الأحزاب البريطانية وانقساماتها.. عنصر أساسي في دراما الخروج

يسرا الشرقاوي –

على هذه الخلفية يصبح منطقيا ما يتردد على لسان قيادات الاتحاد الأوروبي من حين لآخر حول أن بريطانيا تحتاج أولا إلى أن تتفق فيما بينها حول مسار التفاوض وما تريد من ورائه قبل أن تخاطب بروكسل. لكن الاتفاق يبدو بعيدا.

قبل تصويت ١٥ يناير بمجلس العموم البريطاني على خطة رئيسة الوزراء تريزا ماي حول الــ «بريكست»، نصحت ماي نواب المجلس بتجاوز المصلحة الحزبية إلى التركيز على مصلحة الأمة البريطانية. لكن هذا لم يحدث. وفي الأغلب أن أحدا لن يمنح نصيحة ماي فرصة من التفكير، رغم أن الفترة التي باتت تفصل بريطانيا وأوروبا عن موعد الخروج الرسمي في 29 مارس المقبل لا تزيد على شهرين إلا بأقل القليل.
تعتبر النزاعات الحزبية سواء على الصعيد الداخلي بين أروقة الحزب الواحد، أو الصعيد العام بين الأحزاب بعضها البعض موجها أساسيا لدراما الـ «بريكست» المتصاعدة وإن لم يلفت ذلك أنظار الكثيرين. فرغم أن مصير بريطانيا بات الآن مهددا مع عدم وضوح الرؤية حول ما إذا كانت ستخرج فعليا من الاتحاد الأوروبي من عدمه؟ وما إذا كانت ستخرج بعد إبرام اتفاق واضح أو وفقا لسيناريو «البريكست الخشن» بدون أي اتفاق وليكن ما يكون بالنسبة لمصالح الجميع اقتصاديا وتجاريا؟ إلا أن هناك أسئلة موازية تتعلق بمصير أحزاب بريطانيا وتؤثر بشكل كبير على الإجابات المتوفرة للرد على أسئلة الــ «بريكست» الكبرى. وذلك واقع فعلي لا مبالغة فيه.
فمثلا بالنسبة لحزب العمال المعارض، يلاحظ أن زعيمه جيرمي كوربين التزم موقفا حازما أقرب لعنيف في أعقاب تصويت 15 يناير السلبي ضد خطة رئيسة الوزراء ماي. فرفض كوربين، الذي كانت كتلته البرلمانية موجها أساسيا للتصويت السلبي، الالتقاء بماي والتفاوض معها إلا إذا تراجعت عن الخطوط الحمراء التي وضعتها للتفاوض، مثل رفضها القاطع طلب تأجيل الخروج الرسمي من الاتحاد الأوروبي لما بعد تاريخ 29 مارس المحدد. وتعنت كوربين له أكثر من سبب وأولها يتعلق بمحاولاته رأب الصدع داخل حزبه قبل أي شيء. كان كوربين قد تولى زعامة حزب العمال في فترة يمكن توصيفها بفترة «الفرص المزدوجة». فالسياسي البريطاني تولى بمجموع أصوات قارب على الـ 60% بعد انتخابات حزبية دعت لها خسارة العمال المؤسفة في الانتخابات العامة لعام 2015، والتي استقال على أثرها زعيم الحزب الشاب أيد ميليباند. استلم كوربين الحزب من ميليباند الذي كان يحاول تجديد «العمال الجديد» وإعادة المعارضة اليسارية بأي شكل لأيام توهجها السابق تحت زعامة توني بلير. كان يمكن لكوربين استغلال هذه الفرصة بتوحيد العمال وراء مشروع إصلاحي حزبي وآخر وطني جديد وله أصداء، لكن الوقت لم يمهله. فخسارة تيار «البقاء» بزعامة اليسار باستفتاء الـ «بريكست» في يونيو ٢٠١٦، أثار ثورة حزب العمال ضد كوربين إلى حد طرح تصويت بسحب الثقة منه. لكنه نجح في إعادة نفسه إلى سدة القيادة الحزبية، ثم نجح في زيادة رصيد العمال من القاعدة الانتخابية إثر انتخابات 2017 العامة التي دعت لها ماي بشكل مبكر. فزاد رصيد العمال من الدعم إلى 40% وزاد نصيبهم من مقاعد مجلس العموم، مقابل خسائر كبيرة للمحافظين. وكانت تلك فرصة إيجابية أخرى، حيث حققت له هذه النجاحات الانتخابية المتوالية تدعيم لمركزه القيادي. كما أن ظرف الـ «بريكست» كان بمثابة الفرصة السياسية الأمثل لتدعيم فرص العمال كقوة سياسية قادرة على قيادة البلاد واختيار الأفضل لها في التحول البريطاني الأهم والأخطر منذ عهد الحرب العالمية الثانية.
