كاتب ذاق الصبر – محمد العريمي.. حلق بفكره ونسي إعاقته

حوار- نهال العريمية
فتى لم تمنعه بيئته الصحراوية من الاكتفاء بالعلم تحت ظل شجرة، بل تنقل لطلب العلم كما يتنقل أهل البادية من مكان إلى آخر. سافر من بلاد إلى آخر طالبا للعلم، حيث كافح من اجل العلم واضطر إلى العمل لكي يتمكن من التعلم والوصول إلى ما يتمناه، لم يكتف من العلم في الدول العربية، فاتجه إلى الغرب لطلب العلم، تعرف على ثقافات وحضارات متنوعة، خاض حروب المسافات والغربة من اجل التسلح بالعلم، بيئته الصحراوية أعطته التمرد والاعتماد على النفس والانطلاق نحو الأهداف.
محمد بن عيد العريمي ولد في عام 1954 بوادي المر بالمنطقة الشرقية في السلطنة، أنهى دراسته الأساسية متنقلا بين مدن الخليج العربي، بدأ من صور ثم مسقط حيث التحق بالمدرسة السعيدية، وقطع بعدها البحر ذاهبا إلى المملكة العربية السعودية بالتحديد مدينة الخبر، ثم إلى الكويت حيث تعلم وخاض تجربة العمل في مجالات متنوعة، ثم اتجه إلى أبوظبي، وعاد إلى الكويت مرة أخرى، ثم توجه إلى الدوحة، بعدها قرر الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتكملة الدراسة الجامعية، حيث نال شهادة بكالوريوس علوم في الهندسة الصناعية عام 1981.
التحق بالعمل لدى شركة تنمية نفط عمان، وتعرض عام 1982 لحادث سير وهو في طريقه إلى موقع عمله بحقول النفط بالصحراء العمانية، مما أسفر عن إصابته بشلل رباعي، وهنا بدأ مشواره الكتابي بعد التغير الهائل الذي طرى على حياته، التغير الذي غير موازينه وخططه المستقبلية، وبعد الحادث الذي غير حياة محمد العريمي ذهب للعلاج والتأهيل، ومن ثم عاد للعمل في الترجمة بالشركة ذاتها ولا يزال.
سأكتفي بذكر هذه المعلومات لكي تلقوا نظرة على كتاب «مذاق الصبر» الذي يتحدث عن مشاعر الكاتب وتجاربه، والصعوبات التي واجهها في بداية إصابته، واللحظة التي اكتشف فيها بأن حياته اتخذت مسارا غير المسار الذي كان يتمناه. لحظات الضعف والقوة ومشاعر الألم والصبر، الإيمان بقضاء الله وقدره، مشاعر متضاربة ولكن لا بد من وجود الصبر والقوة.

  • كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟
    أجدُ في الحديثِ عن تَجْرِبَة الكتابةِ حرجاً، فليس بوسعي التعبيرَ عن شكلٍ محددٍ لملامحِ نصوصي الأدبية، ولا استطيعُ بما أنجزتُ حتى الآن، وهذا ليس تقليلا من شأنِ ما كتبتْ، من وضع إطارٍ تعريفيٍّ يحددُ السِّماتِ التي تُميز اشتغالي السردي والمقالي المتواضعين.
    بعد تعرضي لحادث سير وأنا في طريقي إلى موقع عملي بحقول النفط في الصحراء العمانية، الذي أسفر عن إصابتي بإعاقة حركية، عدت للعمل بالشركة، ولكن تعذر عليّ الاستمرار في وظيفتي السابقة كمهندس، فوجدت نفسي فجأة وسطَ كومة من الأوراق والمعاجم اللُغَوِيَّة والأقلام وآلة طباعة في وظيفة مترجم، مَهَمّةَ لم تخطر لي على بال حين اخترتُ الهندسة تخصصا للدراسة ومن ثَم مجالاً للعمل.
    لم تقتصر المشكلة على مُطالبتي بأداء وظيفة لا أعرف عنها شيئا، لكن القدرة على استخدام أدوات إنجاز هذه المهمة شكلت عائقا آخر، فأنا لا أستطيع مسك القلم ولا استخدام أصابعي للضغط على مفاتيح الآلة الكاتبة، وللتغلب على هذه المعضلة، وجدتُ الحل في حزام من جلد له جيب يَدخلُ فيه نصف قلم ويثبت حول الكف بمشبك «فالكرو».
    في البداية، وجدَ زملائي الذين يراجعون ترجمتي أو يطبعونها صعوبة بالغة في قراءة خطي، ويمضون الكثير من الوقت في فك طلاسم خط يدي، لذلك أخذت أتمرن على استخدام تلك الأداة عدة ساعات يوميا حتى بلغت مستوى أقرب في الشكل والسرعة لما كان عليه خط يدي قبل الحادث.
    وبعد 20 عاماً من عملي كمترجم، وسعيي المُسْتَمر خلالها لتحسين أدائي، اكتسبتُ بَعْضَ أدوات الكتابة، فكتبت «مذاق الصبر» وأنا في الخامسة والأربعين من العمر، وهكذا دخلت عالمَ الكتابة متأخراً جداً، إذ لم أكْتُب شيئا يُعتدُ به قبل إصداري الأول.
  • لمن يقرأ محمد بن عيد العريمي؟
    أقرأ لنجيب محفوظ، وبهاء طاهر، وحنا مينا، وعبدالرحمن منيف، وعبده خال، وماركيز، وبولو أكويلو.
  • ما رأيك في الرواية العمانية؟ وماهي أبرز الأسماء التي لفتت نظرك؟
    الرواية العمانية ما زالت في بداياتها، لكن هناك أسماء جديرة بالذكر: سليمان المعمري، وعبدالعزيز الفارسي، وحسين العبري.
  • ماذا أضافت جائزة الإنجاز الثقافي إلى الكاتب محمد عيد؟
    الجائزة اعتراف من قبل هيئة تمثل الكتّاب أنفسهم، بالإضافة إلى كتاب اشتمل على شهادات كثيرة كتبها الأصدقاء والكتاب والنقاد.

