وتر: أحنّ لاعِوِجاج حرفي

شريفة بنت علي التوبية –

حينما ألحّت علي فكرة هذا المقال، كنت أبحث عن قلم كي أسجلها به، لكن القلم لم يكن موجوداً، لذلك كتبتها وحفظتها في صفحة الملاحظات بهاتفي حتى يحين الوقت لنقلها وإعادة كتابتها لتصبح صالحة للنشر، وأنا أعيد كتابة الفكرة تذكرت أني منذ زمن طويل لم أكتب مقالاتي ونصوصي بالقلم، ومنذ فترة طويلة لم أستخدم القلم إلا في بعض الأعمال المكتبية السريعة التي تتطلب ذلك.
أذكر أني كنت أحتفظ بقلم ومذكّرة صغيرة في حقيبة يدي، ولكني مع الأيام اكتشفت أني ما عدت أحتفظ في حقيبتي سوى بقلم الكحل، رغم الأقلام الموجودة بأشكالها المختلفة على طاولة الكتابة، والتي أحرص على شرائها خصوصاً كلما زرت محلا لبيع القرطاسية مع أولادي، فرغم كل شيء ما زال منظر الأقلام يغريني، ما زلت أحب القلم وأحن إليه رغم أني استبدلته بحبيب آخر، وهو الهاتف وأجهزتي الإلكترونية الأخرى التي أصبحت تعينني بشكل أسرع على كتابة وحفظ أفكاري بشكل مرتب وأنيق، لكني أعترف أني فقدت نصف اللذة ونصف السحر الذي كنت أعيشه وأنا أكتب.
لم يعد هاتفي مجرد أداة تواصل مع الأصدقاء أو البوم للصور، لقد أصبح هاتفي هو قلمي ودفتري والمهد الأول لكثير من الأفكار والمقالات والنصوص التي أسجلها في لحظتها الأولى خشية فقدها، لكن شيء مني قد فُقد، شيء مني يحن إلى شيء آخر أثناء الكتابة، والحنين قد لا يكفي للعودة إلى ما تركناه خلفنا، نعم ما زلت أكتب بنفس الشعور الصادق الذي لا يمكن أن أتجاوزه في تلك اللحظة، ولكن ما مضى كان أجمل، فالكتابة غدت مؤطّرة بإطار إلكتروني جامد، وغدا كل شيء قابل لأن يختفي بمجرد لمسة خاطئة على المفتاح الخطأ أثناء الكتابة. أعترف أني فقدت بعض مكونات الخلطة السحرية التي تضيف للكتابة نكهتها ومذاقها وإحساسي بها، فقدت شعوري بملمس الورق، وصوت موسيقى القلم ورائحة الحبر وتدفقه على بياض الورق، فقدت جمال الحرف وأنا أخطه رسماً بالقلم على ورقة بيضاء أو مسطّرة، وإن كان خطي هو الأسوأ بين الخطوط، لا يلتزم بخط مستقيم ويتجه في غير مساره الصحيح، وغير مقروء حتى بالنسبة لي، لكني ما زلت أحن لاعوجاج الحرف على بياض الصفحة، وكم عاودني الحنين لأن يكون مقالي اليوم مكتوباً بخط القلم، ولكن ها أنا أخطه لكم من خلال لوحة المفاتيح في جهازي الصغير عبر شاشة مسائية مضاءة لتقرأونه ربما من خلال شاشة مشابهة.