الأفكار الدخيلة والشعـــــــــــارات البراقــــة: خطورتها والوقاية منها

التمرد على كل المسلمات والقيم –

ناصر بن عبدالله الصوافي – واعظ وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية –

«ولو وافقنا مجازا على الحداثة والتطور وهذا أمر محمود في كل الجوانب إلا أنه لا يمكن القبول بتغيير الثوابت من العادات والتقاليد بل والقيم الإسلامية الثابتة التي جاء بها الدين الحنيف والشرع الشريف وإن كان التطور مطلوبا والتقدم مرغوبا في كل شيء إلا أنه يجب أن يكون مفهوما لدى الجميع بأنه لا مساس ولا تعدي على قيمنا وثوابتنا الدينية والحضارية فنحن مجتمع متماسك مترابط».

لقد حكى الله تعالى لنا قصة آدم مع إبليس اللعين فبعد أن اسكن الله تعالى آدم وزوجه الجنة وأمرهما بألا يقربا تلك الشجرة التي حرمها عليهما ثارت الغيرة والحسد لدى الشيطان اللعين فلم يتركهما في حال سبيلهما بل وسوس لهما وأبدى لهما الشفقة والمحبة والنصح فقام باختلاق تلك القصة المشؤومة وروج لها وظل يقنع آدم بها بأن تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأنها تعطيه الحياة الأبدية وأن فيها السعادة حتى وقع آدم عليه السلام في الخطأ فعصى آدم ربه فغوى وكانت نتيجة هذه الإشاعة وهذه الأفكار الهدامة هي فقدان النعمة والنزول إلى الأرض، ومن هذه القصة نستبين المغزى والمعنى بأن فقدان النعم وترك الرخاء والسعادة يمكن أن يكون نتيجة تصديق الإشاعة والإيمان بالفكرة الخاطئة والترويج لها مما يسبب فقدان النعيم والرخاء والأمن .. قال سبحانه (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) الأعراف.
إن العالم اليوم أصبح قرية واحدة بما شهده من تقدم وثورة إلكترونية في وسائل التواصل والاتصال، وأصبح الممنوع قبلا مباحا، وأصبح المحذور سابقا متاحا الآن، ولا يمكن لأحد أن يحجز أو يحتجز أية معلومات أو أدوات أو رسائل مهما كانت وأصبح أفراد المجتمع اليوم يطلعون على الأحداث ومجريات الأمور أولا بأول دون حجب أو صد أو منع؛ إذ إن الأجهزة الحديثة قد اخترقت كل الجدر الحمائية وعطلت كل الأنظمة الوقائية.
ولذلك أصبحت خطورة هذه الأجهزة وهذه الثورة أكبر وأعمق مما كنا نظن وأصبحت الحروب اليوم تدار بهذه الوسائل بدون أسلحة فتاكة ولا عتاد ولا جنود مجندة فقط نحتاج إلى عدة أشخاص يديرون الأنظمة الإلكترونية ويبرمجون ويصيغون الرسائل والإعلانات الدعائية المغرضة والهادفة لكي تحرك الشعوب وتغير الأفكار وتشعل الحروب.
وهذا للأسف ما يقع الآن في العالم، وهذا ما حذر منه مولانا جلالة السلطان قابوس -حفظه الله- في أحد خطاباته حيث يقول: (إن الافتراض بأن الخطر الذي يهدد الدول والشعوب يبدو دائما على شكل قوة مسلحة، إنما هو افتراض خاطئ، فأعداء الحرية يستخدمون كل الوسائل والطرق الممكنة لتحقيق أهدافهم. إن هذه القوى التي تعمل في غالب الأحيان في ظل شعارات زائفة عن الحرية والمساواة وحقوق الإنسان قد أعدت نفسها لتقويض وتحطيم أسس المجتمعات المستقرة، وهذه القوى التي تزعم الدفاع عن الحرية، وتزعم الدفاع عن الشعوب الضعيفة والفقيرة، مصممة على إهدار الشرعية الدولية والقيم الإنسانية في كل مكان .. والغاية واضحة ومعروفة وهي دفع الدول والشعوب المستقرة إلى حالة من الفوضى والاضطراب والانحلال الخلقي والمادي)) من خطاب جلالته في 18/‏‏11/‏‏1977م.
إن وسائل الإعلام الحديثة ووسائل الاتصال والتواصل المتقدمة والمتطورة لها من التأثير والقدرة الكبيرة في التغيير ما لا يمكن تصوره فقد أصبحت الأفكار الدخيلة والعادات الشاذة والقيم المستوردة التي يلتقطها أبناء الجيل اليوم مدعاة للوقوف مع هذه الظاهرة الخطيرة بما تمثله من خطر على أمن المجتمع في سلوكه وأفكاره واتجاهاته، ويجب أن تكون هناك وقفة جادة ومسؤولة من المسؤولين والمؤسسات العامة والخاصة لكي تبذل جهدها وتبرمج خططها في تحصين أبناء المجتمع وبث الوعي الصحيح وتثبيت القيم والمبادئ الإسلامية والعادات العمانية والقيم الموروثة التي تربى عليها الآباء والأجداد ولا نسمح بمثل هذه الوسائل أن تنشر سمومها وتنثر روائحها العفنة والكريهة بين أبناء المجتمع، وبما أننا نعيش في مجتمع متماسك مترابط يسوده الأمن والمحبة والسلام والألفة والتعاون بين أفراد مجتمعه فإنه لزاما علينا أن نعي المسؤولية الملقاة على عاتقنا في هذا المجال، وأن نكون حراسا أمناء كل في مجال تخصصه لنحمي قيمنا ومجتمعنا من مثل هذه الأفكار الدخيلة والدعايات المغرضة والرسائل المشبوهة.
