قضايا التجارة الأمريكية الصينية .. والنفط

آمي مييرس جافي- مجلس العلاقات الخارجية –
ترجمة: قاسم مكي –

يشعر محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) بالقلق من الحرب التجارية الأمريكية الصينية. لقد صرح لشبكة سي إن بي سي الإخبارية أن أوبك «مهمومة بالنزاعات التجارية» التي لم تحل بعد على الرغم مما يبدو من اتجاه أسعار النفط نحو الاستقرار. وكانت التقارير قد ذكرت في هذا الشهر أن مبيعات السيارات في الصين هبطت بنسبة 6% في عام 2018 في أول تدن سنوي لها خلال أكثر من 20 عاما ووسط دلائل تشير إلى احتمال تباطؤ اقتصاد الصين وتحول مشاعر المستهلكين إلى المزيد من التشاؤم.

أهمية طلب الصين على النفط

يشكل طلب الصين على النفط الذي تزيد نسبته عن 12% من إجمالي الطلب العالمي مسمار عجلة أسواق النفط العالمية. وحين يتباطأ اقتصاد الصين بقدر كبير يكون أثره على أسعار النفط أكثر إثارة وربما يقود إلى انخفاض سعر النفط إلى رقم مفرد للبرميل (9 دولارات فما دون). وهذا ما حدث في الماضي. فقد سبق أن أطلق التباطؤ الاقتصادي في الصين موجات اهتزازية عبر آسيا أدت بدورها إلى إضعاف الطلب على النفط في المنطقة. ويأمل المتعاملون في النفط وأوبك وكل أحد آخر أن تكون الخطة التحفيزية للصين كافية لتصحيح الأمور والحيلولة دون وقوع ما يخشى أن يتحول إلى ضغوط انكماشية عالمية أوسع نطاقا. لكن الوضع هذه المرة أكثر تعقيدا إلى حد أن التحفيز الصيني قد لا يستطيع معالجته. فثمة قضايا أكثر ارتباطا بالجغرافية السياسية تبدو في الأفق. وستكون هذه العوامل الجيوبوليتيكية أصعب حلا ويمكنها أن تتحول بسهولة إلى قضايا هيكلية.

انتهاء التعاون الأمريكي الصيني

يرى بروس جونز من معهد بروكنجز أن العلاقات الأمريكية الصينية تمر بنقطة تحول وصفها بأنها «نهاية حقبة التعاون الواسع». يحاجج جونز بأن استراتيجية شي جينبينج العالمية والعسكرية القاطعة إلى جانب قمعه للمعارضة الداخلية واعتقال مسلمي شينجيانج مدعاة لإعادة تقييم الموقف من الصين ليس فقط من جانب إدارة ترامب ولكن أيضا بواسطة طيف واسع من الزعماء السياسيين والأكاديميين وقادة الأعمال في الولايات المتحدة. ويجري الآن التشكيك على نحو جاد في الافتراض السابق بأن تعميق الروابط التجارية والدبلوماسية والثقافية بين الولايات المتحدة والصين سيحول الصين إلى قوة «أمر واقع» ويحرر تطورها السياسي الداخلي (يحدث فيها تحول ليبرالي). ولم تنتج مغازلة الصين للنزعة الاستهلاكية مجتمعا يتجه نحو الانفتاح. كما لم تحفز حركتها المحلية الناشئة لمناصرة القضايا البيئية على تقدم المبادئ الديمقراطية حسبما افترض في الماضي. بل ارتدت الثقافة السياسية غير المركزية التي شهدتها الصين قبل 10 أعوام إلى حكم سلطوي مركزي يدور حول زعيم قوي ألغى القيود الزمنية لمنصبه (لفترة حكمه).

تحذيرات سفر متبادلة

وكمؤشر على أن التقدم في قضايا التجارة لا يمضي في الاتجاه الصحيح أصدرت وزارتا الخارجية الأمريكية والكندية مؤخرا تحذيرا يتعلق بالسفر إلى الصين بسبب التطبيق العشوائي للقوانين المحلية واحتمال فرض قيود خاصة على المواطنين الحائزين على جنسية مزدوجة. يأتي هذا التحذير في أعقاب اعتقال مينغ وانزهو المديرة المالية لشركة التقنية الصينية العملاقة هواوي في كندا بناء على طلب من الولايات المتحدة. وكانت الشركة الصينية وهي الأكبر في مجال صناعة معدات الاتصالات في الصين تخضع لتحقيقات أمريكية حول انتهاكات مزعومة لقوانين ضبط التجارة الأمريكية مع إيران. ومن جانبها، أصدرت الصين تحذيرا مماثلا لبعض شركاتها الحكومية بتجنب رحلات العمل إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا.

