تغيير ثقافة العمل استنادا لتطورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

يسرا الشرقاوي –

بخلاف الحديث الذي لا ينتهي أبدا حول تحديات الاقتصاد ومتطلباته، شهدت النسخة الأخيرة من المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي عقد في المنتجع السويسري الأشهر «دافوس» خلال الفترة بين 22 و25 يناير الماضي، الكشف عن عدد من التوجهات الرئيسية التي يتوقع أن تكون لها تأثيرات متضافرة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للعالم، وذلك خلال فترة وجيزة.

أوائل التوجهات التي لا يمكن الجدل بأن لــ «دافوس» الفضل الأساسي في استحداثها أو إطلاقها، خاصة وأنها كانت قد بدأت تفرض نفسها على الواقع الإنساني قبل حين في أكثر من دولة، هي الدعوة لتغيير ثقافة العمل استنادا إلى التطورات التي يشهدها قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فيلاحظ الاهتمام الذي شهدته دورة «دافوس» الأخيرة بخصوص دعوة عالم النفس الأمريكي أدام جرانت والمؤرخ وعالم الاقتصاد الهولندي روتجر بريجمان حول ضرورة تخفيض عدد ساعات العمل وتقليص أسبوع العمل إجمالا إلى أربعة أيام فقط لا أكثر.
وتقوم دعوة جرانت وبريجمان على عاملين أساسيين. أولهما، استدعاء المنطق الذي كان وراء تقليص أسبوع العمل دوليا في أعقاب الثورة الصناعية واضطلاع «الآلة» بدور مساعد للإنسان في إنجاز مهام العمل والانتاج.
ففي بدايات القرن العشرين، تم تطبيق نموذج أسبوع العمل ذي الخمسة أيام لتحقيق قدر أكبر من الرفاة للفرد بالاستفادة من نتائج الثورة الصناعية. وبالقياس، فإن الدعوة الجديدة تستند إلى الفرصة التي يوفرها الواقع الإنساني المعاصر في ضوء التطور السريع في الثورة التكنولوجية وتزايد دور «الذكاء الاصطناعي» في إتمام عمليات التنمية والإنتاج. فالهولندي بريجمان، أطلق عليه الإعلام الغربي لقب «نجم دافوس الشعبي»، بسبب صدامه خلال جلسات المنتدى مع النخبة الثرية ومطالبتهم بالتوقف عن التجاهل المتعمد للأداة الأهم في حل أزمة «عدم التوازن في توزيع الثروة» وهي « تسديدهم الضرائب»، لكن لبريجمان فضل آخر وسابق، بكونه أحد أعلى الأصوات التي بدأت الدعوة الى نموذج إنتاج وتنمية جديد يقوم على اعتماد ساعات عمل أقل.
ففي كتابه ذائع الصيت «يوتوبيا من أجل الواقعيين»، يوصي بريجمان باعتماد نمط « الــ 15 ساعة عمل أسبوعيا»، كإحدى الأدوات الفعالة لتحقيق هدف الدخل الأساسي العالمي أو UBI. وأوضح بريجمان خلال كلمته بـ«دافوس» أن الفكرة ليست وليدة اليوم وإنما ترجع إلى توجه قديم سيطر على قطاع علماء الاقتصاد والفلسفة والاجتماع حتى عقد السبعينات، وقوامه أن شعوب العالم تتجه إلى العمل أقل فأقل، وذلك كتطور محتوم. وحل بريجمان الالتباس الخاطئ لدى الأغلبية بالاعتقاد أن ساعات عمل أقل تعني إنجازا أقل. فضرب مثلا بالتجربة الرائدة لرجل أعمال الأمريكي الأشهر هنري فورد في بداية القرن العشرين، عندما قلص عدد ساعات العمل لفريقه من 60 إلى 40 ساعة أسبوعيا، ليتأكد بعدها من ارتفاع معدلات الإنتاج ومعايير الكفاءة إجمالا بسبب ذيوع مشاعر «الراحة» وتقليص معدلات القلق والضغط العصبي بين عمال أمبراطوريته الصناعية.
