دافوس.. المخاطر الثلاثة والتحديات الثلاثة

د.صلاح أبو نار –

انتهت الدورة التاسعة والأربعون لمنتدى دافوس بعد اجتماعات تواصلت على مدى أربعة أيام، حضر جلساتها التي وصلت الى 350 جلسة ثلاثة آلاف من شتى أرجاء العالم.

وبعد هذا المشهد السنوي الحافل كان من السهل أن نرصد داخل الرصد الإعلامي للمنتدى حقيقتين. هناك قدر مما يستحق أن يقال بشأن وضع النظام الاقتصادي العالمي، قد قيل في ردهات المؤتمر وقيل بتعبيرات مقنعة. ولكن رغم هذا تنتصب حقيقة أخرى نقيضة، عبر عنها ما كتبه المحلل السياسي البارز آناند جيريهاراداس: « بعد عقود من تمجيد العولمة، أضحت دافوس الآن تشعر بالخوف من أن اللامساواة والسياسات القومية والحمائية، يمكن ان تدفع بالعالم الى أزمة أخرى»، ويضيف: « كان الحوار داخل المنتدى يبتعد عن التغيير الاجتماعي الحقيقي، في قضايا مثل العدالة الاجتماعية والضريبة على الأثرياء. وبدلا من ذلك استخدمت تلك النخب المجتمعة رطانة تغيير العالم من أجل منع هذا التغيير».
ولكن هذا التناقض لا ينبغي أن يثير دهشتنا. ذلك إننا بقدر بسيط من التأمل سنجده الوليد الطبيعي لخصوصية تكوين المنتدى، موضوعة في إطار التيار التاريخي العام الذي ولد في سياقه. ولد المنتدى في 1971، تحت اسم «منتدى الإدارة الأوروبية» وفي 1987 اكتسب اسمه الرسمي الراهن: « المنتدى الاقتصادي العالمي». وعندما نرصد السياق التاريخي لميلاده سنجده سياقا تجاه الدول الرأسمالية الكبرى، نحو تكوين أطر جماعية للتنسيق بينها على المستوى الدولي والإقليمي، خلال السنوات الحاسمة التي شهدت مقدمات ووقائع انهيار المنظومة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة.
وهكذا يمكننا وضعها في السياق الذي انبثقت منه: مجموعة الدول الخمس الكبار في 1973، التي تحولت الى مجموعة الدول الصناعية السبع الكبار في 1976، ومنظمة التجارة العالمية 1994، ومجموعة العشرين الكبار في 1999، بالتوازي مع منظمات أخرى إقليمية ونوعية عديدة. ولكن منتدى دافوس يتميز بعدة سمات. فهو أقرب ما يكون الى منتدى للحوار الفكري والسياسي، وليس الى منظمة دول عالمية مفوضة برسم سياسات واتخاذ قرارات رسمية. وهو متنوع العضوية حيث يحضره رؤساء دول وقادة سياسيون ورجال أعمال كبار وقادة فكر وإعلاميون وفنانون. وأعماله في المساحة المعلنة منها وليس الجانبية، وفيما لا يقل عن نصفها مفتوحة. وهو يسعى لصنع توافقات فكرية استراتيجية بين عناصره الأساسية الثلاث: قادة الدول ورجال الأعمال والتكنوقراط.
ومن واقع كل العناصر السابقة يصاحبه قدر هائل من السيولة الثقافية، وتكثر في اجتماعاته الطبيعة الاحتفالية، ويتسم بتراتبية واضحة في الاجتماعات والحضور. وفي تكوين من هذا النمط سنسمع آراء كثيرة ومتنوعة، وستظهر لنا مسافات بين ما يقال وبين الواقع الفعلي، وسيكون من السهل على الذين صنعوا المشاكل أن يرتدوا أثواب المصلحين. ولكن نفس التكوين سيمنحنا فرصة ممتازة لرصد الوعي المبكر بالمشاكل داخل تلك القيادات، وتياراتها النقدية ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات. خلال المنتدى وفي حدود المنشور، حدد الحاضرون أن النظام العالمي يواجه ثلاثة مخاطر أساسية.
كان الخطر الأول هو خطر النزاع الأمريكي – الصيني.
