مغزى المشاركة المجتمعية في بناء المستقبل

د. عبد العاطى محمد –

حقا هي مبادرة رائعة أقدمت عليها سلطنة عمان بدفع المجتمع إلى المشاركة في بناء الرؤية المستقبلية لما يجب أن تكون عليه البلاد في العام 2040. وما تلك المبادرة إلا ترجمة صادقة للعمل على تعزيز رأس المال البشرى الذي أضحى أحد المقومات الرئيسة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في عالم اليوم، وضمانة قوية لفرص نجاح هذه الرؤية استنادا إلى أن صياغتها تأتي بمشاركة فاعلة من كل فئات المجتمع.

هذا التوجه ليس جديدا على سلطنة عمان تحت قيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – فالمعلوم للكافة في الداخل والخارج أنه منذ انطلاق النهضة المباركة كان الإنسان العماني ومازال هو الهدف والوسيلة في نفس الوقت بالنسبة لكل خطط التنمية التي تم وضعها لتحقيق الهدفين الرئيسيين لأية تنمية منشودة، وهما القضاء على الفقر، وتحقيق الرفاهية والرخاء.
واستطاعت البلاد أن تقف على قدميها في مواجهة المصاعب والتحديات فيما يتعلق بتوافر الإمكانيات المادية أو ما كان يطرأ على الاقتصاد العالمي من أزمات من الطبيعي أن تلقى بتأثيراتها على الأوضاع الداخلية. ليس هذا وحسب، وإنما استطاعت سلطنة عمان أن تحقق معدلات تنمية عالية أوجدت نهضة حقيقية في كل المجالات وفي ربوع البلاد على اتساعها وتعددها. وقد شهد العالم لعمان بهذا النجاح. كما أنه ليس جديدا أن البلاد اختارت في العقود الماضية منهج التشاور بين الشعب والحكومة مع كل خطة للتنمية وذلك من خلال المؤسسات التي نشأت لكي تعرض الحكومة ما لديها من خطط وأن تستمع إلى رأي هذه المؤسسات وتأخذه في الاعتبار.
ولكن الدنيا تغيرت، فزمان الماضي أو حتى الأمس القريب ليس هو زمان اليوم، حيث أن حركة التغيير في العالم تجرى بسرعة الصاروخ، وعلى النابه والذكي أن يتأقلم معها بسرعة أكبر منها، وأن ينظر للمستقبل وكأنه حاضر قريب للغاية، مما يتعين عليه في هذه الحالة أن يستعد للمستقبل بكل ما أوتى من قوة لكي يحافظ على نجاحه واستقراره في نفس الوقت، ولكي يتجنب نوازل الزمن المفاجئة وما أكثرها في عالم اليوم. لقد أصبحت التحديات أقوى من الفرص بكثير. يحدث هذا للدول المتقدمة الكبرى مثلما يحدث للدول الناشئة بقوة والدول النامية، ولنا مما يجري في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، بل والصين التي يشار إليها على أنها أقوى الاقتصاديات مثال حي على شدة التحديات التي تواجه الجميع، الغنى والفقير، وهو يسعى لتحقيق الرفاهية والرخاء باستدامة والاستقرار في نفس الوقت.
وغني عن التفصيل ما جرى من أزمات في المنطقة العربية خلال السنوات العشر الأخيرة، والتي لاشك عرقلت مسارات النمو ليس في بلدان الأزمات وحدها، بل أيضا في مناطقها المحيطة. وما كان أشد إيلاما في توابع هذه الأزمات هو الحروب الأهلية وما سببته من مآس إنسانية، والانقسامات التي ضربت أكثر من مجتمع عربي وغذتها للأسف وسائل التواصل الاجتماعي، بما يعني أن المجتمع، أي مجتمع، في المنطقة أصبح الضحية الأكبر، فاهتز دوره وتاهت البوصلة التي اعتاد عليها عقب سنوات الاستقلال الوطني وكانت بمثابة المصباح الذي ينير له الطريق من ناحية، وصمام الأمان لنجاح عمليات التنمية.
تقرير البنك الدولي الصادر تحت عنوان «آفاق الاقتصاد العالمي عام 2019» زاد من وطأة التحديات أكثر مما كان متوقعا عندما وصف هذه الآفاق بأنها ستصبح قاتمة! مشيرا إلى أن التجارة والاستثمار يشهدان تراجعا على الصعيد العالمي، وأن التوترات التجارية ستظل مرتفعة في إشارة بالطبع إلى الخلافات الحادة والمجادلات الحامية بين كل من الولايات المتحدة والصين أكبر اقتصاديات عالم اليوم، فضلا عن تداعيات أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ورصد التقرير تعرض العديد من الأسواق الناشئة الضخمة لضغوط مالية شديدة عام 2018 ومن ثم توقع أن يظل النمو في هذه الأسواق ثابتا خلال 2019، في الوقت الذي كان فيه الجميع يأمل أن يزداد هذا النمو لمواجهة المطالب الجماهيرية المتجددة والزيادات السكانية العالية في عديد البلدان خصوصا بالنسبة للدول العربية، بينما توقع أن يتراجع النمو في عديد البلدان الأخرى أي التي خارج الأسواق الناشئة. ويتحدث التقرير عن تمنياته أن تنجح البنوك المركزية في توفير احتياطيات ذات قيمة ويطالب بضرورة إعادة بناء الموازنات العامة، وكلاهما يزيد من الضغوط المتوقع حدوثها على البشر. ولكن النقطة المضيئة في التقرير أنه يركز على أهمية تعزيز رأس المال البشري.
