عاصفة البريكسيت إلى أين تمضي؟

إميل أمين – كاتب مصري –

لاينتظر الأوروبيون فقط نتائج البريكسيت، ذلك أن انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل ستكون محددة لتوجهات الرياح الأوروبية، وهل تمضي لجهة التنوير من جديد أم أنها ستسير وراء الشوفينيات والعصبيات على غير هدى.

وقت ظهور هذه الكلمات للنور، سيكون مجلس العموم البريطاني في طريقه للتصويت على الخطة البديلة للخروج من الاتحاد الأوروبي وذلك بعد ان صوت مجلس العموم من قبل بالرفض على الخطة التي اتفقت عليها رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي بأغلبية 432 نائبا مقابل 202 .
والشاهد انه قبل الدخول في عمق تحليل المشهد البريطاني في تقاطعاته وتسارعاته مع الاتحاد الأوروبي والبقاء او الرحيل، هناك أسئلة تطل برأسها من نافذة الأحداث، في أولها ومقدمتها ما الذي جرى لفكرة الاتحاد التي كانت حلم سعى الأوروبيون من اجل تحقيقه عقودا طوالا، والآن بعدما تحقق الحلم هاهم دولة تلو الأخرى ينسحبون منه وبشكل غير متوقع، فهل فقد الاتحاد أهميته ام ان الفكرة في حد ذاتها كانت يوتوبية طهرانية، اكثر مما يمكن تحقيقه، والآن وبعد نحو عقدين من الاندماج يأتي زمن انفراط عقد الاتحاد؟
مهما يكن من امر الحديث عن مستقبل الاتحاد فان ما يجري في بريطانيا يعطي بشكل او بآخر إشارات للمستقبل لاسيما في ظل العاصفة التي تدور بين فريقين منهم من يرفض صفقة تريزا ماي ومنهم من يقبلها، الأمر الذي فتح الباب لسيناريوهات واسعة في الأيام القليلة القادمة .
والشاهد انه حينما نقول بأن المشهد يشبه العاصفة فان ذلك لايتجاوز الحقيقة سيما وان الانسحاب البريطاني يتقاطع مع مصالح مواطنين وشركات أوروبية اخرى، ولهذا ترى المفوضية الأوروبية انه من الضروري والعاجل اعتماد هذه التدابير لضمان إمكانية تطبيق خطة الطوارئ في 30 مارس 2019 من اجل تقليل الأضرار .
قبل تصويت اليوم زاينا «جيريمي كوربين» زعيم حزب العمال البريطاني المعارض يتحرك خطوة للأمام في اتجاه تمهيد الطريق أمام استفتاء ثان حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي عبر محاولة استغلال مجلس العموم، وذلك بعد فشل تيريزا ماي في تمرير خطتها للخروج البريطاني من الاتحاد « البريكسيت » … ما الذي اقترحه «كوربين» ؟
اقترح زعيم ابرز أحزاب المعارضة ان يمنح النواب فرصة للتصويت حول إمكان اجراء استفتاء ثان، وذلك في إطار سلسلة حول مقترحه لتجنب الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق . ومعلوم ان حزب العمال كان قد طرح تعديلا برلمانيا يطلب من الوزراء ان يسمحوا لمجلس العموم بمناقشة السبل الممكنة لتفادي البريكست بدون اتفاق عند حلول موعد الخروج في مارس المقبل .
وتتضمن المقترحات احتمال ان تعيد ماي التفاوض على اتفاق الخروج لإدخال بند اتحاد جمركي جديد بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وبناء علاقة قوية مع السوق الموحدة الأوروبية وتتضمن التعديلات أيضا اقتراح « اقرار تصويت شعبي على الاتفاق او المقترحات»، ويدعم غالبية النواب هذا المقترح …
هل يمكن لمقترح الاستفتاء الثاني أن يلقى تجاوبا ؟ بعد رفض النواب بأغلبية ساحقة الاتفاق الذي طرحته ماي لاتزال رئيسة الوزراء مقتنعة أنها قادرة على انفاذه ، ووعدت بأن تعيد التفاوض مع بروكسل للحصول على مزيد من التنازلات من الجانب الأوروبي في محاولة منها لإقناع المنتقدين ، الأمر الذي لقي ترحيبا من الداعمين لوضع حد لبريكست بشكل نهائي من خلال فكرة تداول مقترح الدعوة لاستفتاء ثان ..
