حقوق الأبناء على الآباء والمربين في التربية والتوجيه

الأبناء الصالحون –

حمود بن عامر الصوافي –

“إن أناسا تركوا الحبل على غاربه لأبنائهم وظنوا أن الأولاد يحتاجون إلى أموال وتلبية رغبات فقط ونسوا أن الأولاد لا يكفيهم المال ولا الكماليات ولكن وجودهم في جو يسوده الأنس والمودة والتوجيه أكبر معين وأكثر سعادة عن أي شيء وليكن الاستعداد مبكرا من أجل جني حصاد مثمر وتجربة شيقة تنتهي بأولاد صالحين”.

الأولاد فلذات الأكباد، ونعم من الله الواحد الوهاب، فهم زينة الحياة الدنيا، وبهجتها، وأنوارها وسعادتها، قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)، وقال أيضا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). لذا اقتضت فطرة الإنسان السوية التي أودعها الله فيه أن يرغب الأب في جعل أولاده أفضل منه خلقا وأكثر سعادة، وأعلى مرتبة وأكثر قيمة فقد ولّد هذا الحب فيه، وغرس في جيناته لأنه ببلوغ أولاده القمة يبلغ منتهاه، ويحصل له من الشرف أسماه.
فقلما تجد أبا يحسد أبناءه على عطائهم أو يغيظه تفوقهم أو يتعبه تقدمهم لأن فعلهم امتداد له وجسر منبثق منه فيبذل الآباء والأمهات الغالي والنفيس من أجل بقاء الأبناء وسعادتهم وتأمين الزرق الحلال والحياة الهانئة لهم إلا أن الآباء يختلفون في تفسير رغد العيش وتقديم الأجمل للأولاد والأنفع فأحيانا يضرون من حيث لا يقصدون، ويقصّرون من حيث لا يدرون، ويفعلون ما يعتقدون أنه خير، ومحض صدق، وعنوان تضحية وتقدير وبذل وكرم ولكن وراءه ما وراءه من ضرر بالغ وفساد ظاهر، وعوائق كثيرة وعلائق ليست حميدة فيسيء الأب من جهة إحسانه ويخطئ من جهة رغبته الصواب والهناء، فكأنه يطعن أبناءه بخنجر ولا يخلد في باله أنه يفعل إثما أو يضيع ولده.
لذلك علينا أن نعي ما يضر أبناءنا وما يصلحهم، ونسأل عما ينفعهم ويحسن أخلاقياتهم فالنظرة الدونية لا تفي بالغرض، والمعالجة الآنية لا تدفع إلى النجاح ولا تحقق مراد الوالد أو الولد وطموحاته فلا بد من منهج محكم وجدية ظاهرة وجهد دؤوب ليتحقق المراد وتتكون الأسر الناجحة ويحيى المجتمع حياة ملؤها الحب والوئام والقوة والمجد وقد قالوا:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
نعم نأخذها مغالبة ومكابدة بالبذل والعطاء والسعي والإحسان فليست هي مائدة من السماء تتنزل ولا ثمرة من الشجرة تقطف بل هي معاودة وتجربة وعناية وسعي ليتحقق الأمل الذي ننشده في أولادنا ويحصل الخير الذي يراودنا فيهم.
فعلينا أن نقاوم أنفسنا ونهذّب ذواتنا ونحوّر بعض رغبات أولادنا ليستقيم حالنا معهم وحالهم معنا فلا تنفع رأفة الأب لولده حينما يلبي مطالب أولاده التافهة في توفير ما يضرهم كهواتف نقالة وهم لا يفقهون من الحياة شيئا ولا يعون من يحاك لهم من أمر فهبه لبى مطالبهم فما فائدة الهاتف لهم وهو قد وفر لهم كل شيء وسأل عنهم في كل أمر؟ وما هي الفوائد التي سيجنيها منه؟ أهو غائب يرجى اتصاله؟ أم مسافر يخشى تعثره وضياعه؟. لا هذا ولا ذاك بل لا يجني من الهاتف إلا سوء الأحدوثة وضرر بالصحة والجسم والعقل حيث إن الذي لا يعي الضرر لا يهمه أن يقضي الساعات الطوال وراء الشاشة الصغيرة ينتقل من مقطع إلى مقطع ومن فيلم إلى فيلم ومن فضائية إلى فضائية وكأن الوقت لا يعنيه والصحة لا تهمه أما درى أننا محاسبون على أوقاتنا أن تذهب سدى وعلى صحتنا أن نضيعها في ما لا فائدة منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه». فالهواتف النقالة للصغار ضررها بالغ وخطرها المحدق ظاهر فلا يأمن أن يدخل في مواقع لا تحمد وهو لا يعرف كنهها ولا يعي مخاطرها فعمره لا يسمح له بمعرفة كل ما يدور حوله ولا اكتشاف ما يحاك من ألاعيب وراءه؟ فهل يترك الابن هكذا ضحية جهل أو إهمال أب؟!. وهل بذلك يكون الأب قد لبى طموحات ابنه أم سعى في تدميرها من حيث لا يخطر على باله فإياك ثم إياك أيها الأب أن تركن إلى مطالب أولادك كلها وأن تستكين لهم فليكن عطفك في مواطن العطف وحزمك في مواطن الحزم وإلا لن تستحق أن تسمى أبا له القوامة على الأسرة كلها وله الكلمة العليا بين الأسرة وهو مسؤول عن التنظيم في بيت الأسرة ووضع الحلول الممكنة مع مشاركة زوجه وأولاده لكن بشرط انتفاء الغرر واتقاء الضرر والبحث عن أجمل السبل وأنجحها وأنجعها.
إن العطف المبالغ فيه والشدة العنيفة خطران يهددان كيان الأسرة ويؤثران على الأولاد والبنات تأثيرا سلبيا فلا تكن صلبا فتكسر ولا لينا فتعصر فوازن أمورك كلها وكن مع أسرتك في كل الأوضاع وفي جميع الأوقات وقاوم تلبية شهوات ما يضرهم واسع بجهدك كله من أجل توفير ما ينفعهم من مواد تعليمية وكراسات توجيهية وكتب يستفاد منها فهذا كله مما يرفع شأنهم ويوثق تجاربهم.
ولا تبخل على أبنائك في كل ما يسعدهم من جلوس معهم وتوجيه طموحاتهم للأحسن وتنمية مهاراتهم ولتكن لك معهم رحلة ترفيهية ولعبة رياضية يسعدون بك وتسعد بهم وليكونوا قربك فيبثوا همومهم لك ولتكن قربهم منهم فتحكي لهم تجاربك وإسهاماتك ومهاراتك فلعل تلك الكلمات تتغلغل في سويداء قلوبهم فتصفو لك أفئدتهم وقلوبهم وتستقبل كلماتهم وما يمرون من حالات نفسية وتجارب حياتية تستفيد منها أنت وتوجه أبناءك الوجهة المثلى للاستفادة منها وتنميتها.
إن الإسلام لما وضع نظام الأسرة لم يضعه هملا أو عشواء بل جعل القوامة للأب وأوصاه بالعائلة خيرا وأمره بمبادئ ينبغي أن تطبق بين الأبناء والأسرة كلها كمبدأ الشورى والحديث الجميل السمح ومبدأ التعاون والتجانس والتعارف، فلا شك أن هذا المبدأ يقوّي الرابطة بين الأسرة ويفتح القلوب لبعضها البعض لذلك خليق بالأب أن يسعى لتقوية هذه الرابطة ليتمكن في أبنائه من غرس ما ينفعهم وما يعينهم على أداء رسالتهم وتنمية مهارتهم في الحياة.
إن أناسا تركوا الحبل على غاربه لأبنائهم وظنوا أن الأولاد يحتاجون إلى أموال وتلبية رغبات فقط ونسوا أن الأولاد لا يكفيهم المال ولا الكماليات ولكن وجودهم في جو يسوده الأنس والمودة والتوجيه أكبر معين وأكثر سعادة عن أي شيء فليحرص الأب على زرع الورود قبل أن ينبت الشوك وتعم في الأولاد وتطم وليكن الاستعداد مبكرا من أجل جني حصاد مثمر وتجربة شيقة تنتهي بأولاد صالحين فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة من صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له» فلله درك أيها الأب فهذا حصاد ما غرسته في سني عمرك السابقة تراه أمامك ماثلا وأنت في أيامك الأخيرة فما أسعدك حين تهنأ في شبابك بصحتك وقوتك وطاعتك وتهنأ في حياتك برؤيتك أبناءك وسعادتك بإنجازاتهم، قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).