مقاييس التنمية.. محددات للنمو والاستدامة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تأتي قوة الخطط والبرامج، وفاعلية توظيفها على أرض الواقع بتكلفتها المادية الحقيقية، أحد المقاييس المهمة لنجاح التنمية، وهذا الجانب يتطلب الكثير من المعرفة في الضبط والإحكام، ومن الحرفنة في التوظيف، ومن الصدق في الأداء

تشغلنا كثيرا مصطلحات: التنمية، والتنمية المستدامة، واستراتيجيات التنمية، وخطط التنمية، وبرامج التنمية، ومسارات التنمية، وأهداف التنمية، ومشروعات التنمية، وتنمية الذات، وتنمية العقول، وتنمية الحقول، حيث أصبحت هذه المفردات، أو الكلمات، أو المصطلحات حديث الناس بصورة يومية، ويندر أن لا تثار في أي مجلس، أو أي تجمع، ذلك لأن التنمية تتوغل في كل مفاصل حياتنا اليومية، وهذه المصطلحات أو المفردات، وإن بدت أنها حديثة في قاموس اللغة اليوم، إلا أن ممارستها موجودة منذ بدء الخليقة، وإلا لما وصلت معززات الحياة اليوم الى هذا المستوى من الترقي، والتطور، والنمو، على الرغم مما يعترضها الكثير من الإشكالات الفنية، والمعرفية، وسوء الإيمان بها، وسوء تقدير مجموعة الظروف المساعدة على نموها، ولضرورات المقاربة الموضوعية لمختلف الأزمان التي مرت، وتمر بها مفاهيم التنمية، ومفرداتها المختلفة، إلا أنها تبقى وتستمر على مجموعة من المعززات، والعوامل، والدوافع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبقى وتستمر، وتنمو وتزدهر إلا من خلال تحقق مجموعة هذه العوامل، والمعززات، مع الإيمان بأن لكل ظرف له استحقاقاته لخدمة التنمية، ونموها وازدهارها، فهي ترتقي برقي علوم عصرها، وتؤتي ثمارها بقوة هذه العلوم، وبجهد المخلصين لها، مع عدم الإنكار من وجود أعداء للتنمية في كل عصر، وأن التنمية تعيش مأزق طرفين متنافسين؛ أحدهما: يسعى الى تنميتها وعصرنتها، والعمل على تعزيز مقوماتها، خدمة للصالح العام، لإيمانه بالمسؤولية الجسيمة التي يحملها لأجل استحقاقات الوطن ومن فيه، وأما الآخر: فهو يكتفي بالتنمية بقدر ما يحقق مصالحه الخاصة، ويروي غروره الذاتي المحض «البغيض» ولا يمكن بأي حال من الأحوال خلو حالة التنمية من كلا هذين الفاعلين المتناقضين، بالإضافة الى ما تواجهه التنمية من مشكلات فنية، وظروف طبيعية وأحداث كونية، تعرقل في لحظتها النمو والازدهار، وتبقي التنمية حالة راكدة، تقتات على ما تبقى لها من نقاط إضاءاتها باهتة.
والمناقشة هنا تأتي استقراء لبعض معززات التنمية، وهي ليست ملزمة، فهناك الكثير من الآراء التي قد ترى غير ذلك، ولأن المسألة نسبية يبقى الاجتهاد مفتوحا «ومن اجتهد فأصاب له أجران» حسب النص المتداول، فالتنمية بوصف ما؛ مجموعة من الأسس، والمحددات، والمقاييس، لا تتحقق إلا بها، وبوصف آخر؛ حالة مشاعة قابلة للتأويل، وللتدويل، وللتنظير، وللخضوع لمفهوم المكسب والخسارة، فإنه مع ذلك تظل للتنمية استحقاقاتها التي لا تتزعزع في أي وسط بيئي سليم تكون فيه، فهناك بيئات جالبة للتنمية ومعززة لنموها، وهناك بيئات طاردة للتنمية لسوء الإدارات التي تتولى زمام أمرها، كما هو معلوم بالضرورة.
تأتي قوة الخطط والبرامج، وفاعلية توظيفها على أرض الواقع بتكلفتها المادية الحقيقية، أحد المقاييس المهمة لنجاح التنمية، وهذا الجانب يتطلب الكثير من المعرفة في الضبط والإحكام، ومن الحرفنة في التوظيف، ومن الصدق في الأداء، ومن الإخلاص في المتابعة، ولذلك عندما يحدثا خلل ما، في أحد جوانب هذه الأسس التي يمكن القياس عليها للنجاح أو التذبذب، يقينا تكون النتائج هي الأخرى غير المتوقعة والمأمولة، ومخيبة للآمال، وتعيد الرؤية من جديد الى مربعها الأول، ويظل التكرار يعاود نفسه مع كل خطة توضع، وتكرار هذه الحالة ينبئ عن سيئات كثيرة، وليس عن سوء واحد، حيث تحتاج المسألة الى علاجات، قطعا لحالة الشك التي ستستمر، حيث تتبادل مختلف الأطراف؛ من خلالها؛ مجموعات من التهم، وتثار الكثير من الأسئلة، لأن القاعدة المنطقية تقول: أن (1 1=2) وبالتالي إن كانت النتيجة غير ذلك، فإن في الأمر شائكة ما.