الى أين تمضي ماي في كل الأحوال ؟
يمكن القول إنه بعد نجاحها في اجتياز التصويت الخاص بسحب الثقة من حكومتها بعدما صوت لها 325 عضوا ضد 306 تتهيأ تيريزا ماي اليوم من اجل طرح الخطة البديلة للبريكسيت … ماهي ملامح تلك الخطة ؟
هذا ماسوف تكشفه اليوم ماي في جلسة البرلمان البريطاني بعدما رفض النواب الاتفاق الذي توصلت له مع القادة الأوروبيين بعد مفاوضات استمرت نحو عامين في بروكسل بشأن خروج بلادها ورغم أنها لم تعلن الخطة رسميا إلا أن ملامحها تكاد تكون واضحة في عدد من النقاط التالية :
الطرح الأول : يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد بدون التوصل الى اتفاق وهو أمر تخشاه الأوساط الاقتصادية خصوصا التي تلوح بخطر انهيار الجنية الاسترليني وارتفاع معدل البطالة .
ويبدو ان تيريزا ماي كانت تتوقع مثل هذا السيناريو وهو ما يسعى إليه « جيرمي كوربن» عينه كشرط مسبق لبدء المفاوضات من اجل التوصل الى تسوية.
على ان مثل هذا الطرح يكاد يكون كارثيا ويؤثر بقوة على خامس اكبر اقتصاد حول العالم، ذلك ان العلاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ستخضع لقواعد منظمة التجارة العالمية بينما ينبغي اتخاذ عدد من اجراءات المراقبة الجمركية والتنظيمية. هذا المشهد المربك سيؤدي الى نقص في الأدوية وازدحام هائل في الطرقات والمرافئ وقد يصل الأمر حد توقف الرحلات الجوية وتراجع النمو .
وفي النهاية فان الجماعة التي تؤيد البريكسيت ترى ان هذه الاحتمالات غير موجودة وان عدم التوصل الى اتفاق قد يكون الخيار الافضل من التوقيع على اتفاق سيئ وهم يريدون سياسة تجارية مستقلة .
الطرح الثاني: ويتصل بفكرة إرجاء موعد الخروج من البريكسيت وكسب المزيد من الوقت حتى يتم التوصل الى رأي موحد، غير ان هذا الاحتمال المطروح بقوة في المفوضية الأوروبية يجد إشكالية في موعد الانتخابات الأوروبية المقبلة في مايو 2019، ذلك انه إذا بقيت بريطانيا في الاتحاد حتى ذلك التاريخ سيكون على البريطانيين انتخاب نوابهم الأوروبيين فهل سيوافق الاتحاد الأوروبي على مثل هذا المقترح؟
بعض المصادر الدبلوماسية تقول إن التمديد لبعد 29 مارس ممكن ولكن ليس لأبعد من 30 يونيو ، ذلك لان البرلمان الأوروبي الجديد سيضحي كاملا في هذا الموعد، ويبدو ان الأوروبيين لايريدون طلاقا بائنا أن جاز التعبير من بريطانيا حيث لاتزال لها أهميتها بوصفها احد اهم أعمدة الخيمة الأوروبية، ولهذا تحدث دبلوماسي أوروبي اخر بالقول إن المملكة يمكن ان تتمثل بنواب في البرلمان الأوروبي ولو لفترة مؤقتة؟
في هذا السياق يمكن القطع بأن بعض النواب البريطانيين قد يذهبون اليوم الى تأخير عملية الخروج من الاتحاد غير ان الإشكالية في واقع الأمر ستكون عند رئيسة الوزراء التي ترفض أي تأجيل لبريكسيت ، وفي حال غيرت رأيها فان الأمر سيحتاج لموافقة الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد .
