تيريزا ماي والخيارات الصعبة

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

تواجه رئيسة الحكومة البريطانيه تيريزا ماي خيارات صعبة في أعقاب المعارضة الكاسحة من قبل مجلس العموم البريطاني على خطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي المزمع حدوثه يوم 29 من شهر مارس القادم ورغم افلات ماي من التصويت على حجب الثقة الذي دعا له زعيم حزب العمال جيرمي كوربين الا ان المأزق لايزال متواصلا من خلال الخطة البديلة من قبل ماي التي سوف تطرح مجددا على مجلس العموم للتصويت يوم 29 يناير الحالي.
وعلى ضوء الأصوات التي خرجت من قيادات الاتحاد الاوروبي فان نجاح الخطة البديلة لماي قد تحظى بالقبول الأوروبي مما يجعل الامور اكثر تعقيدا في ظل الضغط المتواصل من حزب العمال المعارض وعدة احزاب بريطانية اخرى.
وعلى ضوء المأزق الحقيقي الذي تواجهه تيريزا ماي رئيسة الحكومة البريطانية فان ثمة سيناريوهات محتملة قد تغير المشهد السياسي في المملكة المتحدة ومنها الدعوة الى انتخابات مبكرة واستقالة حكومة حزب المحافظين التي تترأسها ماي.
وفي ظل تلك المعطيات بدأت الصحافة البريطانية تطرح عددا من الشخصيات السياسية المحتملة لخلافة ماي وفي مقدمتهم وزير الخارجية السابق بوريس جونسون علاوة على ان زعيم حزب العمال جيرمي كوربين يطمح في خلافة ماي، ومن هنا فان مسألة الخروج البريطاني من عضوية الاتحاد الأوروبي دون اتفاق سوف يسبب مشاكل قانونية وسياسية ومالية كبيرة.

الخطة البديلة

قبل عدة ايام من مناقشة مجلس العموم البريطاني للخطة البديلة والتي سوف يتم التصويت عليها فان هناك مؤشرات بأن تلك الخطة قد يتم الاعتراض عليها بأغلبية نسبية وحتى في حال تمريرها فان الاتحاد الأوروبي قد يرفض اي تعديلات على الخطة الأولى التي أسقطها البرلمان البريطاني بفارق 230 صوتا وهي تعد اكبر هزيمة لأي حكومة بريطانية منذ عقد العشرينات من القرن الماضي.
ان تمرير الخطة البديلة سوف يعتمد على المشاورات المتواصلة بين تيريزا ماي وقادة الأحزاب السياسية وقد يتم تمرير الخطة ولكن في حال سقطت الخطة مجددا فان الخيارات أمام ماي ستكون في غاية الصعوبة وقد لا تجد خيارا سوى الاستقالة والدعوة الى انتخابات مبكرة، وهو الأمر الذي سوف يسبب أضرارا سياسية كبيرة لحزب المحافظين. اما الخيار الآخر امام ماي فهو الدعوة الى اجراء استفتاء اخر للشعب البريطاني للبقاء في الاتحاد او تأكيد الخروج، كما حدث في الاستفتاء الأول ومن هنا فان الخيارات أمام ماي تضيق بشكل كبير.
الانقسام السياسي في البرلمان او على مستوى الأحزاب البريطانية وحتى المجتمع المدني واضح ويبدو ان الخطة البديلة في حال رفضها من مجلس العموم فان ذلك سوف يضع ماي في موقف معقد حتى أمام حزبها، كما ان ذلك سوف يجعل قادة الاتحاد الأوروبي اكثر تمسكا بعدم التفاوض على خطة بديلة.

