أسباب ضعف التكافل اليوم

تعاني مجتمعاتنا من ضعف التكافل بين أفرادها، ولعل أهم أسبابه، عدم استشعار غاية التعبد في المال، فلو استحضرنا حقيقة أن المال أمانة في أيدينا وأننا مستخلفون فيه، وأن الله سائلنا عنه لتبدل الحال، ويكفي أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال:(لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع…. – ومنها- وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه).
ومنها غلبة التوجه المادي على الناس والحرص على المال، وهذا التوجه الجامح الذي نراه في مجتمعاتنا خلف ضعفا في التربية الإيمانية والروحية؛ فأورث قسوة القلوب وقلة التوجه للإنفاق وغلبة الشح، وكل ذلك من ثمرات التوجه المادي، ولو كان التوازن بين المادة والروح متحققا عندنا لأثمر سخاء وعلاجا للشح ووصلا بالله المعطي الرازق مما يثمر رغبة في الإنفاق كالرغبة في الجمع، ولكن التوجه الحاصل وبتلهف للجمع دون الإنفاق للأسف فالله المستعان.
كذلك ضعف ثقافة الإنفاق؛ إذ يظن الناس أن الإنفاق على الأغنياء الكبار، وهؤلاء هم أحرص الناس على أموالهم إلا ما رحم الله، ولم يكن السلف على هذا النوع من الثقافة، وأورد هنا مثالا لثقافة السلف في الإنفاق فقد ذكر في سبب نزول قول الله (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث في خطبة على الصدقة بعد نزول آية الزكاة فجاءَ عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه بأَربعة آلاف درهم، فقال: كان لي ثمانية آلاف درهم، فأَقرضت ربى أَربعة وأَمسكت لعيالي أربعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك فيما أَعطيت وفيما أَمسكت )، وجاءَ عاصم بن عدى بمائة وسق تمرا، والوسق ستون صاعاً أَو حمل بعير، وجاءَ عقيل الأنصاري واسمه الحيحاب، وقيل سهل بن رافع بصاع تمراً. فقال: بت ليلتي أجر بالجرير الماءَ حتى نلت صاعين فأَمسكت أَحدهما لعيالي وجئت بصاع، فقال المنافقون: ما أَعطى عبد الرحمن وعاصم إِلا رياءً، وقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أَبى عقيل … فنزلت الآية.
وأيضا الانكفاء على الذات وعدم فهم العمق الاجتماعي للدين، وقد تقدم بيان الربط المحكم للجانب الاجتماعي بالتشريعات الإسلامية، وعدم نشر الوعي وتعليم الناس واجباتهم المالية، والخوف من التبرع أو الخوف على المال المتبرع به من أن يصل المال إلى يد غير أمينة.
ومنها قلة المبادرات المشجعة المحفزة للناس على الإنفاق. ووجود خلل في تربية النشء على الإنفاق. وقلة المؤسسات الأهلية التي تعنى بالتكافل.
حاجة مجتمعاتنا إلى خطاب ديني مشعر بحاجة صاحب المال نفسه إلى التكافل، وأخيرا فإن مجتمعاتنا محتاجة إلى الوعي والخطاب الديني المشعر بضرورة التكافل وبيان أهميته كما عرضنا آنفا من ضرورة التكافل من جهة، ومن جهة أخرى ببيان منافع هذا التكافل على صاحب المال المرجو منه التكافل وما يحققه من نفع اقتصادي له بتحريك بعض المال بأيدي الناس، ومن أثر أخلاقي يكون هو شريكا في غرسه، ومن أثر إيماني عليه بما يكفل له التوفيق للسلامة في العقبى إذ (الصدقة تطفئ غضب الرب)، ومن أثر على ماله بالبركة والنماء إذ (ما نقص مال من صدقة)، وعلى عمره بالصحة والسلامة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( داووا مرضاكم بالصدقة)، وعلى حياته بالهناء والسعادة والراحة. قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وليعلم أنه بقدر ما يدخل السعادة والفرحة في قلوب المحتاجين تشرق شمس السعادة والطمأنينة في قلبه، وبقدر البسمة التي يسببها في شفاه المكروبين يطبع بسمة الراحة والسعادة في حياته بل ولأسرته وبنيه من بعده، وهو بذلك يفتح أبواب الخير الغامر على نفسه وأسرته.