الطرح الثالث يتصل بفكرة الاستفتاء الثاني الذي اشرنا اليه سلفا سيما، وان النسبة التي ايدت الانفصال والخروج كانت الى حد ما هامشية، ما يعني ان نصف البريطانيين تقريبا ضد الانسحاب، وهناك نواب في البرلمان البريطاني مؤيدون للوحدة الاوروبية ،ويرون انه اذا جرى استفتاء ثان فان النتيجة حكما ستأتي مغايرة لما أسفرت عنه نتيجة الاستفتاء الذي جرت به المقادير في الاستفتاء السابق، وهنا فان ما سيجري اليوم في البرلمان يتجاوز فكرة الموعد والتأجيل او الخروج من غير اتفاق، الى آفاق اكثر رحابة من نوعية البقاء في الاتحاد الأوروبي او خطة ماي، لكن رئيسة الوزراء ترفض اجراء اي تصويت ثان قد يستغرق التحضير له اكثر من عام حسب رئاسة الحكومة البريطانية، ويبدو ان حزب العمال يميل بالفعل الى هذا الاقتراح سيما بعد غياب فكرة الانتخابات المبكرة …
ما الذي تبقى إذن أمام البريطانيين في مواجهتهم لعاصفة البريكسيت؟
الطرح الرابع: هنا نتحدث عن حدوث انتخابات عامة في البلاد وهو طرح لايمكن استبعاده حال تعقدت المفاوضات في البرلمان البريطاني، ورغم رفض مذكرة حجب الثقة عن الحكومة التي تقدم بها كوربين، وفي كل الأحوال يبدو ان فكرة الانتخابات العامة المبكرة مرحب بها من قبل حزب العمال بأكثر من المحافظين ويضع العمال نصب أعينهم انهم حال فازوا في انتخابات تشريعية مبكرة فسيعيدون التفاوض حول اتفاق جديد مع المفوضية الأوروبية لكن الأمر سيحتاج الى وقت على حد قول كوربين الذي تحدث عن تأجيل محتمل لبريكسيت .
لماذا يختلف العمال والمحافظون حول فكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي؟
تكمن المشكلة الرئيسية في رغبة حزب العمال في البقاء الدائم في الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، وهي علاقة قوية بالسوق الموحد، وتساعد على حصول العاملين والمستهلكين على المزيد من الحماية، بينما يرى رئيس حزب المحافظين «برادون لويس» ان بريطانيا يجب ألا تستمر داخل الاتحاد الجمركي، لان الاتفاقيات التجارية الدولية عقب البريكست تعتبر من الأولويات …
هل يحسم الشعب البريطاني الأمر ام هناك عقبات بعد هذا الطريق ؟
نهار الأربعاء الموافق السادس عشر من يناير الجاري اظهر استطلاع للرأي موزع من قبل حملة التصويت الشعبي التي تدعم عمل استفتاء اخر ان 56% من المصوتين يفضلون التصويت لصالح البقاء داخل الاتحاد، بينما صوت 44 % للانفصال، وهي أرقام بلاشك مغايرة تماما لنتائج الاستطلاع الذي تم في يوم 23 يونيو 2016 حيث دعم وقتها 51.9 % من المصوتين الانفصال عن الاتحاد في حين صوت 48.1 % البقاء …

من يفضل الانسحاب ومن يفضل البقاء فيما يخص النسب العمرية؟
تخبرنا نتائج استطلاع فريق يوجوف ان 48% من الشباب يفضلون البقاء في حين ان 38% يفضلون الانسحاب وان 6% لن يقوموا بالتصويت في حين ان 7% منهم لايعرفون كيفية التصويت .
هل تقود تيريزا ماي بريطانيا عبر إشكالية البريكسيت بدون دفة ما يقود بريطانيا والاتحاد الأوروبي من ورائها نحو مستقبل مجهول؟
يبدو أن هذا هو رأي الكاتب والمؤرخ والصحفي البريطاني «اوين ماثيو»، الذي كتب عبر موقع الفورين بوليسي مشيرا الى ان فشل ماي « كامل » وأنها بقيت في السلطة اسميا، وان كل ما حصل في الأيام الأخيرة يشير الى فقدان الحكومة البريطانية سياستها الرائدة ولهذا أصبحت المملكة بلا دفة تسير نحو مستقبل بدون توجه .
ما الذي يجري داخل أوروبا وليس في بريطانيا فحسب؟
تساؤل ينبغي لنا ان نتأمله جيدا ذلك ان الخروج من الاتحاد الأوروبي يعني إعطاء مساحة واسعة وفرصة عريضة للجماعات الشعبوية الأوروبية، وتيارات اليمين، لان تستغل حضورها الأمر الذي يجعل الديمقراطية الأوروبية في خطر.
لاينتظر الأوروبيون فقط نتائج البريكسيت ، ذلك أن انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل ستكون محددة لتوجهات الرياح الأوروبية، وهل تمضي لجهة التنوير من جديد أم أنها ستسير وراء الشوفينيات والعصبيات على غير هدى، ما يخلق واقعا مغايرا لما عرفناه من قبل عن الاتحاد الأوروبي الذي كان يوما ما … غدا لناظره قريب .