الخروج بدون اتفاق

من الخيارات المطروحة في حال فشلت كل المبادرات وفي مقدمتها موضوع الخطة البديلة سواء في مجلس العموم يوم 29 من الشهر الجاري او تجدد الرفض الأوروبي لإعادة التفاوض فان الخروج البريطاني دون اتفاق قد يكون مطروحا أمام ماي، وهي مغامرة سياسية قد تؤدي الى مشكلات تخص ايرلندا الشمالية على وجه التحديد والتي تريد البقاء في السوق الأوروبية الموحدة او الاتحاد الجمركي علاوة علي موضوع الحدود بين ايرلندا الشمالية وهي جزء من المملكة المتحدة وجمهورية ايرلندا العضو في الاتحاد.
كما ان الموقف الإسكتلندي الغامض، حيث عارضت حكومة ادنبرة الخروج من الاتحاد قد يتصاعد في ظل الموقف المعارض لرئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستيرجن للخروج من الاتحاد الأوروبي التي هددت بعمل استفتاء للإسكتلنديين للبقاء ضمن المملكة المتحدة او الانفصال عنها وهي نغمة إسكتلندية قديمة لأسباب تاريخية بعد ان خسروا استفتاء عام 2014. وقد صوتت اسكتلندا بأغلبية 62 في المائة لصالح البقاء في عضوية الاتحاد الاوروبي.
اذن المازق اليريطاني معقد ليس فقط على مستوى رئيسة الوزراء ماي ولكن هناك اقاليم بريطانية قد تتخذ مواقف سلبية في ظل مصالحها مع البقاء ضمن الاتحاد الاوروبي وعلى ضوء تعقد المشهد السياسي في لندن فان التصويت على الخطة البديلة لرئيسة الوزراء تيريزا ماي اواخر الشهر الجاري سوف تكون اولى تلك المشاهد المرتقبة للراي العام البريطاني والاوروبي.
فعملية خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي أصبحت في غاية التعقيد وهناك استغلال سياسي واضح من قبل حزب العمال لذلك المأزق وهو من الناحية السياسية مشروع في ظل الانقسام الحزبي وحتى على مستوى الصحافة البريطانية المؤثرة.
إذن الخروج دون اتفاق وهو الخيار الأخير سوف يكون مكلفا سياسيا واقتصاديا وحزبيا وهو امر تدركه تيريزا ماي وحزب المحافظين.

الرفض الأوروبي

هناك تساؤلات مطروحة حول التشدد من قيادات الاتحاد الأوروبي في مسألة خروج بريطانيا وهناك توافق في اغلب الآراء بان السلوك الأوروبي يعطي رسالة واضحة لبقية الأعضاء في الاتحاد بأن أي تفكير بالانسحاب سيكون مكلفا ماليا وحتى سياسيا ولعل ذلك يفسر التشدد الألماني والفرنسي بشكل خاص.
ورغم الاجتماعات المتكررة لرئيسة الوزراء البريطاني مع قيادات الاتحاد الأوروبي في بروكسل فان خيبة الأمل كانت واضحة لمساعي وجود ماي بالخروج باتفاق معقول يمكنها من تمريره في مجلس العموم البريطاني وهو ما يضع مستقبلها السياسي على المحك.
الرسالة الأوروبية الأخرى هي ان عدم التشدد مع خروج بريطانيا قد يفتح المجال لانسحابات اخرى وهو الأمر الذي قد يؤدي الى تفكك الاتحاد الأوروبي وهو الأمر الذي لن تسمح به برلين وباريس باعتبارهما اهم قوتين اقتصاديتين في أوروبا بعد خروج بريطانيا المتوقع.
كما ان وجود أوروبا موحدة وقوية تعطي إشارة للولايات المتحدة على الضفة الأخرى من الأطلسي حيث التوجهات الأوروبية للاستقلالية الدفاعية من قبل تأسيس منظومة دفاعية، كما اقترح ذلك إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا وبالتالي كل تلك المعطيات السياسية والاستراتيجية جعلت بريطانيا وخاصة رئيسة الوزراء تدفع الثمن في حال أصر الأوروبيون على موقفهم وشروطهم الخاصة بخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد، وهذا أمر يدفع القوى السياسية البريطانية للدخول في جدل سياسي كبير وانقسام في الرؤية السياسية وهذا الأمر سوف يضعف موقف ماي مع الدعوات من قبل حزب العمال البريطاني الى اجراء انتخابات مبكره للخروج من المازق الحالي.

هل تستقيل ماي؟

الصحافة البريطانية خاصة ذات التوجه اليساري والقريبة من حزب العمال تطرح فكرة الانتخابات المبكرة، كما ان طرح شخصية بوريس جونسون كرئيس وزراء محتمل بديلا عن ماي يشكل ضغطا علي رئيسة الحكومة البريطانية، كما ان بعض الإشكالات داخل حزب المحافظين قد يدفع بماي الى الاستقالة خاصة إذا فشلت كل الخيارات والتي تمت الإشارة إليها.
وعلى ضوء المشهد السياسي في المملكة المتحدة فان كل الخيارات مطروحة، وقد تنجح تيريزا ماي في تمرير الخطة البديلة ليجد قادة الاتحاد الأوروبي انفسهم راغبين في مفاوضات اقل حدة مع ماي للتوصل الى اتفاق يرضي كل الأطراف ويكون هناك خروج آمن لبريطانيا. وبدون تمرير الخطة البديلة من مجلس العموم يوم 29 يناير الحالي فان رئيسة الوزراء البريطانية قد تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ الخيار الأصعب وهي الاستقالة والدعوة الى انتخابات مبكرة.