هذه العلاجات؛ ووفق منظرين كثر؛ لن يحكم تأثيرها وأثرها على الواقع إلا قوة التشريع، فهو الوحيد الذي لن يهادن، فنصوصه القطعية لا ترتهن على خيارات توافقية، لإرضاء أطراف على حساب أطراف أخرى، فالتنمية أصلا لا تقبل هذه الصور التوافقية التي تحدث في مختلف التجارب التنموية، فالقانون مشروع متسلط على كل من يريد أن يتطاول على استحقاقات الوطن، لتكون له منبعا للثراء من غير حق؛ على سبيل المثال؛ والقانون هو الموكول إليه إحكام وضبط مسارات التنمية لتؤتي أكلها من خلال التوظيف الصحيح لمجموعة الخطط والبرامج التي تنفذ على أرض الواقع، ولذلك عندما يتراخى التشريع عن هذا الدور، فإنه وبصورة تلقائية تصاب معظم معززات التنمية بالعطب، ويتلبسها الترنح، لذا يصبح من الواجب أن يكون التشريع «سيفا مسلطا» ليس بتجريدية الكلمة، ولكن بفاعلية التطبيق ونزاهته، وعدالة الأحكام، وهذا مما يضاعف الدور كثيرا على المجالس التشريعية التي تعيش هي الأخرى مختلف التحديات التي يفرضها الواقع، الذي يعيش حركة دؤوبة لا تتوقف، وهذا بحد ذاته يستلزم من المشرعين أن يكونوا على المحك لكل ما يتطلبه الواقع من تحديث التشريعات بصورة مستمرة، ومتواكبة مع التطلعات والآمال التي يرسمها المواطنون من فعاليات التنمية المختلفة، ففاعلية المجالس التشريعية وحيويتها في التعامل مع متطلبات الواقع، ومدى التوافق القائم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، يعد ذلك من معززات التنمية الأصيلة، وعليها يقاس مدى قدرة التنمية على النمو والتطور، كلما حظيت بهذا التوافق المفضي الى مزيد من التطور المحكوم بالأنظمة والقوانين المتواكبة مع تطورات الواقع.
وإن كان للقانون من داعم ومساند لتحقيق غايته الكبرى لحماية التنمية، فإنه من باب أولى أن تأتي أجهزة الرقابة في شقيها الإداري والمالي، سواء على مستوى المؤسسة، أو على مستوى الحكومة ككل، فهي القوة الفاعلة لحماية التشريع من التوظيف السيئ، مع العمل على تحييد كل التطلعات البشرية الخاصة من الولوج الى خيرات التنمية وإفرازاتها التنموية المختلفة، خاصة وأن التنمية تتيح الفرص الكثيرة للعاملين فيها لأن يتحينوا فرص مخاتلة التشريع، أو التحايل على أجهزة الرقابة، وهذه من التحديات الكبيرة التي تواجهها الرقابة للحفاظ على مسارات التنمية بالصورة التي يرسمها لها القائمون عليها.
وبذات القدر ينظر الى المشاركة المجتمعية، وقدرتها على تعظيم العائد التنموي، ومن هنا أكثر يتبين مستوى التفاعل والحضور الذي تظهره مؤسسات المجتمع المدني وتعضيدها لمختلف الجهود التي تقوم بها الجهات المعنية لتنفيذ خطط وبرامج التنمية، ولذلك تقيّم تفاعلات المجتمع مع الجهود التي تقوم بها الجهات المعنية على أنها مقياس مهم للنجاح والتطور، وتعظيم نتائج مختلف برامج التنمية، لأن الصورة المجتمعية تندرج أكثر تحت مفهوم الـ «تطوع» وهو المفهوم الذي يذهب الى تجاوز مفهوم الـ «مقابل» لمختلف الأدوار التطوعية، وغير التطوعية في حالة أداء الأعمال الجانبية المتعلقة بالوظيفية الأساسية التي يجب أن تخلو أيضا من مفهوم الـ «مكافأة» الخاصة وغير المعلنة.
أختم هنا؛ بذكر نقطتين؛ أراهما على قدر كبير من الأهمية؛ في مسالة مقاييس نجاح التنمية، حيث تتمثل الأولى في وجود حاضنة «مساواتية» بين جميع المؤسسات في الدولة، من خلال القضاء على الهبات والمزايا والاستثناءات والتي تتميز بها مؤسسات دون أخرى، بما في ذلك سواسية مزايا صناديق التقاعد، لأن التنمية ليست مادية فقط؛ قائمة على المال، والقوة البشرية؛ ولا معنوية فقط؛ قائمة على المكافآت والهبات، ولأنها قائمة على كل ذلك، عندها تستلزم أن لا يكون هناك امتيازات تتحصل عليها فئة من الموظفين دون أخرى، وكلا الفئتين مشاركتان في تفعيل مسارات التنمية.
أما النقطة الثانية؛ فهي الذاهبة الى إلغاء كافة النصوص؛ في التشريع؛ التي تجيز «الاستثناءات» لرؤساء الوحدات في أي أمر يخص أداء المؤسسة، وما تتضمنه من موارد بشرية ومادية، وذلك حتى لا تتاح الفرصة للنفوس الضعيفة لأن تجير نصوص القانون لمصالح خاصة، لأن في ذلك ضربة «قاصمة» لناتج التنمية، ومتى وجد في تشريع المؤسسة أيا من هذه النصوص، قيس ذلك على ضعف الأداء، ونشوء تحزبات، وإقصاء لمفهوم الروح الواحدة، والساعد الواحد، فالاستثناءات رهانات خاسرة في مسيرة التنمية، مهما كانت مبررات هذا الاستثناء، وأؤكد في هذه الخاتمة أيضا على أن هذه المقاييس كلها هي بمثابة «حراس» للتنمية، ومتى أعطيت حقها من الاهتمام والاحتواء، وآمن الجميع بضرورتها، أدى ذلك الى مزيد من النتائج الجيدة، والمبشرة بمستقبل زاخر للوطن من النمو المطرد، والاستدامة الحيوية الفاعلة.