لكن مرة ثانية الوقت لم يمهله. فالحزب يعاني من تهديد وجودي فعلي لا يحظى بكثير من التغطية الإعلامية وسط ضجيج الـ «بريكست» واستقالات حكومة ماي بين الحين والآخر. فالموقف الرسمي للعمال من معضلة الــ« بريكست» هو أقرب إلى «بريكست ناعم» باتمام الخروج مع الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي من بينها عضوية منطقة التعرفة الجمركية والسوق الأوروبي الموحد، والالتزام بجانب من القوانين الأوروبية، مع الرفض التام لإصرار الحزب المحافظ وحكومة ماي على أن الخروج بلا اتفاق يعد البديل المنطقي لعدم التوصل إلى اتفاق.
لكن فصائل العمال ليست مجتمعة على قلب رجل واحد، وذلك اتضح أكثر فأكثر في مبارزة التعديلات التشريعية التي خرج بها أكثر من نائب بمجلس العموم في أعقاب تصويت 15 يناير. فعدد من النواب المحسوبين على العمال يطالبون بتصويت جديد حول خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي، والنائبة العمالية يافيت كوبير تتقدم مع المحافظ نيك بوليس بمقترح تعديل مشترك بتكليف ماي لمد فترة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي لمدة لا تقل عن تسعة أشهر لما بعد 29 مارس.
لكن ما يرد من لندن يؤكد أن افتقار الموقف الرسمي لبند إعادة التصويت يزيد الانقسام العمالي. فأغلبية نواب العمال بالعموم وكذلك أكثر من 70% من أعضاء الحزب يطالبون بإعادة الاستفتاء على الخروج البريطاني. فقد نقلت محطة «سكاي نيوز» الإخبارية عن النائب العمالي دافيد لامي، المؤيد لفكرة الاستفتاء الثاني، تأكيدات بأن أعدادا متزايدة من قيادات وأعضاء الحزب يشعرون بالإحباط إزاء موقف كوربين، وذلك إلى حد التشاور حول الانشقاق وتشكيل حزب جديد بعيدا عن العمال الأساسي. وهذه الاحتمالية نفسها كانت صحيفة « فايننشال تايمز» قد نقلتها العام الماضي في تقرير لها عن مصادر بالعمال أيضا.
فالمحبطون يرون كوربين يخشى الرأي العام إلى حد تجاهل التوافق الذي تم التوصل له في المؤتمر العام لحزب العمال في سبتمبر الماضي حول إمكانية إدراج «الاستفتاء الثاني» كاحتمالية في حالة عدم النجاح في الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة. وكان كوربين قد خسر بطاقة الانتخابات المبكرة بعد تصويت العموم قبل أيام برفض طلبه سحب الثقة من حكومة ماي. أزمة العمال تزداد وتشكل ضغط وموجه لكوربين في إدارته التفاوض مع ماي، خاصة وأن حوالي ثلاث صحف بريطانية أكدت تراجع كتلة عضوية العمال برقم رهيب هو 150 ألف عضو خلال الأسابيع الماضية ليتراجع عن ذروة العضوية التي بلغها قبل عامين فقط وكانت تزيد على النصف مليون عضو جعلته الحزب الأكبر في أوروبا الغربية.