وقد أوضح جلالة السلطان في أحد خطاباته هذا الأمر ببيان واضح ومقال مفيد وعبارات رصينة وقوية بقوله: (فإنه على كل مواطن أن يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق كما نعلم جميعا إلا بدماء الشهداء، وجهد العاملين الأوفياء، وألا يسمح للأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة عديدة، أن تهدد أمن بلده واستقراره، وأن يحذر ويحذر من هذه الأفكار التي تهدف إلى زعزعة كيان الأمة، وأن يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة. ‏إن التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق.) من خطاب جلالته في العيد الوطني الرابع والعشرين..
إن كثيرا من أنماط الحياة اليوم قد تغيرت وما زالت تتغير شيئا فشيئا؛ وذلك نتيجة للثقافة الدخيلة المستوردة من خارج حدود الوطن وما زلنا نشاهد كل يوم تغيرا في أنماط السلوك والعادات والقيم المجتمعية التي بدورها تهدم بنيان الأسرة الواحدة بما تجلبه من سلوكيات خاطئة تؤثر على العلاقات الأسرية والمجتمعية، وأصبحت فئة من الناس تعيش في العالم الآخر العالم الافتراضي بين جنبات الأفلام والدعايات والرسائل والألعاب التي تبث سمومها وترسخ قيمها في عقول الناشئة، وهذا يشكل خطرا على قيم المجتمع وثوابته وعاداته ومبادئه التي عرفت منذ القدم عن أبناء المجتمع العماني خاصة أبناء الأمة الإسلامية عامة.
إن بعضا من أبناء الأمة وهو يعيش هذه الثورة الإلكترونية والخدمات السحابية يظن أن ما كان عليه الآباء والأجداد من قيم ومبادئ وعادات راسخة وقيم ثابتة إنما هي الآن موروثات قديمة بالية لا تصلح لمتطلبات العصر ولا للتقدم والتمدن الذي يشهده العالم اليوم؛ وبالتالي فعليه أن ينظف عقله وسلوكه منها وأن يجدد الثقافة والأفكار والعادات والقيم؛ لأنه أصبح لزاما عليه أن يجاري العصر والموضة والحداثة وهذه كلها شعارات براقة يتمسك بها بعض أبناء الأمة دون الشعور بخطورتها.
ولو وافقنا مجازا على الحداثة والتطور وهذا أمر محمود في كل الجوانب إلا أنه لا يمكن القبول بتغيير الثوابت من العادات والتقاليد بل والقيم الإسلامية الثابتة التي جاء بها الدين الحنيف والشرع الشريف وإن كان التطور مطلوبا والتقدم مرغوبا في كل شيء إلا أنه يجب أن يكون مفهوما لدى الجميع بأنه لا مساس ولا تعدي على قيمنا وثوابتنا الدينية والحضارية؛ فنحن مجتمع متماسك مترابط يعيش وفق منظومة سلوكية ومبادئ دينية حنيفية سمحة لا تقبل التعدي والتطور؛ لأنها هي بحد ذاتها مبدأ من مبادئ التطور والنماء والرقي والرخاء، وبها أصبحنا مضرب الأمثال في الأمن والسلام والعيش بألفة ومحبة ووئام في مجتمع مختلف الأعراق والقبائل والانتماءات والمذاهب، ولكنه متماسك بنيانه مترابطة علاقاته ومتحدة كلمته وثابت في قيمه ومبادئه.
وهكذا عرفت عمان منذ الأزل وما زالت بفضل القيادة الحكيمة لمولانا جلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله-الذي أرسى لهذه المبادئ وحث عليها ورسخ في عقول الناشئة والأجيال هذه المبادئ بل وسن الأنظمة والقوانين التي تحافظ على هذا الكيان الشامخ والبنيان السامق.
إن استقبال الأفكار الدخيلة وبث العقائد الفاسدة بين أبناء المجتمع بدعوى التحرر والانفتاح أمر خطير وتمرد على واقع المجتمع وقيمه وثوابته ومرتكزاته وتؤدي إلى تفككه وضياع أبنائه؛ فهي تدعو إلى التمرد على كل المسلمات والعادات والقيم المجتمعية الموروثة، وهذا للأسف تمرد وفساد وإفساد؛ فيجب أن نحصن عقول الناشئة ونحمي أنفسنا من مثل هذه الأفكار وهذه القيم الدخيلة التي باتت تهدد أمن المجتمعات وتنشر الخراب والدمار والفوضى في أرجاء المعمورة..
نسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا آمنة مطمئنة ويحفظ قائد مسيرتها المظفرة في صحة وعافية إنه سميع مجيب..