لماذا الاتفاق الإيراني مهم لأوروبا؟

أيلي جيرانمايه – المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
ترجمة قاسم مكي –

قبل ستة أعوام طبقت إيران والقوى الدولية خطة العمل الشاملة المشتركة (الاسم الرسمي للاتفاق النووي الإيراني- المترجم) بتقليص برنامج التسلح النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات. لايزال الاتفاق متماسكا ولكن ليس أكثر من ذلك. فهنالك مؤشرات متزايدة بأن الدول الموقعة على الاتفاق تشعر بالإرهاق والإحباط من محاولات منع انهياره عقب انسحاب الولايات المتحدة منه في مايو الماضي. في هذا المناخ من المهم أن يتذكر أصحاب المصلحة لماذا لايزال الاتفاق قيما.
إنه ثمرة ما يزيد عن عقد من المفاوضات. لقد شعر الغرب بالقلق من أن البرنامج النووي الإيراني المتمدد باطراد يشكل خطرا كبيرا فيما يخص الانتشار النووي. وأكثر ما كان يقلق أوروبا احتمال أن تشن الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كلتاهما هجمات عسكرية على بلد يبلغ عدد سكانه 80 مليون نسمة. فبعد غزو أفغانستان في عام 2001 والعراق عام 2003 رغب الأوروبيون في تجنب المزيد من القلاقل في الجوار.
الاتفاق النووي الإيراني ليس مثاليا في نظر الأطراف المعنية. لكنه يتركز في تسوية سياسية تخاطب المشاغل الجوهرية لكل من إيران ومجموعة خمسة زائد واحد (الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وروسيا وألمانيا). فحسب التقديرات الأمريكية زاد الاتفاق من أمد الفترة التي يمكن أن تحتاجها إيران لإيجاد قنبلة نووية من شهرين أو ثلاثة أشهر إلى سنة تقريبا. وفي المقابل حصلت طهران على إعفاء من العقوبات الأممية والأوروبية والأمريكية المتعلقة بالجانب النووي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أعادت فرض العقوبات التي سبق لها أن رفعتها بموجب الاتفاق إلا أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي امتنعا عن ذلك.
بموجب الاتفاق النووي شحنت إيران إلى الخارج 98% من اليورانيوم المخصب لديها وحددت مستوى تخصيبه بنسبة 3.67% وأزالت ثلثي أجهزة الطرد المركزي التي قامت بتركيبها ووافقت على تحويل منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم إلى مركز أبحاث وأعادت تصميم مفاعل أراك للماء الثقيل وأتاحت للمفتشين الأمميين إمكانية واسعة للدخول إلى منشآتها النووية.

ومن جانبها، أعدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تشرف على تنفيذ الاتفاق النووي أكثر من عشرة تقارير تؤكد أن إيران مستمرة في الالتزام به. فعلت إيران ذلك رغم تنصل الرئيس ترامب عن مسؤوليات الولايات المتحدة بموجب الاتفاق. فعل ترامب ذلك رغم تأكيد مجتمع الاستخبارات الأمريكي صحة النتائج التي توصلت إليها الوكالة الدولية بشأن التزام إيران. لقد أوجد الاتفاق، بجانب منافعه النووية، منفذا سياسيا للغرب وإيران يمكنهما من التلطيف التدريجي لعدائهما المتبادل حول القضية النووية وربما العمل على تطبيع علاقتهما في نهاية المطاف.
هذا التطبيع أكثر ما يخشاه أعداء إيران. لذلك زادت إسرائيل من جهودها للتعجيل بانهيار الاتفاق. لقد كان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق و»حملة الضغوط القصوى»، حسب تعبير ترامب، هدية لهذا المعسكر وأيضا للمتشددين في طهران حيث يسعى الطرفان كلاهما إلى تقويض العلاقات بين أوروبا وإيران.
تواجه أوروبا ضغطا متزايدا من الولايات المتحدة وإسرائيل لإضعاف روابطها مع إيران في كل المستويات والانضمام إلى حملة «الضغوط القصوى». وتشكل قمة الشرق الأوسط ( التي قيل أنها تركز على إيران) وتخطط الولايات المتحدة وبولندا لاستضافتها في وارسو الشهر القادم جزءا من هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى دق إسفين بين أوروبا وإيران.
حتى الآن ورغم الصعوبات التي تواجه الاتفاق وتزايد الضغط الأمريكي والتوترات الأخيرة في العلاقات مع إيران تواصل الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي التعامل مع إيران. إن التزام أوروبا السياسي القوى بالاتفاق النووي على الأقل من خلال وعدها بإيجاد «كيان أغراض خاصة « لتسهيل التجارة مع إيران أحد العوامل المفتاحية في تقيد إيران بالاتفاق.

وبالنظر إلى شدة وطأة العقوبات الثانوية الأمريكية الأخيرة من المرجح أن تستمر إيران في التزامها بالاتفاق فقط إذا قدمت لها أوروبا والصين وروسيا أسبابا ملموسة إلى حد بعيد كي تفعل ذلك. فهناك مؤشرات متنامية بأن صبر إيران لن يدوم إلى الأبد خصوصا بالنظر إلى أن مبيعات النفط، وهي مصدر بالغ الأهمية لإيراداتها المالية،هبطت بنسبة 60% تقريبا منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية كما جاء في الأخبار.
وفي النهاية تقر كل الأطراف الموقعة بأن الاتفاق سيكون فاعلا تماما فقط عندما تجدد الولايات المتحدة ارتباطها به على نحو ما، وعلى الأقل بالتخفيف من عقوباتها الثانوية على الشركات الأجنبية التي تتعامل تجاريا مع إيران. وحتى يحدث ذلك على أوروبا مواصلة جهودها في الإبقاء على الاتفاق. سيتطلب ذلك تسجيل وتشغيل كيان أغراض خاصة (أعلنت يوم الخميس كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا عن تأسيس آلية أوروبية للتجارة مع إيران بغير الدولار لتفادي العقوبات الأمريكية). على الصين من جانبها أيضا بذل جهود لمعالجة التدهور الأخير في التجارة مع إيران بدلا عن الانتظار كي ترى إذا كان في مقدورها الاستفادة من «كيان أغراض خاصة» أوروبي.
سيوجد انهيار الاتفاق خطرا حقيقيا يتمثل في نشوب المزيد من النزاعات العسكرية بالشرق الأوسط. لقد سبق منذ فترة طويلة أن طالبت شخصيات متنفذة في إدارة ترامب خصوصا مستشار الأمن القومي جون بولتون بتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران. مثل هذا التدخل كما يشير التاريخ الحديث يأتي بكلفة عالية لأوروبا. وهو نتيجة عليها أن تفعل كل شيء ممكن لتجنبها.

  • الكاتبة زميل أول سياسات ونائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمجلس. متخصصة في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه إيران خصوصا الملفين الإقليمي والنووي وسياسة العقوبات