من مصلحة البيت الأبيض ان يصل إلى توافق مع الكونجرس في ظل الاحتدام الحالي فالكونجرس قد يعطل مشاريع القوانين الفيدرالية وقد تحدث مواجهات برلمانية في ظل وجود مشكلات الشرق الأوسط الأخيرة والأزمة الخليجية وقضية الطاقة والانسحابات المتكررة للولايات المتحدة من الاتفاقيات والتي من أهمها حاليا تعليق الاتفاقية الخاصة بمعاهدة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى مع روسيا الاتحادية، وهو الأمر الذي سوف يفتح المجال لسباق تسلح جديد بين البلدين وربما عودة الحرب الباردة.
الذي يحدث في الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا له تأثير على العالم وهناك تحديات حاليا بين واشنطن وأوروبا حول الأمن الاستراتيجي وتلويح أوروبي بإنشاء جيش أوروبي، كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون وهناك الخلاف مع روسيا وأخيرا التهديد الأمريكي باستخدام الخيار العسكري في فنزويلا ضد الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو وهو الأمر الذي يهدد بإشعال حرب أهلية محتملة بين الفرقاء في كراكاس، وعلى ضوء تلك المحددات السياسية فإن اتجاهات التطورات في واشنطن والمواجهات بين البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية وتواصل تحقيقات روبرت موللر قد تغير ذلك المشهد وتعطي المواجهة أبعادا سياسية معقدة تدخل الولايات المتحدة في قضايا دستورية وقانونية وقد يجد الرئيس ترامب نفسه في وضع أصعب بكثير مما هو عليه الآن.