وما يعتقد فيه جرانت وبريجمان ليس بدعة. فقد سبقهما إليه عدد كبير من الدراسات والاستطلاعات التي أصدرتها عدة مؤسسات أكاديمية مرموقة مثل جامعة أكسفورد وجامعة وارويك البريطانيتين، وغيرهما في السنوات الأخيرة. وتتفق هذه الدراسات على خلاصة أساسية، وهي أن اعتماد نمط « أربعة أيام عمل أسبوعيا» تطور آن أوانه وأنه سيساعد على تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية، وبالتالي تقليص أوضح لمعدلات الضغط والتوتر، ورفع أكيد لمعدلات الإنتاجية والكفاءة والإبداع. والمسألة لم تقف عند حدود الدعوة أو الدراسة، ففي سلسلة من التقارير التي نشرتها صحيفة الـ «جارديان» البريطانية في نهايات عام 2018 الماضي، تم رصد تجارب فعلية لنمط «الأيام الأربعة» في كل من المملكة المتحدة ونيوزيلاندا، مع بيان التأثير الإيجابي سواء في معدلات الإنتاج للشركات التي تبنت الدعوة أو في مؤشرات السعادة والاستقرار النفسي بالنسبة للعاملين الذين كانوا أصحاب حظ.
مسألة المسعى لتحقيق السعادة والاستقرار النفسي ترتبط بثاني التوجهات الاجتماعية التي تناولتها دورة «دافوس» الأخيرة والتي يتوقع أن يكون لها تأثير واضح على سياسات واقتصاديات العالم خلال السنوات المقبلة. ويقصد بذلك تدخل الدولة، وليس فقط المجتمع المدني أو القطاعات الصحية، للتعامل مع أزمة «نقص السعادة» أو شيوع حالات عدم الاستقرار النفسي ومشاكل الصحة الذهنية على مستوى العالم.
خلال «دافوس»، دعا الأمير وليم، الثاني في ترتيب ولاية العهد البريطاني، إلى ضرورة مكافحة «التابو» المرتبط بالمرض الذهني والمتاعب النفسية ووقف التعامل معها على أنها محرمات أو حالات فردية. وبخلاف انفتاحه في الحديث عن الصدمة التي أصابته أثناء فترة عمله في قطاع الإسعاف الطائر، وتعامله معها في حينها، فضح الأمير البريطاني الواقع السلبي للتعامل مع المرض الذهني. فكشف أن مع إطلاق حملته بالمشاركة مع قرينته دوقة كامبريدج كيت مديلتون وشقيقه الأمير هاري في 2016 للتعامل مع الضغوط النفسية والأمراض الذهنية، واجه رفضا متكررا من جانب المشاهير والشخصيات العامة للمشاركة في الحملة. وكرر وليم في « دافوس» دعوته السابقة بضرورة الانفتاح في التعبير عن الصراعات والأزمات النفسية وعلاجها بإيجابية في حالة ما تحولت إلى مرض فعلي.
ما عرضه الأمير، تؤكده دراسة صدرت عن المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه، وحذرت من أن التهديدات الثلاثة الكبار التي تنتظر الإنسان خلال العام الجديد، يتقدمها « الوحدة» التي بلغت مستوى «وبائيا» حول العالم بسبب تغير أنماط المعيشة وزيادة معدلات « التمدن» والاعتماد المتنامي على مواقع التواصل الاجتماعي، بما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في معدلات الوحدة سواء في المجتمعات الغربية ( نسبة الأشخاص الذين يعيشون في وحدة تامة يبلغ 50% في باريس مثلا) أو المجتمعات الآسيوية التي تعاني تحولا في الأهداف المعيشية بعيدا عن الزواج وتكوين الأسر ( المجتمع الياباني يعاني من ارتفاع معدلات الوحدة والأزمات النفسية خاصة في أوساط كبار السن). وأوضحت الدراسة أن هذه الظاهرة عمقت أزمات التواصل بين الأفراد وزادت من معدلات الاكتئاب والأمراض الذهنية.
