بين خياري تعديل الاتفاق والاستفتاء الجديد

د.صلاح أبو نار –

ويرى أصحاب هذا الخيار أنه إذا حدث وتمكن من الحصول على موافقة أغلبية مجلس العموم، يمكن إعادة التفاوض عليه مع الاتحاد.

انتهت مغامرة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بكارثة سياسية، أي نفس ما توقعه أغلب المراقبون المحايدون وحذروا منه مبكرا. ولم تكن المفاجأة في وقوع الكارثة بل في توقيتها. فلقد وقعت الكارثة قبل أن تنطلق مسيرتها العملية، وفي مرحله اتخاذ القرار والتهيؤ للانطلاق. عندما ذهبت تريزا ماي الي مجلس العموم للحصول على موافقته على خطة التي انتهت اليها مع الاتحاد الاوروبي، وجهت برفض 432 عضوا وقبول 202 عضو فقط، أي بفارق 230 صوتا فيما يعتبرة المراقبون اكبر هزيمة برلمانية حاقت برئيس وزراء بريطاني خلال القرن الاخير. ولم تنحصر المفاجأة في حجم الهزيمة، بل أيضا في تصويت مائة من النواب المحافظين متطرفي التأييد لبريكست بالرفض، في صف واحد مع نواب العمال ذوي النزعة الأوروبية المناهضين لبريكست.
من البداية كانت علاقة المملكة المتحدة بالمشروع الاندماجي الأوروبي متناقضة. فلقد نأت بنفسها عن محاولات التكامل الاقتصادي الاولي، أي الجماعة الأوروبية للفحم والصلب والجماعة الأوروبية الاقتصادية. وظلت خارج الكيانات الاتحادية، حتي قرر البريطانيون في استفتاء 1975 الالتحاق بالمسيرة الاندماجية. ولكنها لم تلتحق بكافه خطواتها، فلم تشارك في منطقة الشينجين أو منطقة العملة الاوروبية الموحدة. وخلف هذا التوجة المتحفظ سنجد عدة عوامل. منها طبيعة الخبرة البريطانية في الحرب الثانية، فهي لم تحتل ولم تتعرض لهزائم كبرى ولا نفس درجة الدمار، وبالتالي كانت دوافعها الاقتصادية للمشاركة أقل إلحاحا. ومنها أن هاجس السيادة الوطنية كان عندها أكثر إلحاحا من بقية دول القارة، ودفعها للتحفط على ميل النزعة الاندماجية لتخطي حدود الدولة القومية. ومنها تصاعد قوة النزعه الشكوكية البريطانية، التي ارتفعت من 38% عام 1993 الى 65% عام 2015..
ويمنحنا التحليل السابق خلفية فهم دوافع قرار الخروج البريطاني. على رأس قائمة العوامل نجد الحفاط على السيادة الوطنية. ترى القوى الدافعة للقرار أن المؤسسات الأوروبية تغيرت كثيراعن لحظة الدخول البريطاني، فهي تنزع لبناء دولة فوق قومية، وتسرف في القوانين العامة واللوائح الملزمة للأعضاء، ومؤسساتها وبيروقراطياتها المركزية متضخمة، وأصبح البريطانيون يشعرون أنهم يحكمون بقوانين تضعها بروكسل. ويلي ذلك عامل تصاعد الهجرة الى بريطانيا. فيما بين 2004 و2015 ارتفع عدد المهاجرين من مليون الى ثلاثة ملايين، اغلبهم من مناطق اتحادية مثل بولندا وبلغاريا ورومانيا، حاملين معهم الضغط على الوظائف والخدمات وتهديد الهوية الوطنية. ويرتبط بالهجرة تصاعد الإرهاب في اوروبا.
اظهرت الخبرات الاوروبية كيف تحول المهاجرون المستقرون، على الأخص القادمين من بلدان جنوب المتوسط، إلى وسيط ثقافي واجتماعي لتوليد الجماعات الإرهابية، الأمر الذي خلق رغبة بريطانية في الابتعاد عن السياقات الأوروبية المغذية للهجرة. وجاء صعود الشعبوية البريطانية ليؤطر تلك المخاوف. ثم ضاعفت منها التحسبات الأمنية المباشرة، وعلى سبيل المثال اشار تقرير للمخابرات البريطانية، لثلاثة آلاف بريطاني قاتلوا مع داعش في سوريا، سيعودون لبريطانيا بخبراتهم السياسية.
