خطبة الجمعة تناشد الآباء والمربين بتنشيط المراقبة الأبوية على أجهزة أبنائهم الإلكترونية

حتى لا يكونوا فريسة من فرائس المفسدين في الأرض –

تناشد خطبة الجمعة لهذا اليوم الآباء والمربين بأن ينشطوا جانب المراقبة الأبوية على أجهزة أبنائهم الإلكترونية حتى لا يكونوا فريسة من فرائس المفسدين في الأرض، مبينة أن كثيرا من هذه الألعاب، تنطوي على خطر عظيم، وشر جسيم، ومن الخطر الذي لا بد أن يحذر منه المسـلمون، أن أكثر هذه الألعاب، ينتجها من لا ينتمي إلى دين رب الأرباب، وقد أسسوها بما يتعارض في كثير من جزئياتها مع مبادئ ديننا الحنيف، من أفكار ومعـتقدات وسلوكات. وأكدت أن من أمـثلة ذلك أولئك الذين يقضون جل وقت حياتهم أمام الألعاب الإلكترونية، وقد شغلتهم عن أمور حياتهم ومجـتمعهم وعن عبادة الله، وانه قد شاع بسبب هذه الألعاب أثر سلبي في بعض أبناء المسـلمين، وما حالات الانتحار التي سببـتها بعض هذه الألعاب إلا نماذج تبين هذه الخطورة.. وهنا نص الخطبة التي جاء تحت عنوان: «مخاطر الألعاب الإلكترونــية وآثــارها»:

الحمد لله الذي أمر عباده التزام الطاعات، وبين لهم سبب خلقهم ونهاهم عن تضييع الأوقات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أباح للناس أصنافا من المباحات، ووضع لهم ضوابط ليجانبوا طريق الشهوات، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أعـظم النبيين، أرسله الله بدينه القويم، فكان لأمـته بالرحمة مبشرا، وعن الوقوع في هوى النفس زاجرا، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه المهـتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، وأحسنوا لأنفسكم في حياتكم، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)، واعـلموا رحمني الله وإياكم، أن الإنسان إنما خلقه الله تعالى لعبادته، فهيأ له أمر طاعته، ويسر له السير إلى مرضاته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فلينطلق المرء من مبدأ العبادة لله، في قيامه وقعوده، وفي سيره ومكثه، وفي أخذه وتركه، ليعمر حياته بالجد والعمل والإخلاص والتوكل ناظرا إلى ما أباح الله له من ترويح عن النفس بما لا يتعارض مع الأوامر الربانية، ولا يقف عثرة في طريق التوجيهات الإيمانية، غير أن الواقع المر الذي يعيشه كثير من الناس اليوم، جعل الناظر إليهم يرى أنهم جعلوا منطلق أفعالهم، وأساس حركاتهم، ومنتهى غاياتهم، أن يشغلوا أنفسهم بالترويح المطلق عن أنفسهم، وأما الاشتغال بواجبات الحياة، والفرائض التي فرضها ربنا جل في علاه، فقد ترك لها بعضهم فضـلة الوقت عندهم، وآخرون لم يشتغلوا بها فخسروا دنياهم وآخرتهم، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، ومن أمـثلة هؤلاء أولئك الذين يقضون جل وقت حياتهم أمام الألعاب الإلكترونية، يبذلون لها الغالي والنفيس من وقت وجهد ومال، وقد شغلتهم عن أمور حياتهم ومجـتمعهم وعن عبادة الله ذي الجلال، فأين نداء الله لهم وهو يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فليس العمر الذي تقضيه في هذه الدنيا متروكا لك لتتصرف فيه كيفما تشاء، وتنفقه دون حساب من رب الأرض والسماء، فإن الله جل جلاله سائلك عن وقتك ومالك وعمرك، فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفـناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه».
أيها المؤمنون:
لا يخفى على أهـل العقول والألباب، أن كثيرا من هذه الألعاب، تنطوي على خطر عظيم، وشر جسيم، ومن الخطر الذي لا بد أن يحذر منه المسـلمون، أن أكثر هذه الألعاب، ينتجها من لا ينتمي إلى دين رب الأرباب، وقد أسسوها بما يتعارض في كثير من جزئياتها مع مبادئ ديننا الحنيف، من أفكار ومعـتقدات وسلوكات، ليصبح المرء فاقدا لهويـته، ومجانبا لقيمه، وبعيدا عن معـتقداته، قال الله جل جلاله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبـلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكـتموه»، وقد شاع بسبب هذه الألعاب أثر سلبي في بعض أبناء المسـلمين، فما حالات الانتحار التي سببـتها بعض هذه الألعاب إلا نماذج تبين هذه الخطورة، وتظهر حقيقة الشر الذي دس فيها ليتلقاه أبناؤنا فيتأثروا به دون شعور، ويتقلدوه دون تفكير، ومن الخطر الذي تنطوي عليه هذه الألعاب، أنها تحدث شرخا أخلاقيا في المتأثرين بها، فمن صوره في بعض هذه الألعاب أن اللاعب يظهر في بداية اللعبة عاريا من ملابسه، وبعضها يلزم اللاعب حتى يتجاوز مراحل اللعبة أن يقوم ببعض ما حرم الله تعالى كانتهاك المقدسات، والدخول على المومسات، وشرب الخمور ومعاقرة المحرمات، وهذا كله قد يطبع التعلق بهذه المعاصي في قلب المرء ليصبح جزءا من حياته، وقد حذر الله تعالى من ذلك فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، فأي فحـشاء أخطر من ضياع الدين، وأي منكر أشد من تمزيق ثوب الأخلاق الرصين.
أيها المسلمون:
إن مما يؤمر به المسـلم أن يكون محافظا على وقته، مغـتنما أكثره فيما يعود عليه بالنفع لآخرته، وقد قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)، لكن بعض شبابنا اليوم قد أضاعوا أوقاتهم، وفرطوا في أعـظم عطايا ربهم، وهم يحنون ظهورهم على هواتفهم، قد أداروا منها الألعاب المختلفة، وأفنوا أمامها أعمارهم المنصرمة، فلا رعاية لأبدانهم، ولا اهـتمام بواجباتهم، والأدهى أن هذا الأمر لم يقتصر على صغار السن فحسب، بل تعدى إلى بعض الآباء والأمهات، وهذا ينبئ بنتائج سلبية خطيرة على الأفراد والمجـتمعات، ومن هذه النتائج الوخيمة، تفشي المشكلات بين أفراد المجـتمع، فالأب مشتغل عن أبنائه، والأبناء منعزلون عن آبائهم، فينشأ الأبناء ويكبرون، والآباء عن تربيتهم بعيدون، وقد غفلوا أنهم عنهم مسؤولون، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سائل كل راع عما اسـترعاه، حفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهـل بيته)). وكم أورثت هذه الألعاب من حالات للشتات بين الأسر، فترى أحد الزوجين بعيدا عن شريكه منـغمسا في متاهات ألعابه والآخر يتقلب في ظلمات الوحدة فاقدا لحسن العشرة فتتنافر القلوب ويذهب ريح الزوجية بالفراق المشؤوم. ومن النتائج السلبية أيضا -يا عباد الله- وراء اللهث خلف هذه الألعاب الساعات الطوال، أن يصاب أصحابها بالتوتر العصبي الذي يؤدي إلى التضارب السلوكي والفكري فتظهر عليهم الانطوائية والانعزال، فيصبح الواحد منهم منهكا خبيث النفس كسلان غير قادر على السباق في عبادة ربه، متأخرا في عطائه لمجـتمعه، وتارة تظهر عليهم الأنانية والقسوة في أفعالهم وأقوالهم، فترى العنف في تعاملهم مع إخوانهم المسلمين، وأهـل بيـتهم المقربين، وهذا مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تؤذوا المسـلمين»، بل ربما أدى الحال بلاعبي تلك الألعاب إلى قتل أنفسهم أو قتل غيرهم كما رصدت حالات في أكثر من مكان، والمصيبة العظمى أن بعض تلك الألعاب يوهم لاعبيها بفعـل ذلك حتى يكملوا مراحلها، وهذا خطر عظيم على الفرد والمجـتمع، والله تعالى يقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).
فاتقوا الله – عباد الله -، والتزموا أوامره جل في علاه، ابدؤوا بما يصـلح آخرتكم تصـلح دنياكم، وروحوا عن قلوبكم بما لا يفسد دينكم، ولا يحملكم على معصية ربكم، وتبصروا بما يريده بكم أعداؤكم، من الشتات والفرقة والضياع في حياتكم، وإياكم وما يحول بينكم وبين سعادتكم عند لقاء ربكم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أمـا بعد، فاعـلموا يا عباد الله: أن المجـتمع بأسره مطالب أن يشارك في التوعية والتحذير من خطر الكثير من هذه الألعاب المسمومة، فالحفاظ على مقدسات الدين العظيمة، وصون الأخلاق المباركة الكريمة، التي بات بعض هذه الألعاب اللئيمة، يمس كرامتها، ويهين عظمتها، ليس محصورا في جهة من الجهات، ولا متروكا لأحد دون آخر، فليتعاون الجميع لرد خطرها تلبية لنداء الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). فعلى من بيدهم جانب الاتصالات أن يحجبوا هذه الألعاب الخطرة ويسهموا في رد خطرها عن المجـتمع، لاطلاعهم المسـبق على مكونات هذه الألعاب، ولمعرفتهم الحسن من القبيح منها، وكذا من الواجب على المربين أن ينشطوا جانب المراقبة الأبوية في أجهزة أبنائهم حتى لا يكونوا فريسة من فرائس المفسدين في الأرض، والله جل وعلا يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا). ولا ننس أن شغل أوقات فراغ الأبناء بما يعود عليهم بالنفع أمر مهم في دنياهم وآخرتهم.
فاتقوا الله – عباد الله-، وكونوا عونا لأبنائكم، وجهوهم إلى طاعة الله الغفور، واحجبوا عنهم مواطن الفساد والشرور، تنالوا كل بر ويجزل الله لكم ولهم الأجور.
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).