وقد بدأت الحكومات في التدخل بغرض التعامل الفعال مع أزمات «السعادة» وشيوع المتاعب النفسية، في محاولة لزيادة الوعي من جانب والتعامل بحسم مع الأزمة التي بات لها تأثير فعلي وسلبي على الاقتصاديات حول العالم. استحدثت بريطانيا مؤخرا وزارة خاصة لشؤون الوحدة والصحة النفسية، فيما بدأت حملة بجعل 2019 « عام الإنجاز» لمكافحة الوحدة والمعدلات المرتفعة للانتحار والتي بلغت معدلات غير مسبوقة وفقا لتقديرات نهايات 2018، وذلك في أوساط الشباب والمراهقين تحديدا. والأزمة ليست بريطانية بشكل حصري، ولكنها دولية بامتياز. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، فان الانتحار بات «ظاهرة دولية» لا تقتصر على دولة دون أخرى، أو إقليم دون آخر. وأن الانتحار يعد السبب الثاني للوفاة بالنسبة للفئات العمرية التي تتراوح بين ١٥ و٢٩ عاما وذلك على مستوى العالم.
ثالث التوجهات الاجتماعية التي كشف عنها «دافوس» كان للأسف ملتبسا بالنسبة لمكانة المرأة وتأثير دورها الاقتصادي والاجتماعي، فرغم أن هذه الدورة شهدت معدل مشاركة نسائية غير مسبوق بحوالي ٢٢٪، إلا أن الوارد من مؤشرات حول وضعية المرأة وتأثيرها مازال محل تضارب. فمن جانب كشفت مشاركة رئيس وزراء اليابان تشينزو آبي عن صعود اليابان كإحدى ركائز تفعيل الدور الاقتصادي والإبداعي للمرأة. فأوضح خلال كلمته أنه منذ توليه السلطة عام ٢٠١٢، تم توظيف حوالي مليوني امرأة، وأن نسبة المشاركة النسائية بالنسبة لقوة العمل إجمالا في اليابان باتت تقدر بحوالي ٦٧٪ في أعلى معدل تشهده اليابان في تاريخها وفي تفوق على كثير من المجتمعات الغربية. وكانت اليابان بهذه النسب قد تفوقت على الولايات المتحدة التي طالما شكلت الدولة الرائدة في هذا المجال، ولكن نسبة مشاركة المرأة الأمريكية ضمن قوة العمل لم تتجاوز الـ ٥٧٪ وفقا لأحدث التقديرات. إضاءة اليابان تعني تعدد في منصات دعم الدور الاقتصادي والإبداعي للمرأة في أماكن العمل.
ولكن «دافوس» كشف أيضا عن الحيل التي تتبعها بعض القطاعات حول العالم لإقصاء المرأة وتقليص دورها في أماكن العمل. وترجع هذه الظاهرة في شكلها الحديث إلى تنامي تأثير حركة «Me Too» الهادفة لتشجيع ودعم كشف المرأة عن الانتهاكات الجنسية ووقائع التحرش التي تمارس ضدها في مواقع العمل تحديدا. فوفقا لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فان المتخصصين بالاقتصاد وإدارة الأعمال كشفوا خلال مناقشات «دافوس» عن توجه واضح لإقصاء النساء من الاجتماعات والمناسبات المختلفة المتعلقة بالعمل، كإجراء «وقائي» لتجنب شبهة اتهامات «Me Too» من الأساس، وكأن الدرس المستخلص من الحركة الاجتماعية الواسعة ليس نبذ السلوك الاستقوائي والمنتهك للمرأة، وإنما تقليص دورها وصلاحيتها في أماكن العمل.