دافوس والطريق إلى عولمة مغايرة

إميل أمين –
كاتب مصري –

منذ العام 1971 وحتى الأيام القليلة الماضية التي انعقد فيها مؤتمر دافوس جرى العرف أن تكون جلسات وحوارات ذلك المنتدى الاقتصادي العالمي، بمثابة محدد أو معيار لتوجهات العالم، حيث تناقش عادة أبرز القضايا الكونية، من قبل زعماء العالم، وكبار رجال الأعمال والشخصيات العامة كرؤساء الوزارات والسفراء، إضافة إلى كبار المسؤولين من المنظمات الدولية المختلفة وغيرهم.

عقدت الدورة الأخيرة في منتجع دافوس الشتوي في المنطقة الشرقية من جبال الألب في سويسرا، تحت عنوان «العولمة 4»، التي تستهدف مواجهة تفاوت الدخول بين الأغنياء والفقراء، بالتوازي مع نمو عولمة التجارة والإنتاج.
على أن السؤال الذي طرح نفسه على أبواب ذلك اللقاء، هل كان الحديث عن العولمة ذاتها التي تحدث عنها عالم الاجتماع الكندي الأشهر «مارشال ماكلوهان»، في ستينات القرن الماضي، والتي بلغت تجلياتها الكبرى في الألفية الثانية، أم أن هناك تغيرات وتطورات طرأت على تلك العولمة، وقادت العالم وستقوده إلى مشهد مغاير؟
الشاهد أنه وبحسب استطلاع للرأي نشرت نتائجه قبيل انطلاق المنتدى فإن هناك عدة قضايا باتت ترسم ملامح ومعالم لعولمة مغايرة عن تلك التي كان يجري الحديث عنها قبل نحو عقدين من الزمن، وتتمثل تلك القضايا في تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، والتوترات السياسية، والحروب التجارية، والمسار الغامض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والسياسات الشعبوية، وفي المقدمة من هذه كلها أزمة التفكيك التي طالت الاندماجات وأثبتت أن فكرة العولمة كطرح مجرد أمر تشوبه إخفاقات عديدة… ما معنى ذلك؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدا واضحاً أن هناك رغبة عارمة في وقف مسارات الحروب، وبناء تكتلات دولية قادرة على مواجهة ومجابهة المحن والأزمات، ومن هنا على سبيل المثال ظهرت فكرة الاتحاد الأوروبي، والتي اعتبرت أفضل فكرة اندماج بين نظم سياسية مختلفة، وصولا لبلورة كيان سياسي اقتصادي اجتماعي انساني كبير، في واجهة التكتل الآخر غرب الأطلسي أي الولايات المتحدة الأمريكية، وشرقاً مثل شنغهاي، وتالياً جماعة البريكس.
لكن شيئا ما خطأ في الطرح أثبت لنا أن العولمة الاندماجية قد لا تكون هي الحلم اليوتيوبي أو الطهراني المطلوب تحقيقه، ومن هنا بدأت دعوات التفكيك تطفو على السطح مرة جديدة، والبداية من بريطانيا، وقد تنسحب على بقية دول أوروبا الكبرى، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مستقبل ومآلات تلك العولمة غير واضحة المعالم، ولماذا أضحى البعض متخوفاً منها، ويتطلع إلى الانسحاب من أطرها.
تطرح قضية التفكيك التي تعتري العولمة أسئلة جوهرية حول البعد الاجتماعي والإرث الحضاري للأمم والشعوب، فهل كانت الانسحابات خوفاً وقلقاً من شعوب بعينها على معينها الحضاري، والخوف عليه من الذوبان في أطر كلية واهية المعالم والملامح؟
الثابت أن ملمح أكثر خطورة رأيناه يتصاعد في العقد الأخير، ويواكب العولمة المغايرة التي نحن بشأنها، وهو ذاك الخاص بصعود القوميات، ونشوء وارتقاء الأصوليات اليمينية القاتلة، تلك التي ما برحت تضرب أوروبا تحديداً، فهل كان للمرء أن يصدق مولد النازية في ألمانيا مرة جديدة، أو صعود تيارات قد تضحى فاشية في إيطاليا خلال عقد على الأكثر.
المشهد هنا يحمل إرهاصات ردة غير متوقعة على الاندماجات شبه الحضارية، ويعود بنا إلى مربع التناحر العرقي والأثني، سيما في ظل أزمات اقتصادية، وتوقعات متشائمة من صندوق النقد الدولي، بشأن النمو العالمي، والحروب التجارية حول العالم لا سيما بين أكبر قطبين ماليين آمنين موسكو وواشنطن.
