قصة قصيدين

عادل محمود –

«ليس هناك كتابة عن قصة حب عادية»
روميو وجولييت مأساة الفارق الزمني بين انتحارها وانتحاره.
وقصة قيس وليلى… مأساة الحرمان من الزواج بين حبيبين. لأن القبيلة لا تشرعن الغزل بوصفه فضيحة.
وقصة هذه القصيدة التي غنتها فيروز ظل صاحبها مجهولاً حتى مات.
أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن
واغتراب بي وبي فرحٌ كارتحال البحر بالسفن
أنا ياعصفورة الشجن أنا عيناك هما سكني
أي وهم أنت عشت به كنت في البال ولم تكن
وكذلك شأن القصيدة الأخرى:
لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب
ورحت أحفرها في الخافق التعب
حيرى أنا والعين شاردة
أبكي واضحك في سري بلا سبب
أهواه. من قال إني ما ابتسمت له
دنا فعانقني شــــــــــوق إلى الهـرب
نسيت من يده أن أسترد يدي
طال السلام وطالت رفة الهدب

صاحب القصيدتين الوحيدتين اللتين غنتهما فيروز له… كان إمام إحدى قرى جنوب لبنان. ذهب إلى العراق ودرس في حوزات كربلاء على يد كبار أئمتها. ولم يكن ممكناً نشر أو إشاعة شعر غزل يكتبه شيخ. وفي إحدى أزماته المادية جاءه من يعرف قيمة شعره الغزلي (السري) فعرض عليه أن يلتقي بعاصي الرحباني (زوج فيروز). أعجب عاصي بشعره فاشترى كل قصائده. شريطة ألا يذكر اسم المؤلف.
بعد غناء فيروز لهاتين القصيدتين ثار فضول الوسط الفني والصحفيين. ولكن عاصي والرحابنة … كتموا اسم الشاعر، ومضت الأيام، ومات عاصي وظلت القصيدتان تتردد أصداؤهما لابسة مجهولية اسم الشاعر.
في عام 1980، عثر رعاة ماعز عل جثة رجل دين، في أحد أودية جنوب لبنان، عليها آثار تعذيب، وقد اخترقتها بضع رصاصات.
كانت الحرب الأهلية، آنذاك، في مراحل التصفيات بين المذاهب، والطوائف، والبرامج، والبربريات.
جرى التعرف إلى الجثة ، وكانت لإمام صغير السن (30سنة) من النبطية في الجنوب اللبناني. ومع موته ثمة من كانت لديه الرغبة في الإعلان، أخيراً، عن اسم كاتب هاتين القصيدتين…
كان الإمام علي بدر الدين.
أنهي هذا المقال… فاستمع، كأنما من واد عميق في الزمن، الى مطلع القصيدة الشجي :
أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن…