مأزق الاختيارات الصعبة..وكوارث الخروج العشوائي!

مروى محمد إبراهيم –

وبموافقة البريطانيين على الخروج نهائيا من الاتحاد، تخلى جيمس كاميرون رئيس الوزراء المحافظ آنذاك عن السلطة لتخلفه تيريزا ماي في رئاسة الوزراء، وتبدأ مهمتها الصعبة في التفاوض على اتفاقية للانفصال الآمن عن التكتل الأوروبي.

استنفار أمني في مختلف البنوك البريطانية والمؤسسات المالية.. حالة طوارئ غذائية في الأسواق والمتاجر الكبرى.. ودعوات شعبية لتخزين الدواء.. حالة من الرعب والتخبط تسود المملكة المتحدة مع اقتراب موعد خروجها النهائي من الاتحاد الأوروبي «بريكست». فعلى الرغم من أن بريطانيا لم تكن يوما عضوا كاملا في الكتلة الأوروبية الموحدة، إلا أن انفصالها في الوقت الحالي يشكل تهديدا أمنيا وغذائيا وطبيا واقتصاديا عليها، لا يقل عن تهديد الحرب. فقد فشلت تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية في التوصل لاتفاق خروج مع القوى الأوروبية الكبرى يحظى برضا مجلس العموم البريطاني، ويحقق المعادلة الصعبة والتي تضمن لها عدم الخضوع لقواعد الاتحاد مع احتفاظ بريطانيا باستقرارها الأمني والاقتصادي. ولكن ما هي سيناريوهات الخروج المطروحة الآن؟، وماذا سيحدث في حالة الخروج بلا اتفاق؟ وما الخطط البديلة التي تطرحها ماي للخروج من المأزق والحفاظ على ماء وجه حزبها المحافظ؟.
بنظرة تاريخية سريعة، نجد أن بريطانيا لم تكن من بين الدول الموقعة على الاتفاقيات الثلاث المؤسسة لما كان يعرف بـ« المجتمعات الأوروبية» وهي الصورة الأولية للاتحاد الأوروبي، حيث كانت معاهدة روما عام 1957 أهم هذه المعاهدات وأسست لما كان يعرف حينها بـ«المجتمع الاقتصادي الأوروبي». وتقدمت بريطانيا بطلبات انضمام للكتلة الأوروبية الوليدة في عامي 1963 و1967. ويبدو أن شارل ديجول الرئيس الفرنسي آنذاك كان يتمتع برؤية مستقبلية، حيث رفض انضمام المملكة المتحدة مشيرا إلى أن بريطانيا لا تتوافق مع أوروبا في عدد من الجوانب الاقتصادية وقوانين العمل والزراعة، ومحذرا من أنها تكن عداء عميقا لأي مشروع أوروبي.
وجاء تنازل ديجول عن السلطة عام 1969 ليفتح أبواب أوروبا أمام العضو الجديد حيث قدمت طلبًا ثالثًا ولكن مقبولا للعضوية. وتم توقيع معاهدة الانضمام في يناير 1972 من قبل رئيس الوزراء آنذاك إدوارد هيث، زعيم حزب المحافظين. لتنضم بريطانيا رسميا إلى الاتحاد الأوروبي في 1973. ولم تكد تمر خمسة أعوام حتى بدأت المطالب الشعبية والحزبية البريطانية بالخروج من الاتحاد، وحتى استفتاء عام 2016 الذي قرر فيه الشعب البريطاني الخروج نهائيا.
وبموافقة البريطانيين على الخروج نهائيا من الاتحاد، تخلى جيمس كاميرون رئيس الوزراء المحافظ آنذاك عن السلطة لتخلفه تيريزا ماي في رئاسة الوزراء، وتبدأ مهمتها الصعبة في التفاوض على اتفاقية للانفصال الآمن عن التكتل الأوروبي، حيث رفض البرلمان الاتفاق الأولي الذي تم التوصل إليه لأنه لا يتضمن استراتيجية محدده لخروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة، كما أن الحدود البريطانية – الأيرلندية الشمالية تظل أهم البنود العالقة، حيث يرفض البرلمان وجود نقاط تفتيش حدودية في المستقبل على الحدود.
وأصبح أمامهم عدة اختيارات بديلة، لكن لا تحظى على الأغلب بالاهتمام المفترض، ربما أهمها:

  • كندا بلس: نموذج تنفصل فيها بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وتوقع اتفاقية تجارة حرة. وهذا من شأنه أن يسمح للمملكة المتحدة بالسيطرة على سياستها التجارية الخاصة مع دول خارج الاتحاد الأوروبي، ولكن يتطلب ذلك التوصل إلى اتفاقيات قواعد المنشأ بالنسبة للتجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى أن تكون التجارة «أقل» حرية من الانضمام إلى «رابطة التجارة الحرة الأوروبية»، وأن تؤدي إلى فرض ضوابط إضافية على الحدود.
  • النرويج بلس: ويقضي بخروج بريطانيا من الاتحاد ولكنها تصبح عضوًا في الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (EFTA) والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، وربما مع إضافة اتحاد جمركي «بلس» بحيث تسمح عضوية الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة والمنطقة الاقتصادية الأوروبية للمملكة المتحدة بالبقاء في السوق الموحدة دون الحاجة إلى الخضوع لسياسة المصايد المشتركة والسياسة الزراعية المشتركة ومحكمة العدل الأوروبية.
    أما السيناريوهات الرئيسية الأربعة التي تواجه بريطانيا الآن فتشمل:
  • تأجيل الخروج: وهو أحد الخيارات المطروحة والتي يفضل النواب البريطانيون استبعادها، فالبعض يؤكد أنها لن تأتي بجديد، بل إنها قد ينجم عنها وقف عملية الخروج بموجب المادة 50. كما أنه ربما لا يحظى بقبول كبير في بروكسل، نظرا لأن التأخير قد يعني المزيد من أشهر من الجمود السياسي.
  • محاولة التفاوض على اتفاق جديد: على الرغم من أن ماي حاولت طرح اتفاق بديل إلى حد ما خلال الأيام الماضية، إلا أن منتقديها أكدوا أنها لم تأت بجديد واحتفظت في اتفاقها الجديد بالنقاط الخلافية. لكنها أكدت أن أي اتفاق لابد وأن يخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويضع حدا لسياسات الهجرة الأوروبية غير الخاضعة للرقابة، كما أنه يسمح للبلاد بالتوقيع على صفقات تجارية مستقلة. ويبدو أن الشرطين الأخيرين لا يتفقان مع رغبة حزب العمال المعارض في استمرار العضوية في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي.
  • لا اتفاق: وهو الاختيار الذي يحذر من عواقبه الطرفان، فبريطانيا في طريقها إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي مع أو بدون اتفاق في 29 مارس المقبل، ما لم يتم اتخاذ قرار حاسم بتأجيل الخروج أو توقفه. إن سيناريو «لا اتفاق» يهدد بإحداث ركود في بريطانيا وإبطاء النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ، فضلاً عن التسبب في أزمات قانونية طاحنة. كما أنه سيفقد خامس أكبر اقتصاد في العالم إمكانية الوصول إلى أكبر سوق تصدير له بين عشية وضحاها، مما يؤثر على كل القطاعات، وسيؤدي إلى ارتفاع التكاليف والاضطراب في الموانئ البريطانية.
    وفي محاولة أخيرة لطمأنة مواطنيها، استعرضت الحكومة البريطانية استعداداتها الأمنية في حالة الاضطرار للخروج بلا اتفاق خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وهناك تكهنات متزايدة في لندن وبروكسل بأنها قد تسعى إلى تأخير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لتجنب هذا السيناريو، ولكن ماي تنفي بشدة هذا الاحتمال.
    -الاستفتاء الثاني: دعا مؤيدو الاتحاد الأوروبي إلى إجراء تصويت آخر، خاصة وأن مؤيدي الخروج فازوا في استفتاء 2016 بـ 52 % مقابل 48٪ بفارق 4 نقاط فقط، مما يعني أن هناك فرصا لتعديل النتيجة لصالح البقاء في أوروبا في حالة إعادة الاستفتاء. وتصاعدت المطالب بشأن الدعوة لاستفتاء جديد خلال الأشهر الأخيرة مستغلين القلق العام من تبعات الخروج بلا اتفاق. ولا يوجد قانون يمنع بريطانيا من القيام بذلك من جديد، لكن هناك العديد من التساؤلات حول ما إذا كان هذا سيكون ديمقراطياً أو يحل الأزمة. الأمر الذي يضاعف حالة البلبلة والاضطراب في الشارع البريطاني.
    ومن ناحيتها، حذرت ماي من أن تصويتا آخر «سيضر ضررا لا يمكن إصلاحه بسلامة سياستنا». كما أنه يهدد بأن يكون مثيرا للانقسام، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن البلاد لا تزال منقسمة حول هذه القضية.
    واتخاذ قرار الدعوة لاستفتاء جديد على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يتطلب تصويت غالبية أعضاء مجلس العموم البريطاني لصالح هذه العودة، وتمرير قانون لإجراء الاستفتاء، والذي من المرجح أن يؤدي إلى تأخير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
    إن بريطانيا تمر بفترة حاسمة وصعبة في تاريخها، فكل الاختيارات المطروحة صعبة وغير مأمونة العواقب. وعلى الرغم من الخطط والمباحثات التي يجريها النخبة، إلا أن الشعب يعاني من حالة من الهلع والرعب المتزايدين مع اقتراب الموعد النهائي للانفصال التاريخي. فبعد 29 مارس المقبل، هناك مخاوف من تغير شكل المملكة المتحدة التي نعرفها، فهي مهددة بانقسامات داخلية مع الأخذ في الاعتبار رغبة أيرلندا الشمالية واسكتلندا التاريخية في الانفصال، ناهيك عن التداعيات الاقتصادية مع فرار العديد من الشركات الكبرى من بريطانيا بصحبة أكثر من تريليون دولار. وفي ظل التخبط الراهن في المشهد من الصعب التنبوء بما ستؤول إليه الأمور..فهل تنجح بريطانيا في العبور إلى بر الأمان أيا كان اتجاهه؟.