في تقرير مطول لها تساءلت وكالة الأنباء الفرنسية الشهيرة (AFP) بالقول: «هل حول منتدى دافوس العالم إلى مكان أفضل؟»
السؤال في حد ذاته يحمل اتهاماً وطعناً قاسيين في فعاليات المنتدى والذي يعتبر مجالاً واسعاً لتحقيق مصالح الكبار، وتقسيم الكعكة الدولية، ومن دون اهتمام حقيقي خلاق بالفقراء والضعفاء حول العالم، كما أن الشكوك تزايدت حول ما إذا كانت المنظمة تحقق هدفها المعلن وهو: «تحسين حال العالم»، في ظل تصاعد الاستياء حيال أجندة دافوس الداعمة لقطاع الأعمال، وميل الناخبين للتصويت لقادة شعبويين، ومن بين الانتقادات الدائمة أن اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي، بما في ذلك الاجتماع السنوي الأخير، خلقت بكل بساطة فضاء آمناً لعالم الأعمال لكي يضغط على الحكومات دون رقابة.
العولمة المغايرة التي نتحدث عنها أثبتت الأيام أنها قادمة دون أدنى شك، سيما وأن المرحلة الغابرة من إرهاصات العولمة أكدت على وجود خلل في عملية التحول المجتمعي العالمي، ذاك الذي يخدم الأغنياء ويختصم من حقوق الفقراء، الأمر الذي دعا كلا من «كريستينا غارستانن وآدريين سوربوم في كتابهما» السلطة الخفية: «كيف يشكل المنتدى الاقتصادي العالمي أجندات السوق»، انه على وقع ما يعد قصوراً في مؤسسات الحكومة العالمية، وتعثر صناعة السياسات الدولية، يقدم المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه على أنه يوفر بديلاً، لكن هل هو البديل الحقيقي أم أن حركة التاريخ والأحداث على الأرض هي التي تقدم ذلك البديل؟
يمكن النظر إلى أبعاد العولمة الجديدة في ضوء تغيرات وتطورات ربما لم تكن حاضرة بقوة حين تحدث ماكلوهان عن «القرية الكونية»، فعلى سبيل المثال لم يكن التحدي الايكولوجي، البيئي، قد ظهر على السطح منذ خمسة عقود، لكنه اليوم بات يشهد تصاعداً مثيراً في أهميته، وفي درجة تأثيره على الأحداث مرة، وإلى ما شاء الله.
تغيرات المناخ تولد ضغطاً متزايداً لعولمة تفكيكية عند البعض، رغم مناداة البعض الآخر بالمزيد من الاصطفاف حتى يمكن عبور الأزمة.
خذ إليك على سبيل المثال المصالح الاقتصادية لجماعات الضغط الخاصة بالطاقة القديمة تاريخياً أي الكربون، وكيف أن استخدام تلك المادة يزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري، تلك التي تزيد من ظاهرة التصحر حول العالم، وتتسبب في ارتفاع أمواج البحار والمحيطات، وكذا ذوبان الأقطاب الجليدية، وإنتاج ظاهرة النحر، أي تجاوز البحر للبر.
هذه النتائج سوف تولد ولا شك هجرات غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية من الأماكن التي أصابتها التغيرات المناخية إلى الأخرى التي نجت من التغيير البيئي القاتل.
وهنا ترفض جماعات الكربون الأمريكية على سبيل المثال الدعوات التي تطلقها الجماعات الخاصة بالبيئة لوقف استخدامه في المصانع الكبرى الأمريكية، والسبب معروف، الرغبة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب المالية، ولتذهب «أمنا الأرض»، ما شاء لها أن تذهب وبمن عليها.
بعد آخر سيؤدي ولا شك لمعالم وملامح عولمة جديدة هو ذاك المتصل بحالة العدالة الاجتماعية، وبنوع خاص في ظل المخاوف التي تنتاب العالم من أزمة اقتصادية كبرى العام الجاري والسؤال كيف لمثل هذه الأزمة أن تؤثر على أحوال ومآلات العالم، لا سيما بالنسبة للشعوب الفقيرة والمطحونة، وما هي ردات الفعل المتوقعة، ذلك أنه لن تبقى الموازين الاجتماعية كما نعرفها الآن، بل ستنشأ بالقطع تجاذبات وهجرات سوف تؤثر على المعدلات الديموغرافية لأمم وشعوب مستقرة منذ أزمنة على أراضيها، ما يهدد بخلق توترات ونشوء حروب غير مسبوقة إقليمياً وعالمياً.