وإذا أضفنا إلى ذلك – من خارج التقرير- وضع الوظائف مستقبلا في كل بلاد العالم، فسنجد أن الطفرة في الذكاء الصناعي سوف تطيح بنحو 74%من الوظائف. هذا مستقبلا أي ربما خلال عدة سنوات من الآن، ولكن الأمر لا شك يثير قلق كل المجتمعات من الآن.
من المؤكد أن كل هذه المخاوف وغيرها مما يعلمه المتخصصون والخبراء كانت في حسابات القيادة العمانية التي عودتنا النظرة الثاقبة بعيدة المدى وهي تتابع تداعيات التحولات السلبية في الاقتصاد العالمي، وفي الواقع السياسي المتأزم الذي تمر به المنطقة العربية والخليجية جزء لا يتجزأ منها، والأهم من ذلك متابعتها للأولويات الوطنية في عالم مضطرب ومتغير وحرصها على الهدف الرئيس الذي وضعته نصب عينيها منذ عدة عقود وهو الارتقاء بالإنسان العماني والتعامل معه على أنه مصدر النجاح بالدرجة الأولى في أية خطوات للتخطيط للمستقبل. والحديث عن الاهتمام بالتنمية البشرية بهذا الصدد يطول، وفيها حققت سلطنة عمان معدلات عالمية بشهادة كبريات المؤسسات المتخصصة.
الرؤية المستقبلية عمان 2040 تشير إلى إضافة مميزة عن كل سابقاتها من رؤى للمستقبل، ليس فقط لأنها تتفاعل بإيجابية مع التحولات السريعة في عالم اليوم سواء فيما يتعلق بالمعرفة، أو الاستفادة من الثورة الرقمية، أو تلازم النظرة الاجتماعية للسياسات الاقتصادية، أو لمواجهة التحديات المعتادة التي تنجم دائما عن اتساع المسافة بين الطموحات الشعبية والإمكانيات الحقيقية للدولة، وإنما لأنها قائمة على مشاركة المجتمع في صياغتها. الأمر هذه المرة لا يقف عند طرح تصور من الحكومة بناء على تقديرات المختصين والخبراء ومراجعة هذا التصور مع المؤسسات الاستشارية الممثلة للشعب، وإنما هي من الأصل حصيلة عصف ذهني من خيرة المجتمع بالمشاركة مع الحكومة (الخبراء والمتخصصون) يضع وثيقة – كما جاء في الأوامر السامية- تضمن المشاركة المجتمعية الواسعة لكافة فئات المجتمع من الخبرات العمانية ممن هم في الداخل أو الخارج.
قيمة هذا العمل الفريد تكمن في أكثر من صورة. فمن ناحية تتماشى مع الفكر السائد في عالم اليوم القائم على تعدد الاجتهادات والرؤى للقضايا الحياتية في مسيرة الشعوب ويرتبط بذلك تعزيز التوجه للحوار والتوافق حول الهموم الشعبية العامة ومستقبل الوطن.
ومن ناحية ثانية تعكس قيمة تربوية كان فقدانها بين أبناء المنطقة العربية في السنوات الأخيرة من أسباب تعميق الأزمات الوطنية، حيث أنها تهدف إلى التوجيه الإيجابي للسلوك الإنساني.
هي بذلك تستجيب للتغيير ولكنها تعمل على إدارته بشكل صحيح لكي يبنى ولا يهدم ولا يتحقق ذلك إلا بتخلي الفرد عن الإحباط والسلبية والتحلي بدلا من ذلك بالتفاؤل والإيجابية.
ومن ناحية ثالثة تشرك مختلف فئات المجتمع وخصوصا الشباب، مما يشعر كل فرد بأنه مهم وشريك في بناء المستقبل وليس مجرد متفرج على ما يجري حوله. والمعلوم أن الشباب يمثلون اليوم أكثر من 60% من المواطنين في العالم العربي.
ومن ناحية رابعة تحدث تطويرا في فلسفة السياسات الاقتصادية بأن تعمل على دمجها مع الظروف الاجتماعية القائمة لا أن تتركها تتحرك وفق قوانينها المغلقة عليها. لنا أن نتذكر كلمة بسيطة قالها كلاوس شواب مؤسس ورئيس «منتدى دافوس» الشهير في دورته بداية هذا العام، عندما أشار إلى أن العولمة بمفهومها القديم لم تعد مفيدة بل أضرت بمجتمعات واقتصاديات عدة ولابد من «عولمة جديدة» حسب تعبيره تدمج السياسات الاقتصادية بالأوضاع الاجتماعية أي تراعي هذه الأوضاع.
ومن ناحية خامسة، وبناء على العبارة السابقة، فإن الوثيقة عمانية خالصة لحما ودما. صحيح أنها تنطلق مما يفرزه العصر من إضافات في مثل هذه الموضوعات، ولكنها تضع في اعتبارها الأولويات الوطنية فما يصلح لمجتمع لا يصلح لغيره لاختلاف التكوين والتاريخ والهوية.
ومن ناحية سادسة وأخيرة أنه عندما يتم إشراك المجتمع في صياغة وثيقة تنظم حياته الحاضرة والمستقبلية لسنوات بأجياله المختلفة، فإنه يصبح ملتزما برعايتها وتطبيقها وتحمل تضحياتها، مما يشكل أفضل صور الاستقرار والنجاح.
المؤتمر الوطني للرؤية المستقبلية عمان 2040 حدث تاريخي متميز بكل تأكيد وفعالياته ومناقشاته أحد المسارات المهمة في صياغة الوثيقة الخاصة بهذه الرؤية، من شأنه أن ينير الطريق لكل العمانيين للاطمئنان على المستقبل.