يرى الحاضرون أن الحرب التجارية ليست سوى الوجه الظاهر والمحتدم لصراع أعم وأشمل بين الدولتين. واتفق الجميع على ان هذه الحرب حملت وستحمل اضرارا على الاقتصادين الأمريكي والصيني، واضرارا لا تقل حدة على الاقتصاد العالمي. خلال عام 2018 تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في أمريكا بنسبة 18%، وسوف يتصاعد الانخفاض فكما يشير قياس دولي لآراء 1400 من الرؤساء التنفيذيين خارج أمريكا، كان 46 % منهم يرون أن أمريكا هي المكان الأفضل للاستثمار في مطلع عام 2018، وفي مطلع هذا العام انخفض الرقم الى 29%. وواجه القطاع الزراعي الأمريكي أضرارا أضخم مما كان متوقعا، وتراجعت أرباح بعض كبرى الشركات الأمريكية متعددة القوميات مثل شركة آبل. ونفس الأمر أشار الحاضرون الى وجوده في الصين، أي تراجع في الاستثمارات الأجنبية وأرباح الشركات وأحجام بعضها عن التوسع الخارجي. ولكن الاضرار لا تقتصر على الدولتين. أشار الحاضرون الى خطر تآكل الإجماع الراهن على النظام الاقتصادي الدولي تحت تأثير الحرب، وذكروا أرقاما عديدة تخص احتمالات تراجع معدل النمو العالمي، وكيف أعادت الحرب تشكيل سلاسل العرض العالمي، وأوردوا ان معدل الاستثمار العالمي في الخارج انخفض عام 2018 بنسبة 19%، وأشاروا للأضرار التي أصابت اقتصاديات بلدان كثيرة من كندا الى سنغافورة وكوريا.
وكان الخطر الثاني الذي حظي بالاهتمام هو الخطر الاقتصادي. وهنا أشارت المناقشات أولا الى تباطؤ معدل النمو العالمي. في تقرير كريستين لاجارد أمام المنتدى أشارت الى ان معدل النمو العالمي استمر عبر العامين الماضيين في الارتفاع، ولكنه ارتفع على عكس المتوقع بنسبة منخفضة، وسيستمر ذلك في العام الجديد. وأشاروا ثانيا الى خطر تباطؤ معدل النمو الصيني. هذا التباطؤ ثابت ومطرد، ويرجع لطبيعة تحولات استراتيجية النمو الصيني. في عام 2010 كان 10,6%، انخفص عام 2018 الى 6,5%، وسيواصل الانخفاص الى5,8% عام 2022. وأشاروا هنا الى امرين؛ محدودية خيارات المواجهة الصينية لهذا الانخفاض، وتأثيره السلبي على النمو العالمي واقتصادات بلدان كثيرة. واشاروا ثالثا الى خطر الارتفاع المتواصل في اسعار الفائدة على المدى الطويل. ونوهوا بوجود عدة عوامل خلف هذا الارتفاع. مثل تأثير الثورة الصناعية الرابعة، والتداعيات الاقتصادية للصعود العالمي للشعبوية، بما يرافقه من انقلاب على السياسات الاقتصادية الموالية للعولمة، والشكوك التي ستنتاب المقرضين بشأن الحدود الآمنة لاقراض الدول وانعكاساتها على سعر الفائدة.
وكان الخطر الثالث هو صعود الشعبوية. أشارت المناقشات الى عدة عوامل وقفت خلف الصعود. بطء الخروج من أزمة 2018 وتباين معدلاته من مكان لآخر، والاحباط العام تجاه اداء المؤسسات السياسية الليبرالية، والهجرة الخارجية. ولكن في المقابل لم ير الحاضرون في الشعبوية رغم صعودها قوة متجذرة جماهيريا.
اجرى المنتدى قياسا للرأي العام شمل 10000 شخص على امتداد 29 دولة، وكان هدفه قياس مدى عمق النزعات المفضية للشعبوية. ايد 72% التعاون الدولي في مواجهة مؤيدي العزلة الوطنية، واظهر 57% ان لهم رأيا ايجابيا في تأثير الهجرة الخارجية على مجتمعاتهم، وقال 80% ان الدول يجب ان تكون متعاونة وليست متنافسة.