السيرة الذاتية

  • ماهي غايتك من كتابة «مذاق الصبر»؟
    كانت غايتي من خلال عرض تجربتي مع الإعاقة إطلاع الآخرين على «ماذا يعني أن يجد الإنسان نفسَه فجأة وقد فقد الإحساس في أجزاء كثيرة من جسده، وأنه لا يقوى حتى على حك أنفه، كما أردت التوضيح أن التصالح مع الإعاقة لا يعني قبول شروطها والرضوخ لتبعاتها، وإنما يعني توظيف تلك التبعات والشروط لتعزيز مقومات شخصية تصر على حقها الكامل وغير المنقوص في الحياة».
    «مذاق الصبر» مُحَاوَلَة لإثارة الانتباه وإزالة طنين الأسئلة تلك التي تدور في رؤوس بعض الناس، الأقارب منهم قبل الأغراب، ممن يفترضون أن الإنسان المعوق لا يحتمل السؤال، وليس لديه الرغبة ولا الاستعداد للإجابة على تساؤلات يترددون في طَرحِها تفاديا للإحراج.
    لم يأتِ البوح في «مذاق الصبر»، بعد عشـرين عاما من الصمت، تماهيا بالذات وتعـزيزا للأنـا داخلها، وإنما أردت كشف تَجْرُبَتي كما عشتُها بتجلياتها المختلفة، بما فيها من لحظات ألم وحزن، ضعفٍ وخوف، وحلم وأمل بغض النظر عن نوعية اللغة ورنين الكلمات، كنت معنيا بالمضمون قبل عنايتي بالشكل، فموضوع النص يفرض الابتعاد عن الانشغال بالبحث عن جماليات وبلاغات وزخارف لا تضيف شيئا.
  • كيف كتبت «مذاق الصبر»؟
    جئت في توطئة الكتاب على أسئلة ظننت أني أستطيع من خلال إجاباتها فتح آفاق ورؤى تتيح لي رسم الخطوط العريضة لما أنا بصدده، وكان أبرز هذه الأسئلة وأكثرها إلحاحا هي: ماذا تستطيع الكتابة أن تفعل؟ وهل فعل الكتابة قادر على نقل نَبض الألم وتَرْجَمة بؤرة التوتر الداخلي؟ وما جدوى الكتابة عن تَجرُبَة شخصية يفترسها الضنا وتهيمن عليها القسوة ويعتصرها الألم؟ هل في الحديث عنها ونَقلها إلى الآخر واطلاعه على تفاصيل تَبَعاتِها على الروح والجسد، ومشاركته أوْجَاعَها وتبيان كيفية الانتصار عليها ما يُفيد ويُمتع؟
    لقد أدركت منذ البداية صعوبة التعبير، من خلال هذا النوع من الكتابة، عن خصوصية تجربة الإعاقة بغية كشف مختلف مكامنها المظلم منها والمشرق، في بيئة مثقـلة بقيود ومُحَرَّمات اجتماعية كثيرة وفي ظل غياب موروث اجتماعي ثقافي يُبيح هذا النـوع من الكتابة دون الانحراف عن مصداقية البوح.
    فكما هو معروف عن السيرة الذاتية، وإن كانت تنتمي إلى جنس الرواية غير أنها تختلفُ عنها في بعض الجوانب، ولعل أهم أوجه الاختلاف هو أنها تقوم على الصدق، ومتعتُها تكمن في البوح المباشر للكاتب، أي أنها تحكي القصة الحقيقية لكاتبها أو من كُتِبَتْ عنه. وهي، إذ ذاك، استعادة حرفية للواقع بكل أبعاده.
    أن تكتب سيرَتَك الذاتية يعني أن تكون مستعدا لتعرية نفسك، صادقا معها لكي يُصَدِّقَك الآخرون، وأن تعرض تفاصيل من حياتك ليطلع عليها الغير أيا كان نوعه، بينهم المتعاطف الباحث عن الحقيقة، والشغوف بمعرفة خصوصيات الآخرين، وبينهم أقرب الناس إليك ولعلهم الأقدر على تأكيد صِدْقُ شهادتك. لذلك توقفت كثيرا وطويلا أمام بعض جوانب التجربة التي لم يكن من السهل تناولُها من دون النظر إلى مواقف من كانوا أطرافا فيها. فـ«السيرة الذاتية»، وإن كانت أساسا عن حيثيات النفس، إلا أنها تتقاطع مع تجارب آخرين وعلاقة المرء بهم.
    وكان عليّ المفاضلة بين خيارات صعبة، بين «التخفي» وراء صور بلاغية لا تؤكد الشـيء ولا تنفيه، أو «انتقاء» مَشَاهِد بذاتها ولو كان ذلك على حساب «مصداقية» السرد، أو قول «الصدق» مهما كان جارحا أو محرجا، وبعد طول تفكير قررت أن أمارس الصدق مادام هذا الصدق لا يعني أحدا سواي، ولا يحَرجُ أو يَجرحُ غيري من الناس، الأمر الذي حجب جوانب من حياتي لم يكن من حقي الحديث عنها، وهذا ما عاتبني عليه بعض أصدقائي.
  • ماهو رد فعل القراء على كتاب مذاق الصبر؟
    في البداية اعتقدت ان الكتاب سيترك انطباعا جيدا عند من هم في وضعي الصحي والمحيطين بهم، لكن تفاجأت بردود أفعال كبيرة من القراء والصحافة والنقاد. حيث اُستقبل «مذاق الصبر» منذ الأسابيع الأولى لتوزيعه بحفاوة أثارت دهشتي. وكنت كلما قرأت إطراءً أو سمعته أجد نفسي مدفوعا إلى تصفح مخطوطة الكتاب الأخيرة، التي أشعر بألفة أكثر معها، بحثا عن أسباب هذا الحضور الذي حظي به الكتاب في نفوس مبدعين وقراء كثر على مختلف مشاربهم، ولقد تلقيتُ وما زلت، بعد مرور سبعة عشـر عاما على صدور الكتاب، رسائل كثيرة من القراء تعبر عن إعجابهم بالكتاب!
    ولعل من الأشياء التي لم تخطر لي على بال، وأنا أكتب «مذاق الصبر» أن تكون إحدى مكاسب نشـره تذكُّر بعض أصدقائي القدامى أني ما زلت حيا أتنفس، فوجدت نفسـي محل حفاوة بالغة من أصدقاء ومعارف كثر، ومن آخرين ما ظننت يوما أني سأحظى بشرف التعرف عليهم.