خشية من الصين

اعتقال مينج وانزهو ليس أكثر من جزء بسيط فقط من سياسة أوسع نطاقا يجري تنفيذها لكبح جماح شهية الصين النهمة في الحصول على التقنيات الأمريكية الحساسة. فترامب يكرس أولوية قصوى لمقتضيات الأمن القومي الأمريكي المترتبة عن اندفاعة الصين نحو الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتقنية المعلومات وأيضا استعداد بيجينج للحصول على تقنية أمريكية حساسة بوسائل متنوعة بما في ذلك السرقة الواضحة لحقوق الملكية الفكرية. وفي العام الماضي منعت إدارة ترامب شركة برودكوم لصناعة الرقائق الإلكترونية التي تتخذ سنغافورة مقرا لها من الاستحواذ على الشركة الأمريكية كوالكوم . عزت الحكومة الأمريكية هذا المنع إلى علاقة برودكوم بكيانات أجنبية مثل هواوي. كما حظرت وزارة التجارة الأمريكية أيضا شركة معدات الاتصالات الصينية (زد تي إي) من استخدام مكونات أمريكية وسط اتهامات بأن الشركة الصينية انتهكت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وكوريا الشمالية. ثم رفعت هذا الحظر بعدما دفعت شركة زد تي إي غرامة مالية ضخمة وبدلت قيادتها ووافقت على الخضوع لإجراءات التفتيش الأمريكية للتأكد من التزامها بالعقوبات. لكن مرئيات الإدارة الأمريكية حول التجارة بين الولايات المتحدة والصين أوسع من حدود تقنيات الاتصالات مثل تقنية الجيل الخامس.

سلاسل الإمداد العالمية

الموضوع المطروح يتمثل في وجهة نظر أوسع نطاقا تتعلق بأمن سلاسل الإمداد العالمية. إذ تعتقد بعض الأصوات الأعلى صخبا في جدل الإدارة الأمريكية الداخلي حول السياسة التجارية أن على الولايات المتحدة تقليص الاعتماد على الصين فيما يخص سلاسل الإمداد الأمريكية والعالمية. ترى هذه الأصوات أن مبادرة الحزام والطريق الواسعة الأبعاد والمتعلقة بالبني الأساسية وكذلك سياسة الصين الصناعية (خطة الصين 2025) يمكن أن يهددا قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موثوقية التجارة العابرة للحدود وتنافسيتها من حيث التكلفة وهي التي يعتمد عليها اقتصاد وجيش الولايات المتحدة. ويمكن أن تترتب عن عرقلة سلاسل الإمداد العالمية التي تغذي الولايات المتحدة نتائج خطيرة لاقتصادها ووظائفها وتنافسية شركاتها كما اتضح مثلا لمؤسسات الأعمال التي كانت تعتمد على مكونات صناعية تنتج في فوكوشيما باليابان عندما ضربها إعصار تسونامي عام 2011. كذلك يمكن أن تتأثر القوات المسلحة الأمريكية بالانقطاعات في سلسلة الإمداد التي لها صلة بمواد ومنتجات من الصين خصوصا المعادن الإستراتيجية. لقد شرع المحافظون في إثارة الضجيج حول هذه المخاطر. من جانبها أثبتت مبادرة الحزام والطريق الصينية أنها آلية فعالة لبيجينج في الحصول على إمكانية الاستثمار في الموانئ وبنيات النقل الأساسية الأخرى. فحوالى 70% تقريبا من حركة الحاويات العالمية تنساب عبر موانئ إما تملكها أو تستثمر فيها، بحسب مسح أجرته صحيفة الفاينانشال تايمز اللندنية. لكن استثمارات الصين في أنشطة اللوجستيات لا تقتصر على الموانئ البحرية والمستودعات. فهي أيضا تغطي البنيات الأساسية للطاقة وخطوط الأنابيب والنقل بالشاحنات والسكك الحديدية والمطارات وصناعة بناء السفن. لقد اضطرت الولايات المتحدة إلى الرد (على التمدد الصيني) بإنشاء صندوق خاص للبنيات الأساسية رغم عدم تحبيذ الرئيس ترامب في السابق لبرامج العون الأجنبي. لكن ليس واضحا أن الولايات المتحدة سيكون بمقدورها مواجهة الدمار المالي الفادح الذي يمكن أن يتسبب فيه تعثر مشروع بنية أساسية صيني رئيسي في العالم النامي (يمول) خصوصا بصفقات النفط مقابل القروض بأمريكا اللاتينية وإفريقيا (في هذه الصفقات تقدم الصين قروضا لبلدان مصدرة للنفط مقابل سدادها بشحنات نفط عند سعر السوق – المترجم). من المهم إدراك هذا السياق الواسع للأمور عند تقييم الكيفية التي يمكن أن تتقدم بها المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين في الأسابيع القادمة.