ويأتي العامل الاقتصادي في ذيل عوامل الخروج. هنا يتركز النقد على تركيز السياسات الاقتصادية الاتحادية على عمليات التجنيس والتوحيد الاقتصادي للقارة، وافتقادها للدينامية الاقتصادية، وغياب الوعي الاجرائي بالتحديات الاقتصادية المعاصرة، والتضخم البيروقراطي والإسراف في التدخلية. ومن ثم يرون ان الاقتصاد البريطاني سيكون افضل خارج الاتحاد، لانه سيحرر القدرة على المبادرة والدخول في علاقات قوية وسريعة مع الاقتصادات سريعة النمو.
جاء استفتاء الخروج في 23 يونيو 2016. كان القرار قيد التباحث على امتداد 2015، وحاول كاميرون الالتفاف حوله، بمطالبة الاتحاد في نوفمبر بالاصلاح في مجالات السيادة الوطنية وسياسات الهجرة والتنظيم المالي والاقتصادي والتنافسية. وبالفعل وافق الاتحاد على بعض التغييرات المقترحة، ولكن ازمة الهجرة في اوروبا والمشاهد الإرهابية المتتالية منحت الخروج ذخيرة اضافية. وقبل الإرسال بطلب الخروج للاتحاد، سعت تيرزا ماي للحصول علي اقرار مجلس العموم، رغم وجود رأي مناصر للخروح يري أن المادة 50 من معاهدة لشبونة لاتستلزم هذه الخطوة، وهو الرأي الذي أيدته المحكمة العليا البريطانية. ولكن ماي ورطت نفسها وأصرت وحصلت بالفعل على موافقة العموم. وفي 29 مارس 2017 أرسلت الى الاتحاد طالبة الخروج، ارتكازا على المادة 50 وتنص على مدة سنتين للتفاوض على ترتيبات الخروج، وبالتالي أضحت بريطانيا ملزمة باستكمال خروجها بحلول 29 مارس 2019. وفي مايو 2017 اتخذت ماي خطوة أخرى لدعم قدراتها التفاوضية انتهت بكارثة. اذ دعت لانتخابات فورية وفقا لبرنامج مؤيد لبريكست، متصورة أنها ستأتي بمجلس عموم اكثر دعما لها، ولكن الانتخابات أسفرت عن فقدان المحافظين لأغلبيتهم البرلمانية المحدودة اصلا، حيث فقدوا 13 مقعدا بينما كسب العمال 29 مقعدا. وفي 19 مارس 2018 انتهت مفاوضات الجانبين البريطاني والاتحادي، على خطة لخروج بريطانيا على مدى 21 شهرا. وفي 15 يناير تقدمت لمجلس العموم للحصول على موافقته لتواجه هزيمتها الساحقة. وصل نص الاتفاق الى 585 صفحة، وركز على عدة مسائل: التعويض الذي ستدفعه المملكة المتحدة للاتحاد لفض علاقاتها به، ومصير البريطانيين في أوروبا والأوروبيين في المملكة المتحدة، وكيفية تجنب وجود حدود فاصلة اقتصاديا بين جمهورية ايرلندا المستقلة وايرلندا الشمالية وهي جزء من المملكة المتحدة، والصيغ المستقبلية البديلة للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وطبيعة الإجراءات خلال الفترة الانتقالية على مدى 21 شهرا. ويمكننا ان نستنتج انه من واقع الجبهة الواسعة والمتناقضة المعارضة للاتفاق، ان الاعتراضات يمكن تجميعها تحت ذات عناوين موضوعات التفاوض، ولكن من خلال مضامين ومقترحات شديدة الاختلاف.
كيف يمكن الخروح من المأزق الراهن؟
يظهر امامنا في البداية خياران متناقضان لايجدان من يدافع عنهما. خيار الخروج بلاصفقة. وهذا خيار كارثي، أبسط نتائجه وفقا لتقدير بنك انجلترا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي فورا بنسبه 8%، دون الحديث عن اضراره بوضع انجلتر الدولي.
