نوافذ: عن دار الفنون الموسيقية.. وحلم المكتبة الوطنية

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

قبل سنوات نشرت وكالة أنباء «رويترز» العالمية تقريرا ثقافيا عشية افتتاح الجناح الإسلامي في متحف اللوفر وصفت فيه جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ـ بأنه «نصير الفن والفنانين» لأن جلالة السلطان كان أبرز داعمي المشروع إضافة إلى دعمه مشاريع عالمية أخرى صار العالم يدركها تماما.. كنت مناوبا في الجريدة ذلك المساء وأخذت العبارة السابقة عنوانا رئيسيا للخبر التقديمي حول افتتاح الرئيس الفرنسي هولاند للجناح الإسلامي الجديد في اللوفر. ولأني أبعث النسخة الإلكترونية من الجريدة لعشرات الأصدقاء في مختلف دول العالم جاءني في اليوم التالي رد من أحدهم يقول: «أنتم تبالغون كثيرا، هناك آخرون يساهمون أيضا في دعم الفنون والمشاريع الفنية، وإذا كنا نعترف للسلطان بأنه نصير السلام في العالم فلا تحتكروا دعم الفنون في شخصه وأنه نصير الفنون وحده».
قلت له حينها ان الخبر بثته وكالة أنباء عالمية محايدة، وتحدثت عن فكرته الرئاسة الفرنسية نفسها والعالم يعرف دعم السلطان قابوس للفنون والثقافة في العالم. وكان مناسبا أن أحدثه أيضا عن دار الأوبرا السلطانية التي لم يمض عام كامل على افتتاحها وكان الحديث قد كثر عنها عالميا وليس إقليميا فقط .. كان صديقي الصحفي قد اقتنع في نهاية حوار امتد طويلا، وأذكر أنه بعث لي حينها بعضا مما كتبه بعد زيارته لمتحف اللوفر وللجناح الإسلامي بشكل خاص وبعد أن قرأ ما كتب عن دار الأوبرا السلطانية وأنها تتويج لاحتفاء عُمان سلطنة وسلطانا بالثقافة الراقية.
كنت أستعيد هذه القصة وأنا أتجول في معرض «فكتوريا وألبرت» وحكاية 400 عام من الإثراء الأوبرالي، وهو أول معرض تستضيفه دار الفنون الموسيقية التي افتتحت الأسبوع قبل الماضي، وشكلت إضافة مهمة مع دار الأوبرا السلطانية، وأكدت أن جلالة السلطان هو فعلا «نصير الفن والفنانين» دون أي مبالغة، نصير الفنون ليس باعتباره يدعمها ماديا لدواع إعلامية ترويجية في أماكن بعيدة عن وطنه في سياق أنه سلطان دولة خليجية تمتلك أموالا طائلة، وفق الكلاشيهات السائدة عن المشهد الخليجي، ولكن يدعمها بتبنيها في وطنه ونشر ثقافتها وفق سياسة واضحة وبإيمان تام أن الحضارة، أي حضارة، لا يمكن أن تزدهر بمعزل عن الثقافة والفنون باعتبارهما عمودا من أعمدة بقائها وازدهارها ومساهمتها الإنسانية، ويدعمها لأنه يتذوقها ويؤمن بدورها في بناء الدولة التي يريد والثقافة التي ينشد. وكم كان مفرحا عندما تشاهد معرضا عالميا مثل معرض «فكتوريا وألبرت» يضع مسقط على خارطة مسيرة الفن الأوبرالي في العالم، تلك الخارطة التي بدأت في البندقية عام 1642 وتواصلت حتى مسقط في أكتوبر من عام 2011 حين افتتح جلالته دار الأوبرا السلطانية.
ومن الواضح أن الطريقة التي بنيت بها دار الأوبرا السلطانية ودار الفنون الموسيقية ومعالم أخرى في مسقط مثل جامع السلطان قابوس الأكبر ومبنى مجلس عمان والمتحف الوطني ومبنى المحكمة العليا، ومشاريع أخرى بنيت لتكون معالم حضارية ليس لوقتنا الحاضر فقط ولكن لمئات السنوات وتتحول بعد قرون طويلة إلى معالم أثرية خالدة في تاريخ الثقافة الإنسانية كما هو الحال اليوم مع مبان عالمية تكون قبلة السائح والزائر في كل وقت.
وهذا الأمر يدعونا لتكرار الدعوة لإعادة التفكير جديا بمشروع المركز الثقافي والمكتبة الوطنية والمسرح الوطني لأنها مفردات لا بد منها لاكتمال المشروع الثقافي والفني في السلطنة ولتتويج مستمر لما تستحقه عُمان بكل عراقتها وما تستحقه الأجيال الحالية من أبناء عمان، وكذلك افتتاح بقية القلاع في مسقط أمام الزوار لأنها جزء مهم من تاريخها/‏‏تاريخنا مهما كان ذلك التاريخ مرتبطا بأسئلة لا تنتهي، فالإنسان كما أنه لا يختار الجغرافيا فإنه أيضا لا يستطيع اختيار التاريخ لأنه ببساطة مضى ومضت القدرة على تغييره. لكن حاضرنا المشرق اليوم يجعلنا ننظر لكل مراحل تاريخنا بالكثير من الفخر لأننا واصلنا السير في مساحاته المشرقة وتخطينا مناطق الأسئلة الملتبسة، وهذا يكفي لنشعر بالكثير من الفخر.