النفط النفط

الانقطاع المؤقت للنزاعات بين البلدين خبر سعيد لمصدري النفط لكنه يمكن أن يخفي مشاكل أكبر في المستقبل. فإذا كانت الولايات المتحدة تفكر في الكيفية التي تنهي بها اعتمادها على سلاسل الإمداد الصينية يمكن أيضا افتراض أن الإستراتيجيين الصينيين يفعلون نفس الشيء. وهذا خبر سيئ لشركات النفط والغاز الأمريكية التي تعتمد على الصين كزبون منتظم لصادراتها المتزايدة. بلغت واردات الصين من النفط الخام الأمريكي 377 ألف برميل في اليوم في السبعة أشهر الأولى من العام الماضي. لكنها كانت صفرا بحلول شهر سبتمبر من نفس العام. وهذا من بين إجمالي صادرات النفط الخام الأمريكية التي تصل إلى 2 مليون برميل في اليوم وإجمالي الواردات الصينية التي تبلغ 9.6 مليون برميل في اليوم. أما المبيعات الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال فتساوي 4% فقط من إجمالي الواردات الصينية والتي بلغت 1.53 مليون طن في عام 2017. ولكن الصين تشكل ثالث أكبر سوق لبائعي الغاز الأمريكي. ويتوقع مصدرو النفط والغاز على السواء أن تكون مبيعاتهم إلى الصين في المستقبل أعلى بكثير. كما يعتبر الوصول إلى السوق الصينية بالغ الأهمية أيضا لمشروعات تصدير الغاز الطبيعي المستقبلية في جانبي التمويل والطلب النهائي. ويزيد استمرار أوضاع عدم اليقين حول قضايا التجارة الأمريكية الصينية من صعوبة نجاح مساعي مروجي صادرات الغاز الطبيعي الأمريكي للدفع بصفقات تتغلب بها على مبيعات الغاز القطري والروسي قبل الحلول الوشيك لموعد تجديدات العقود لعدة سنوات قادمة. ما يمكن أن يؤذي الصناعة الأمريكية في المستقبل ليس فقط فرض المزيد من الرسوم الجمركية أو حتى تباطؤ الطلب الصيني على النفط والغاز بصفة عامة رغم أن هذين العاملين سيمثلان مشكلة للمنتجين الأمريكيين. لكن أيضا حقيقة أن الطلاق الأمريكي الصيني كلما كان أكثر خشونة( فيما يتعلق بسلاسل إمداد التقنية والبنية الأساسية للوجستيات) كلما ضعف إحساس الصين تلك الأيام التي كانت فيها إمدادات الطاقة الأمريكية والكندية للصين تبدو من بين المصادر الأكثر أمانا قد انتهت، على الأقل في الوقت الحاضر. وهذا الوضع يقلل في نظر الشركات الصينية من قيمة العقود التي تبرمها لفترات تتراوح بين خمسة إلى عشرة أعوام مع الشركات الأمريكية حتى إذا اقترنت بهذه الصفقات دعوات للمساهمة في رؤوس أموال منشآت الإنتاج (الشق الأعلى) أو التصدير. ومن الممكن أن يتيح إعلان هدنة مؤقتة في الحرب التجارية بين البلدين إرسال شحنات فورية من النفط الأمريكي إلى الصين. لكن من الصعب أن توحي مثل هذه الهدنة بالثقة اللازمة للدخول في التزامات تعاقدية لفترات أطول. وسيكون لزاما على مصدري النفط والغاز الأمريكيين التحول إلى أسواق أخرى. من أول وهلة يمكن أن يبدو مثل هذا التحول خبرا سعيدا لروسيا والسعودية. إذ سيكون من اليسير عليهما بيع مواردهما من الطاقة إلى الصين. لكن يمكن أن يفضي التفكيك الوئيد للروابط التجارية الكثيفة بين الولايات المتحدة والصين إلى انطلاق رياح عكسية ( حدوث تباطؤ كبير) في الاقتصادين الأمريكي والصيني في آخر المطاف. ومع شروع السوق في الانتباه إلى هذا الخطر سيصبح ارتفاع سعر النفط أكثر صعوبة حتى مع خفض الإمدادات. لقد عبر باركيندو الأمين العام لمنظمة أوبك عن «تفاؤل حذر» بشأن التوصل إلى حل مفيد للنزاعات التجارية الأمريكية الصينية. كلا البلدين يريدان ذلك. لكن من المحتمل أن يستغرق بلوغ ذلك وقتا طويلا.