والخيار الثاني هو ببساط اتباع حكم محكمة العدل الاوروبية، والذي يقول انه في إمكان لندن ان تسحب طلب الانسحاب كأنه لم يكن، حيث لايوجد في المادة 50 مايمنع. وهو خيار لايمكن قبولة داخليا سواء من المعارضين او المؤيدين لأنه ضد منطق العملية السياسية الجارية.
وفي مواجهة هذا الخياران يقف خياران آخران يحظيان بدرجات متفاوتة من الإجماع، ويمكن في لحظة معينة ان يتقاطعا ويصبحا خيارا واحدا. يطرح الأول اجراء استفتاء جديد. يراهن انصار هذا الخيارعلى تصويت الرأي العام هذه المرة برفض الانسحاب، حيث تخبرنا قياسات الرأي العام انه في يناير 2019، وصلت نسبه مؤيدين البقاء 62% ومؤيدي الخروج 48%، وهو مايعني انقلاب جذري بالمقارنة باستفتاء 2016. غير ان المشكلة ان قرار الاستفتاء يجب ان يمر على البرلمان الذي لايظهر حتى الآن حماسا له. ولكن خيار الاستفتاء الجديد يمكن أن يلقي تجاوبا من البرلمان، لو انه تقاطع مع الخيار الثاني وبالتالي تغيرت صيغته وهدفه.
ويسعى الخيار الثاني الى صياغة تصور جديد للخروج، عبر عملية تفاوض داخلي بين القوى السياسية وبينها وبين السلطة، يؤسس في النهاية لنمط جديد من الشراكة بين المملكة والاتحاد الاوروبي، وهو ما يعني عمليا وبعيدا عن المسميات الانتهاء الي منطقة وسط بين الانسحاب والبقاء. ينطلق هذا الخيار من عنصر اساسي، هو التسليم بعمق المأزق واستحالة الخروج منه الا عبر توافق واسع، لايمكن الوصول اليه الا على مدى زمني طويل نسبيا، وبالتالي ضرورة السعي لدى الاتحاد لاسقاط تاريخ 29 مارس القادم كحد اقصى لحسم الموقف. وبعدها تنطلق مفاوضات داخلية اساسا تركز على عنصرين خلافيين: مسألة الحدود المفتوحة بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا، وشكل العلاقة الاقتصادية بين المملكة والاتحاد.
ليس ثمة افكار واضحة حتى الآن بشأن موضوع الحدود الأيرلندية المفتوحة، ومن الواضح انه موضوع شائك وفي حاجة لحلول وسط ومتوازنة، لانه يمس أمرين شديدي الحيوية: السيادة على مجمل اراضي المملكة ومنها ايرلندا الشمالية، والحرص على بقاء التسوية التي انهت المشكلة الأيرلندية وسمحت بنوع من الاندماج والشراكة السياسية والتدفق الاقتصادي بين الجنوب والشمال. ولكن الصورة اكثر وضوحا بالنسبة للمسألة الثانية، وهنا يطرح الكثير من المعلقين ونواب العموم فكرة النموذج النرويجي. وفقا لهذا النموذج: سياسيا تنسحب المملكة من الترتيبات السياسية للاتحاد، واقتصاديا تبقى داخل الاتحاد الجمركي، لكنها تنسحب من السوق الواحد. ويحمل هذا الخيار مزايا وعيوب. من حيث المزايا يعني الاستجابة لمنطق الاستفتاء، وممارسه تجارة مع الاتحاد خالية من المشاكل والقيود، وبقاء الحدود الأيرلندية مفتوحة دونما مساس بالسيادة، ودرجة معاناة للوظائف والاستثمار اقل من أي صيغة أخرى للانسحاب. وتتمثل العيوب في استمرار المساهمة في الميزانية الاتحادية، واستمرار الخضوع لأحكام الاتحاد الخاصة بالحركة والانتقال، والخضوع لنظم الاتحاد دون المشاركة في صياغتها. ويرى اصحاب هذا الخيار انه اذا حدث وتمكن من الحصول على موافقة اغلبية مجلس العموم، يمكن إعادة التفاوض عليه مع الاتحاد. وقد يوافق الاتحاد على إعادة التفاوض، فإن أصر على الرفض سيكون السبيل الامثل هو الاستفتاء على هذه الصيغة، الامر الذي يعني إطلاق بريكست جديدة بشروط جديدة.