لا تزال القوى الكبرى تمثل قاسماً أعظم مشترك في مستقبل العالم لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أثبتت لقاءات دافوس الأخيرة أن فكرة تأثر العالم جغرافياً ببعضه البعض، حقيقة لا خيال، وعلى نحو لم يكن يخطر على قلب أو عقل قادة العالم في منتصف القرن الماضي.
هنا ينظر المرء لعدم مشاركة الوفد الحكومي الأمريكي ربما للمرة الأولى منذ العام 1971 في أعمال المنتدى هذا العام، أما السبب فهو إشكالية الاغلاق الحكومي، بسبب خلاف الجمهوريين والديمقراطيين على مسألة تمويل الجدار الفاصل بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا يتضح جلياً، كيف أن التطورات الداخلية في أكبر دولة اقتصادياً حول العالم، تؤثر على سير الأحداث الدولية.
أما معالم العولمة الجديدة والمخيفة اقتصادياً، تتمثل في تأثر العالم برمته، وفي ست قارات الأرض بما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي حال تعرض الاقتصاد الأمريكي لركود جديد في 2019.
يتحدث مؤسس أكبر صندوق تحوط على مستوى العالم «بريد جووتدر سوشيتش» الملياردير «راي داليو»، على هامش منتدى دافوس بالقول: «إنه يرى مخاطر شديدة باحتمالية تعرض الاقتصاد الأمريكي للركود عام 2020، ويضيف أن الركود الاقتصادي الأمريكي يقلقه بشكل كبير، ويعرب عن مخاوفه إزاء المشكلات الاجتماعية والقلاقل السياسية، ومعروف أن «داليو» قد أسس الصندوق المشار إليه عام 1975، ويدير حالياً أصولاً بنحو 160 مليار دولار لصالح 350 عميلاً حول العالم، من بينهم صناديق تقاعد شركات وصناديق عامة.
العولمة الجديدة التي نحن بصددها، تستدعي نشوء وارتقاء منظمات عالمية جديدة، أو على الأقل إحداث اصلاح جار في تلك القائمة أممياً، ذلك لأن الزمن تجاوز مهماتها التي خلقت من اجلها بعد الحرب العالمية الثانية وفي المقدمة منها الأمم المتحدة، والصندوق والبنك الدوليان، وكذا النظام المالي العالمي المعروف باسم «بريتون وودز».
ولعل المستشارة الألمانية «انجيلا ميركل»، هي من أشار إلى تلك الاشكالية في كلمتها الأخيرة في دافوس، حيث أكدت على حتمية إصلاح المنظمات الدولية الكبرى، في ظل تغير موازين القوى في العالم، ومشيرة إلى أن النظام الدولي العالمي يتعرض لضغوط، في ظل تأثيرات دول مثل الصين والهند على الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من أن هذه الاصلاحات صعبة في وجهة نظرها، إلا أنها تبقى ضرورية، وأنه حال استمر فعل نظام قائم بالبطء الشديد على التغييرات، فإن هذا الأمر يؤدي إلى تكوين مؤسسات موازية، وساقت مثالاُ على ذلك ببنك الاستثمار الآسيوي الذي يعد قوة مقابلة للبنك الدولي.
حديث ميركل يفهم منه من لهم دلالة على المتغيرات العولمية الجديدة إشارات لا تخطئها العين، منها على سبيل المثال توسيع عضوية مجلس الأمن ليشمل ألمانيا القطب الاقتصادي الأوروبي والعالمي الكبير والجديد، ويفهم منها أيضاً أن زمن الكولونيالية المالية إن جاز التعبير من قبل واشنطن المتحكمة في صندوق النقد والبنك الدوليين، قد ولي، وأن مراكز حضارية ومالية جديدة تنمو وتظهر حول العالم وبقوة، وأن التغيير من ملامح الحياة الإنسانية.
أحد الأصوات الإنسانية التي تحدثت في دافوس وبعمق مؤثر كان الأمين العام للامم المتحدة «جوبيتريش»، والذي أشار إلى أنه لا نجاح لدافوس إلا بالتواصل مع من فقدوا وظائفهم، بمعنى أن عولمة بدون مسارب كريمة للحياة للعنصر البشري، هي عولمة فاشلة وأن التسونامي لابد له من أن يكتسحها في الطريق.
الخلاصة… عولمة عادلة جديدة أو الطوفان.