نوافذ :المجتمع يكرس مفهوم الـ (VIP)

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

معظم الأنظمة في دول العالم تحارب – إعلاميا – تكوٌن فئات طبقية في المجتمع، وتعدها أحد المنغصات في مساحة الاستقرار الاجتماعي، ولذلك فهناك حرص كما «يُروّج» أن القانون فوق الجميع، هذه الصورة في جانبها الرسمي، أما في محيطها الشعبي، فالمسألة تختلف كثيرا، لأنها تخضع لقناعات الأفراد، وهذه القناعات ليس يسيرا إقصاؤها، أو تجاوزها؛ على أقل تقدير؛ ولذلك فمجمل القناعات التي يؤمن بها الأفراد، سواء ما يندرج تحت مفهوم فئة الـ (VIP) أو تبجيل الوجاهات، أو ما ينضوي تحت الممارسات والمعتقدات التقليدية، لمختلف الصور في المجتمع، تبدو من خلال المعايشة والمراقبة أن صورها لم ترتبك أبدا، ولا تزال تتكور على بعضها البعض وتتعاظم مثل «كرة الثلج» سواء من خلال ممارسة الأفراد لها، أو من خلال الإيمان بضرورة وجودها كأسلوب حياة بين أفراد المجتمع، وعندما أشير الى «أفراد المجتمع» فإنني لا أعني مجتمعا بعينه، فكل المجتمعات الإنسانية تعيش حالاتها التي تنفلت عن عقال الحالة الكونية، وهي الحالة التي ترتبك فيها الصور التقليدية بفعل تطور المادة، وتداخل الشعوب فيما بينها؛ مؤثرة ومتأثرة؛ بالقيم المتبادلة والسلوكيات الممارسات المتغايرة، وبالتالي فهذه الصور الاجتماعية تأخذ نحو التكريس، والتمكين، والتأصيل، والقليل منها ما يتصدع، ويكون مهلهلا، وقابل للتغيير بعد فترة من الزمن.
أطرح هذه الرؤية، وأنا أراقب عن كثب تأصيل مفهوم فئة الـ (VIP) فمنذ فترة ليست ببعيدة كنت أهم بدخول مجلس عزاء، وكان أمامي أحد كبار السن، أعرفه معرفة شخصية، فعند دخولنا المجلس، اتجه مباشرة الى صدر المجلس، ليسلم على من يتصدر المجلس؛ مع أن صاحب المصيبة لم يكن في صدر المجلس؛ وعن نفسي لم اقتف أثره، وإنما أخذت المجلس من جانبه الأيمن مسلما، مرورا بصدر المجلس ويساره، فما الذي دعا هذا الرجل المسن لأن يتجه مباشرة نحو صدر المجلس، وهو غير ملزم بذلك، ولا أتصور أن من كان يجلس في صدر المجلس شعر بالفخر لأنه خُصّ بالتحية قبل الجميع، وإن ما قام به هذا الرجل، هو تلبية لذلك الشعور المشفوع بالامتنان المتوغل بين جنباته، لا أكثر.
مرة أخذت أحد أطفالي لمجمع تجاري كبير؛ هنا في مدينة مسقط؛ الى ركن لعب الأطفال، فوجدت قسمين للمحاسبة، أحدهما مكتوب عليه (VIP) فاستغربت منذ ذلك، ومبعث استغرابي أن ركن الألعاب هذا هو مشروع تجاري بحت؛ أي لا ضرورة للمجاملة فيه؛ فالجميع سوف يدفع قيمة كل لعبة يختارها الطفل، طبعا لم أسأل، وبقيت على قناعتي بأن المجتمع لا يزال يئن من وطأة احتضان القيم التقليدية المسترسلة منذ ذلك الزمن البعيد، وفي ذات الاتجاه، فكثير من المجتمعات التجارية اليوم توجد بها أماكن مخصصة لوقوف المركبات، مكتوب عليها لـ «خدمة كبار الشخصيات» والخدمة لا تتعدى أخذ المركبة وتوقيفها فقط، ويؤخذ مقابل هذا التوقيف مبالغ نقدية، مع أن كل المواقف في المجمع مفتوحة، ولا تحتاج الى هذه الكلفة المادية، والمعنوية إلى حد سواء!!! فما الذي دعا إدارة المجمع التجاري لتخصيص مواقف محددة ومحدودة، وأخذ مقابل مادي لذات المكان فقط، إلا تكريس لصور قديمة، أراها تثير الشفقة، ولا تعلي قدرا لصاحبها.
أعجبني؛ مرة؛ موقفا حصل عند أحد رجالات الحكومة «الكبار» في مجلس لعقد القران، حيث سلم، وجلس في المكان الذي انتهى به المجلس، وقد تهاوت إليه الأيدي لأخذه الى صدر المجلس، فأصر على موقفه، ولم يرض ان يؤثر مكانا آخر على المكان الذي وصل إليه، أكبرت خلق هذا الرجل، وشجاعته، ولعله أعطى بهذا الموقف دروسا لمن أراد أن يستفيد.
أقر يقينا أن الإنسان ـ بسلوكه الحميد – هو الذي يمثل له قنطرة عبور الى قلوب الآخرين، من دون أن يكلف نفسه، أو يكلف الآخرين من حوله إلى حجز مساحة له داخل هذه القلوب، والمشكلة أكثر ليست في القناعات الفردية، وإنما شيوع المفاهيم وتعميمها، وعدم قدرة «المجموع» على التخلص منها.