«يونس حيم»
صدر للكاتب محمد عيد العريمي العديد من الروايات ومنها رواية «بين الصحراء والماء» ، و«حز القيد»، «يونس حيم»، ورواية «شهادة من زمن الحرب»، وصدر له مجموعة قصصية بعنوان «قوس قزح».

  • شدني اسم رواية يونس حيم فسألت الكاتب ماذا يعني تونس حيم؟
    العنوان «تونس حيم» مستوحي من اسميّ قريتين تقعان على يمين طريق العامرات- قريات، وكان اسماهما مكتوبين على لوحة واحدة، حيث تظهر «تونس» في الأعلى و«حيم» أسفلها، فتقرآ «تونس حيم». أعجبني الاسم فوظفته في الرواية بعد أن سحبت نقطتي التاء أسفلها، فغدت «يونس»، ولسكان القريتين دين علي!
    بصدور رواية «شهادة من زمن الحرب» عام 2015 يكون الكاتب محمد عيد العريمي قد أنجز خلال مسيرته المتواضعة في المشهد الأدبي العماني، الذي دخله متأخراً جداً، وهو في سن 45 عاماً، ستة كتب سردية بين القصة والسيرة والرواية، يتنوع متنها الحكائي بين الاجتماعي، والعاطفي، والسياسي، بالإضافة إلى ترجمته للرواية العالمية «مزرعة الحيوان».
    كاتبنا لم يسمح لإعاقته من سجنه بين اربع جدران، بل صنع أجنحة لنفسه وحلق بفكره وخياله الواسع إلى كتابة روايات وقصص متنوعة. صارع الإعاقة البدنية بالعقل، فهو مؤمن بأن الإعاقة التي يمكن ان تدمر الإنسان هي إعاقة العقل وليس الجسد.