وبالتوازي مع المخاطر الثلاثة حددت المناقشات ثلاثة تحديات. التحدي الأول هو العولمة. تمثل العولمة لدى الحاضرين خيارا مصيريا، يستمد مصيريته من حقائق التطور التكنولوجي والاقتصادي. ولكن حالات التهميش واللامساواة التي حملتها العولمة معها، تدفع صوب شيء من المراجعات والتحفطات. هنا نجد أمامنا فكرتين ظهرتا في وثائق المنتدى. تقول الاولى بضرورة التفرقة بين عملية العولمة وايديولوجيا العولمة. عملية العولمة عملية جبرية، تتحدد وفقا لمقتضيات التطور التكنولوجي وتداعياته الاقتصادية. بينما الاديولوجيا خيار سياسي يضع العولمة في كل الحالات فوق المصلحة القومية، والمطلوب الآن صياغة جديدة قادرة على الجمع بين رفض الحمائية والالتزام بحرية الأسواق وحماية المصلحة الوطنية عبر سياسات الدولة. وتقول الثانية بضرورة الوصول الى صياغة جديدة للعلاقة بين القطاعين العام والخاص، وفقا للفكرة يجب دعم القطاع الخاص والاسواق الحرة، ولكن هذا الأمر نفسه من المؤكد انه يحمل معه أضرارا بالمصلحة الوطنية وتهميشا لقطاعات واسعة، الأمر الذي يفرض ضرورة وجود دور للدولة لتنظيم الأسواق والحماية الاجتماعية. ولكن دور الدولة أضحى مطلوبا لسبب آخر، فالثورة التكنولوجية الرابعة باتت تفرض سياسات ومؤسسات ومعايير جديدة، في حاجة الى جهد الدولة لبلورتها وأرسائها.
والتحدي الثاني هو تحدي التغيرات المناخية والبيئية. لا جديد في النقاشات هنا سوى أمر واحد، هو التشديد على الدور الذي يمكن ان تلعبه الثورة الصناعية الرابعة في مواجهة التغيرات المناخية، والتنبيه الى ان هذا يحتاج الى قدر كبير من التعاون والابتكار الذي يشمل قطاعات اجتماعية واسعة خارج نطاق القطاع العام.
والتحدي الثالث والأخير هو تحدي الثورة الصناعية الرابعة. أفاضت المناقشات في الآفاق المذهلة التي تحملها الثورة معها للتطور الإنساني، عبر الإشارة الى مجالات تطبيقاتها في المدن الذكية والنقل والطاقة والذكاء الصناعي والانتاج الصناعي، والتسويق والطباعة الثلاثية والخدمات الرقمية، والجيل الجديد من علوم الحياة وتطبيقاته في مجال اعادة تنظيم الانظمة البيولوجية، والروبوتات الانتاجية والخدمية، وشبكات الاتصال السريعة والشاملة، والأدوية وتتجير الفضاء، والإدارة العامة الرقمية. ولم يكن هذا هو الجديد، ولكن الجديد في الأمر هو الاهتمام بالتداعيات السلبيىة لها على العمل البشري. هناك صناعات كاملة كثيفة العمالة سوف تنقرض، وتظهر مكانها أخرى قليله العمالة. والمواصفات القديمة للعمل الإنساني الكفء سوف تتغير جذريا، لصالح نوع جديد يتطلب مهارات جديدة تماما. ويحمل هذا معه مخاطر التهميش والقلقلة الاجتماعية وولادة اشكال جديدة من عدم المساواة على المستويين القومي والعالمي. ويشكل هذا تحديا تتطلب مواجهته مفاهيم وسياسات جديدة للتعليم والتدريب والمهارات الإنسانية، تجعل من مفاهيم الابتكار والقدرة على حل المشاكل بؤرتها الأساسية، ولن يقدر لها العمل إلا في إطار تغيير شامل لمؤسساتنا الاجتماعية الراهنة. ولكن المتحاورين يظلون بعيدا عن السؤال الجوهري، ولو قمنا بكل هذا المطلوب في المجال التعليمي، هل ستتمكن الثورة الجديدة من استيعاب فائض قوة العمل؟ أم ان كل ذلك محاولة للهروب من موجة كاسحة قادمة من التهميش الاجتماعي؟