كوربين يحاول إبقاء احتمال الاستفتاء الثاني لكن دون أن يبدو كمتجاهل لإرادة الشعب البريطاني. فقد تقدم بطلب إلى العموم بأن تكون كل الاحتمالات قيد المناقشة والتصويت، ولكن دون أن يلفظ فكرة «التصويت الثاني» فعليا. وماي تلعب لعبة مماثلة أيضا. فرئيسة الوزراء ورغم خسائرها المدوية ترفض حتى الآن إدراج فكرة مد فترة التفاوض لما بعد 29 مارس المقبل. لأن في ذلك إغضابا للتيار الأكثر تشددا داخل الحزب المحافظ، ومراعاة للتيار المعتدل الذي يجري الحسابات ليل نهار حول فرص استفادة اليمين المتطرف من معركة الـ«بريكست» ونتائجها في ضم عدد جديد من أنصار الحزب المحافظ إلى صفوفهم. ماي كانت تهدف منذ توليها مفاوضات الـ «بريكست» قبل عامين عقب استقالة سلفها المحافظ دافيد كاميرون، أن تصبح «زعيمة البريكست» وتحقق تحولا تاريخيا ناجحا للمملكة المتحدة. لكن الانقسامات داخل حزبها وإخفاقها في التوصل إلى اتفاق يرضي الأغلبية مع تعنتها الإيدولوجي طبعا في قبولها بخيار «لا اتفاق» بدلا من مجرد تمديد التفاوض أو حتى الاستجابة للمؤشرات المطالبة بمراجعة فكرة الـ «بريكست» من الأساس أدت بها إلى نهايتها السياسية. صحيح أنها نجت من تصويت سابق بسحب الثقة تقدم به أعضاء حزبها المحافظ، وصحيح أن مجلس العموم رفض سحب الثقة منها عقب تصويت ١٥ يناير. لكن ذلك ليس لسلامة موقفها وحسن قيادتها. فقيادات الحزب المحافظ تدرك أن سحب الثقة من ماي وحكومتها والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة سينتهي حتما بخسارة كبيرة للحزب تفوق ما ناله في انتخابات ٢٠١٧ المبكرة.
ويدرك الحزب المحافظ أيضا أن الانتخابات العامة، وإن كانت ستمنح فرصة لتمديد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول الـ «بريكست» ما يعني مغادرة بشروط أفضل بالنسبة لجميع الأطراف،إلا أن ذلك يعرض إنجاز الـ«بريكست» لخطر الإلغاء كلي، وهو إنجاز إيديولوجي مهم بالنسبة للتيار اليميني المتشدد. وبالطبع هناك مخاوف من أن يمسك اليمين المتشدد ببطاقة الــ «بريكست» إلى أبد الأبدين في وجه المحافظين إذا ما تم تفريغ مشروع الخروج البريطاني والتراجع عنه. هذه المخاوف التي تصل إلى حد احتمال الانشقاق داخل المحافظين أيضا وتشكيل كيانات منفصلة.
ماي تراهن سرا حاليا على تصويت العموم على أحد التعديلات التي دفع بها النواب العماليون بشأن تمديد التفاوض، بحيث يتم إتخاذ القرار ولكن ليس بأيديها. لكن حتى وإن تحقق ذلك، فهذا لا يضمن تقدم المفاوضات بشكل مختلف بعد قرار التمديد. فالمخاوف والضغوط التي تحرك جميع الأطراف قائمة، وفكرة تقديم مصلحة الأمة على الحزب وهمية.
على هذه الخلفية يصبح منطقيا ما يتردد على لسان قيادات الاتحاد الأوروبي من حين لآخر حول أن بريطانيا تحتاج أولا إلى أن تتفق فيما بينها حول مسار التفاوض وما تريد من ورائه قبل أن تخاطب بروكسل. لكن الاتفاق يبدو بعيدا.